حلم ميداس
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
تقول الأسطورة أن شحاذا مر بميداس ملك الليديين، فأغلظ الملك له القول، فدعى الشحاذ الله أن يحول كل شيء يلمسه الملك إلى ذهب. يتحول كل شيء تلمسه يد ميداس إلى ذهب. ابنته تتحول إلى تمثال من ذهب عندما يربت على شعرها، وكذلك كل من يلمسهم من اصدقائه ومعارفه. ويطلب الملك من الحكماء ان يسعفوه ليتخلص من اللعنة التي حلت به، فينصحونه أن يغسل يديه في النهر الكبير، على أثر ذلك يحل السر واللغز الذي تحمله مياه النهر ثم إلى الشاطيء، الذي ما يلبث أن تنتشر حولها أرض شديدة الخصوبة.
أعمل موظفا في دائرة الطابو. أعيش في بيت متواضع، براتب متواضع مع زوجتي وأطفالي وحماتي. زوجتي ربة بيت، لا تكف عن التذمر والشكوى من تفاقم أعمالها المنزلية، وهي صعبة المراس، رغم أنها كانت عند زواجي منها كانت مجرد ملاك وديع.
تمت خطبة ابنتي وسيلة، في الاسبوع الماضي. خطيبها يعمل كمصلح سيارات، يدعى سليمان. وهو إنسان طيب، وفيما إذا استمرت حالته المادية بالتدهور فهو معرض إلى أن يسكن معنا!.. أما حماتي خديجة، فقد التصقت بحياتنا ومنزلنا بطفيلية لا حد لها، منذ خمس عشرة عاما. ولم تنفع كل جهودي في التخلص منها. فهي لا تألوا جهدا في توجيه زوجتي إلى كل ماهو ضدي. لا تعاون زوجتي في أعمال البيت البتة، بل تقضي النهار أمام النافذة. تعاني من مشاكل في الكلى ومع ذلك تستحم بالماء البارد كل صباح.
كل جهودي في توفير حياة معقولة لعائلتي باءت بالفشل. لم اعد أفكر مؤخرا إلا بالنقود.
ما سأرويه لكم بدأ في مساء يوم ما:
كنت عائدا كالعادة بعد خروجي من عملي في التجول بين الشوارع متأملا واجهات المحلات التي تبيع سلعا غالية الثمن. رأيت شحاذا يبسط كفه أمامي، فمنحته عدة قطع معدنية. شكرني الشحاذ قائلا:
ـ ليحول الله القادر على كل شيء كل ما تمسه إلى ذهب.
ثم اختفى في الظلام فجأة. وكأنه ظهر أمامي ليقول لي هذه الجملة ثم يختفي.
ابتعت عدة أرغفة من الفرن المجاور لبيتي. كنت حريصا في لحظات الضيق أن أتناول كأسين من العرق. لاحظت كالعادة أن جميع الأضواء في المنزل مشتعلة. وكأن ثمة مهرجان فيه. فكرت ما سيكلفني ذلك من أجور. طرقت الباب. فتحت حماتي الباب وهي تقول لي:
ـ لماذا تأخرت ؟ أين كنت حتى هذه الساعة ؟
ناولتها الأرغفة دون ان أحدثها. ولمست يدي ساعدها. وحدث في هذه اللحظة شيء لا يصدق. لقد تحولت حماتي إلى تمثال من الذهب الخالص زنته 120 كغما!
أصبنا جميعا بالذهول أمام التمثال الذهبي لحماتي. أقترب ولدي مصطفى وهو يتحسس على التمثال قائلا: يا الهي انه من الذهب الخالص!
غرق حماي الذي قضى حياته مهملا، مغضوبا عليه دائما، في نشيج من البكاء وهو يصرخ دون وعي:
ـ خديجة! خديجة! ماذا جرى لك ؟ ردي علي ؟
انتقلت نوبة البكاء إلى زوجتي:
ـ لأول مرة في حياتي، أرى شيئا يتحول في يد زوجي إلى ذهب!
آه لكم بدأت تخطر في بالي من أفكار جنونية! لو قمنا ببيع هذا التمثال الذهبي، فسنكون من أصحاب الملايين. خدم وحشم وقصور. سأبتاع لنفسي سيارة فارهة، وأغلى أنواع الفراء لزوجتي نورية، وسأقيم ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة في أفخم فنادق المدينة في حفلة زواج ابنتي.
قلت مخاطبا الجميع بهدوء وروية:
ـ التزموا الهدوء رجاءا. لقد تحولت حماتي بقدرة قادر إلى تمثال من الذهب الخالص. لنكن واقعيين، ماذا سنكسب لو أبقينا التمثال هكذا ؟! لكننا لو فعلنا العكس فان مليارات الدنانير ستنهال فوق رؤوسنا. سنتحرر من الفقر إلى الأبد. هذه أول مرة يبتسم فيها الحظ في وجوهنا.
صرخت زوجتي في وجهي بكل ما في صوتها من قوة:
ـ مدحت! ما هذا الهراء ؟ هل أصابك الجنون ؟ هل تعتقد إنني سأوافق على بيع أمي ؟
ـ وما الفائدة التي سنجنيها من وقوفها كالصنم هكذا في زاوية الغرفة؟
قالت ابنتي:
ـ لربما ما حدث لها شيء مؤقت، وقد تعود إلى حالتها الطبيعية بعد فترة.
أما حماي فقد كان مستمرا في الصراخ، يقذف نفسه يمنة ويسرة ويردد دون انقطاع:
ـ أريد زوجتي.. الهي اعد لي زوجتي رجاءا!
ما أراه الآن ليس حماتي، بل تمثال من الذهب الخاص عيار 24 زنته 129 كغم. وكل ما عدا ذلك باطل وغير واقعي. تقف المليارات وأكوام متكدسة من الدنانير أمامي. ها قد حصلت المعجزة الإلهية أخيرا، فلماذا لا يرونها ؟ كان يجب ان أسيطر على الموقف. صرخت في وجه الجميع:
ـ كفوا عن البكاء والنحيب! لقد قضيت سنوات طويلة وأنا أكد وأتعب، في قيظ الصيف وبرد الشتاء القارس من اجل أن نقف على أقدامنا. لا فائدة من البكاء والنحيب، لمجرد ان حماتي تحولت بقدرته جلى وعلا إلى تمثال ذهبي بلمسة من يدي. إنها الحكمة والمعجزة الإلهية ، التي تريد أن تنقذنا من براثن العوز. يجب أن تروا هذه الحقيقة الجديدة التي ستفتح أمامنا أبواب الرخاء.
قال صهري مصطفى:
ـ لكن تمثال الخالة خديجة معرض للسرقة في أي لحظة. لا تنسوا هناك مجرمون ينحرون البشر مقابل مائة دولار. لو علم أحد بأمر التمثال فسينحروننا جميعا في سبيل الاستيلاء عليه. من الأفضل إيداعه في مصرف أو التأمين عليه.
لم أكن أتصور أبدا أن يكون صهري بهذه العقلية المتفتحة.
قلت له:
ـ دعنا نسحب أولا التمثال إلى الداخل قبل ان تراه عيون الجيران الفضولية.
كان التمثال تقيلا للغاية، لم نستطيع إلا ان نزيحه قليلا من مكانه. أحسست في تلك اللحظة بأنني أنطلق بسرعة الريح في سيارتي الجديدة، أعيش في فيللا فاخرة، أنتقل بين بلدان العالم، على متن طائرات ضخمة على الدرجة الأولى دائما.
استطعنا سحب التمثال إلى الداخل. هتفت بالجميع:
ـ غدا سأودع التمثال في مصرف. سأستأجر سيارة لنقل التمثال.
اتهمتني زوجتي بالخيانة والجشع:
ـ لم أكن أتصور أن تبلغ بك الخيانة والجشع إلى هذا الحد! أن يعمي الطمع عينيك. هل كنت ستفعل نفس الشيء لو تحولت أمك أنت إلى تمثال ؟
ثم راحت في نشيج مستمر.
أما حماي فكان يردد كأسطوانة مشروخة:
ـ لن أفترق عن زوجتي.. إنها ملكي ومليكتي!
أصابتني نوبة مفاجأة من الانفعال:
ـ هل أصبحت ملكا لك بعد أن حولتها إلى تمثال من الذهب الخالص ؟!
تدخلت زوجتي قائلة:
ـ اخفضا من صوتيكما.. سيسمعنا الجيران.
كانت النوبة العصبية التي انتابتني لا تزال في أوجها:
ـ الجيران فقط!.. بل سيسمعنا قاطعو الطرق الذين يقبضون على الأرواح من أجل بضعة دولارات. وسيسمعنا الجنود الأمريكان، ولربما سيستولون على التمثال بحجة أنه من المال العام، ولولا تحريرهم لنا لما كان بامكاننا اكتشاف هذا التمثال الذهبي الضخم، الذي سيعتبرونه من الكنوز السومرية. ولربما سيقطعونه إلى أجزاء ليحملونه إلى متاحفهم!
أمضينا ليلة عصيبة. كان الكل يعزف من وتر مغاير، نشاز. وحينما كنا نتناول الحساء في العشاء، كنت ألقي بين حين وآخر نظرة على التمثال. آه كم كان يلمع ببريق جميل وأخاذ وسط الغرفة المعتمة، التي كانت تقف في وسطها بصمت مهيب!
عدت جديدا إلى المناورة:
ـ لنكن واقعيين. قبل هذه المعجزة، كانت عرى علاقاتنا العائلية على وشك الانقطاع بسبب تواضع راتبي. لقد تحولت حماتي إلى تمثال من ذهب دون أن يكون لأي واحد منا ذنب في ذلك.
سمعت حماي يقول:
ـ كانت حتى في حياتها امرأة كالذهب.
صمت ولم أعلق على ما قاله. لم أشأ أن أذكره بمعاركهما اليومية المستمرة. والعبارات المهينة التي كانت تكيلها له. بدا الجميع متفقا على ضرورة إيداع التمثال في مصرف. ولكن كيف يمكن ذلك في وسط انعدام الأمن وانتشار الفوضى والسرقة في كل مكان ؟ حتى المصرف لم يعد آمنا.
كلما ازددت تفكيرا في الواقع المتردي، ازددت قناعة بصعوبة نقل التمثال إلى مكان آخر أو بيعه. لم يبق من أمل إلا تقطيعه إلى أجزاء صغيرة وبيعها على هذه الشاكلة للصاغة أو المهربين.
فجأة سمعت تعليق حماي الذي ينبيء بأنه بدا يستوعب الواقع الجديد.
ـ ترى كم هي قيمته الحقيقية؟ ألن نتعرض إلى الغش والتضليل فيما لو حاولنا بيع التمثال؟
ـ سنزنه ونعرف قيمته الحقيقية من سعر الذهب المعلن في البورصة.
قال ولدي الصغير:
ـ ترى هل له قيمة أثرية ؟
نهرته زوجتي:
ـ صه! لا تكن قليل الأدب!
قال صهرنا:
ـ من الأفضل تحويل قيمة التمثال إلى عملة سائلة، وإيداع المبلغ في المصرف، فهو أسهل وأيسر من مخاطرة نقل التمثال إلى المصرف. ونستطيع أن نعيش برخاء من قيمة الفائدة الشهرية للمبلغ المودع.
نهرته زوجتي:
ـ احفظ أدبك يا فؤاد!
قال حماي وقد بدت ملامح الخوف بادية على محياه:
ـ وماذا لو انتقل الأمر إلى المخفر ؟ ماذا سنقول لهم، إذا سألوننا: كيف تحولت هذه المرأة إلى تمثال من ذهب ؟ من سيصدق روايتك يا صهري العزيز؟!
انه تفكير منطقي حقا وواقعي في نفس الوقت.
علقت زوجتي بدورها:
ـ قد يظنون إننا سرقناه، وبسبب ذلك سنقضي بقية عمرنا وراء القضبان.
طرأت على ذهني فكرة مفاجأة. قلت لهم:
ـ اهدؤوا قليلا! لا يمكن إيداع التمثال في المصرف لخطورة هذا العمل. أو تجزئته إلى قطع. لأنه عمل شاق للغاية ويحتاج إلى خبرة. إضافة إلى أنه ليس من اليسير بيع تمثال ذهبي بهذا الحجم. الأفضل هو إخفاء التمثال حاليا عن الأنظار. انتظارا لفرصة أفضل.
علق ولدي الصغير:
ـ سيظنون بأننا سرقناه من منطقة أثرية.
قلت لهم بعد أن أعجبت بتعليقه:
ـ سيظنونه تمثال إحدى الآلهات. من الأفضل إخفاءه حاليا عن الأنظار. لننم الآن، ونخفي كل شيء. لقد نال التعب منا جميعا.
غطينا التمثال ببساط طويل ودفعناه بصعوبة تحت السرير الذي كانت ترقد عليه حماتي قبل أن تتحول في هذا المساء الغرائبي إلى تمثال من الذهب الخالص.
لم ينم أحد منا، وخاصة أنا فقد كان النوم يغادر جفوني كلما تخيلت الثروة التي ستهطل علينا كالمطر، وتحولنا في غمضة عين إلى من عالم الكفاف إلى عالم الغنى والثراء، وأصحاب قصر منيف يطل على دجلة. وتحقق لنا مالم نحققه حتى الآن، من مشاهدة الدول الأوربية، وزيارات كازينوهات القمار في موناكو. سوف لن أدخن إلا سيغار هافانا. أخذت أفكر مجددا بنفس التساؤلات التي كنت أفكر بها قبل لحظات. هل من الأفضل قطع التمثال إلى سبائك أم بيعه كما هو؟ فمن المستحيل بيعه كتمثال امرأة من الذهب الخالص.
اكتشفت ان الجميع يقظى مثلي بعد أن سمعت صوت ولدي يقول:
ـ هل سنبتاع منزلا جديدا بثمن التمثال يا أبي ؟
بدون شعور وبطريقة آلية وجدت نفسي أرد عليه:
ـ بالطبع يا عزيزي، سنشتري منزلا فخما، في أفخم منطقة بكركوك، ومنزلا أفخر على ضفاف دجلة.
انضمت إلينا زوجتي التي كانت تنهر الجميع، وأخذت بدورها تردد طلباتها:
ـ وسنشتري غسالة ملابس وغسالة أطباق ومكواة بخارية وفيديو..
أخذت أربت على كتفها بحنو:
ـ ما أبسط أحلامك وأمانيك يا حبيبتي!.. سيكون لك خادمتان بدلا من واحدة. لن تنشغلي نفسك بعد الآن بالطبخ والغسيل والكوي.
قال حماي الذي اكتشفت انه لم ينم أيضا:
ـ وأنا سأبني جامعا.
جفانا النوم جميعا.
هذه أحلامهم. أما أحلامي فمن نوع آخر..
فتيات كحور الجنان وأنا بينهن، أرتشف أفخر أنواع النبيذ من قدح بلوري لم يمسه فم من قبلي. وسيقوم غلام بمعاونتي على ارتداء ملابسي، ويحمل لي خفي عندما أعود تعبا إلى البيت. كما ستقوم حسناوات يابانيات أو فليبنيات بتدليك جسمي. وسيأتي الحلاق كل صباح إلى قصري ليحلق لي ذقني فقط. سأنام داخل منامات حريرية. ولن يغيب الكافيار الذي اسمع به ولم أره أو أذقه وكل أنواع الأسماك البحرية والنهرية الغالية والنادرة عن مائدتي.
سمعت صهري يهمس في أذني:
ـ لماذا لا تلمس يا عمي أشياء أخرى في المنزل ؟ أفعل ذلك بصدق فلربما يتحول بعضها إلى ذهب، ويكون بيعه أو تجزئته على الأقل أسهل.
ـ أنا مستعد. قلت له.
قالت زوجتي:
ـ هيا يا عزيزي المس طست الغسيل أولا.
قمت من الفراش، واتجهت إلى الحمام. لمست الطست مرات بدلا من مرة واحدة، لكن المعجزة لم تحدث.
ترى هل يحدث ما حدث لحماتي هذا المساء عندما ألمس كائنا حيا، تجري الدماء في شرايينه وعروقه ؟
صرخوا بصوت واحد:
ـ المس قطة البيت!
أحضر ولدي القطة المنكمشة على نفسها. أغمضت عيني، ومددت يدي ألمس، بل أداعب جسمها الناعم الجميل. وكانت النتيجة خيبة أمل مضاعفة.
علقت زوجتي شامتة:
ـ يبدو أنك فقدت قدرتك.
أجبتها متذمرا:
ـ ألم أحول أمك بوزنها الثقيل إلى تمثال من ذهب ؟ لماذا تطمعين بالمزيد ولا تقتنعين بالثروة الطائلة الموجودة لدينا ؟ ان أعمارنا جميعا سوف لن توافينا لنرى نضوب المليارات التي سنجنيها قريبا بإذن الله.
عدت إلى فراشي من جديد. وتمددت زوجتي إلى جانبي. همست في أذنها:
ـ حبيبتي سترتدين أغلى أنواع الفراء. سأملأ خزانة ملابسك بآخر صيحات الأزياء الباريسية.
همست زوجتي راضية:
ـ وسأقتني أيضا البارفان الجديد الغالي الثمن المعروض في الأسواق.
وافقتها على الفور:
ـ بالتأكيد.. بل يجب عليك شراء كل ما تبغين من ملابس وعطور وأحذية مستوردة فاخرة. فلا أزال أتذكر انك ترتدين نفس المعطف منذ سبع سنوات!
غفوت قليلا والأفكار تتزاحم في رأسي، وأنا أستعرض فكرة وراء أخرى وحلما وراء حلم آخر.
نهضت في ساعة متأخرة، واتجهت إلى المرحاض. الكل كانوا نياما بعد ان تغلب عليهم سلطان النوم. أردت أن القي نظرة على التمثال الممدد تحت السرير الذي كان يغفو فوقه حماي. كان قد وضع ساقه الاصطناعية إلى جانبه، تماما في المكان الذي كانت ترقد فيه زوجته. كان يتنفس بهدوء.
أحسست برغبة عارمة لرؤية التمثال. تمددت تحت السرير، وأزلت جزءا من غطاء التمثال. سطع بريق ساحر أخاذ. يا الهي ما أروعه من مشهد!
كان نور القمر ينساب إلى الغرفة. مددت يدي لأزيل جزءا من غطاء التمثال، لأمتع نفسي ببريقه الذهبي.
لمست يدي رقبة التمثال. واستغربت أن تكون لينة وطرية. ذهب لين وطري!
فجأة سمعت الصوت الذي لم اسمعه منذ المساء:
ـ ماذا تفعل هنا أيها السكير ؟ هل أثقلت في الشرب كالعادة ؟ ألا تخجل من نفسك ؟
لم أصدق ما أراه. اختفت المعجزة، وعادت حماتي كما كانت متجبرة وسليطة اللسان. أزاحت الغطاء عن نفسها وخرجت من تحت السرير، وهي ترغي وتزبد.
في تلك اللحظة تهدمت دنياي، وتحطمت أحلامي وتحولت أمنياتي التي كنت اسبح في بحارها قبل لحظات إلى صحراء قاحلة.
أخذت تصرخ بأعلى صوتها وكأنها مصابة بالحمى. استفاق على أثره جميع من كان في المنزل ماعدا حماي. كان الجميع ينظر إليها كما ينظر الخاسر بعينين زائغتين ضياع أحلامه وأمانيه.
صرخت بنا جميعا:
ـ ما الذي دهاكم ؟ لماذا تنظرون إلي باستغراب هكذا ؟
قالت زوجتي:
ـ لا شيء هناك يا أمي. اهدئي رجاءا وحاولي النوم.
تناولت حماتي قدحا من الماء البارد، ثم تمددت على فراشها. استغرقت بعد فترة قصيرة في نوم عميق.
لم يعلق أحد في المنزل في اليوم الثاني على ما حدث. وكأننا فقدنا القدرة على الكلام. ولا أدري لحد الآن ما الفائدة التي جنيناها من الحادثة الغريبة غير إطلاق العنان لأحلامنا وأمنياتنا.
اكتشفت ان حماتي لا تتذكر على الإطلاق ما حدث.
تسألني كعادتها عند عودتي إلى البيت كل مساء:
ـ أين كنت حتى هذه الساعة ؟
5/6/2005
العاشرة صباحا