قص

من أوراق دنيازاد المجهولة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

أثار نبأ العثور على أوراق دنيازاد الكثير من التقولات والظنون. بعضهم أنكر وجود تلك الأوراق بالجملة والتفصيل. في حين تطوع الكتبة للتشكيك بفحواها. ادعوا أن ما نشر ، إنما يرمي إلى ما هو أشد من القتل.لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف هربت تلك النصوص إلى خارج أرجاء المملكة. قيل في حينه ، أنها وجدت مخبأة في إحدى جدران غرف القصر التي كانت تشغلها دنيازاد، وذلك قبل هجوم عسكر المملوك الجديد على القصر، الذي قتل جميع ساكنيه بما عرف في حينه ب"مجزرة البلاط". بعض التجار القادمين من المملكة، سربوا أنباء تفيد ، بأن ما عثر عليه لم يكن سوى تفاصيل خطة ، كانت أعدتها شهرزاد وبالاتفاق مع ولي العهد للنيل من جذور محرمة. رعايا المملوك الجديد فضلوا الصمت-كعادتهم-إبان المحن . متعللين بدواعي الأمن والسلامة. لم يعدموا الحجج ولا المسوغات . تحدثوا باستفاضة عن الضرورات التي تنزع عن طريقها كل أردية الكرامة والحياء. تماما كما فعلوا حين أعمل شهريار السيف في صدور عذراهم. فغالوا في إظهار الحكمة في ضرورة التشدد بتلقين الدرس لكل من تحاول العبث بشجرة الأنساب.
رؤساء المجامع في المملكة أظهروا مهارة فاجأت حتى شهريار نفسه، وذلك حين قدموا المبررات التي لا تقبل الرد.دعموا أدلتهم بنصوص تتلى في الصباح وفي المساء.نصوص تؤكد جميعها ، خلوهم من المواهب التي حبا بها الله الملوك ، دون سواهم من البشر، في فهم المقاصد والغايات.
صب الفريسيون اللعنة على مالك تلك الأوراق الذي أصر على نشر ما لديه تباعا، متجاهلا الوعيد والتهديد بالانتقام . في مقدمة تلك الأوراق نقرأ وصفا حيا لما جرى ليلة الاحتفال الملكي الكبير. ليلة إعلان شهريار العفو عن ما تبقى من عذارى المملكة.
"كانت الفتيات اللواتي بلغن للتو سن الرشد ، يتقدمن بخطى مترددة وإيدن مرتجفة ، لإلقاء ملابس الحداد في أتون صنع خصصيا لتلك الغاية، وبأمر من شهرزاد. تزّين بأثواب حملت كل ألوان الربيع. جلبت على عجل من بلاد السند والهند، لتكون تقدمة ملكية وإيذانا بعهد جديد"..."كان الذهول يكلل الوجه الدائري الأثير.ذهول حسبته بداية حال من الفرح العميم الذي يصيب عادة الناجين من الموت. بدت سيدة القصر المتوجة للتو ، شاردة عن كل ما حولها. وبدا وجهها وقد امتقع بالأزرق. أمسكت بيدها ، فتسلل الصقيع إلى جسدي.أفيقي شهرازاد، ما الذي جرى لك بحق السماء!؟؟تشبثت الملكة بقوة في يدي ، وبصوت واهن رددت: "أنه الإعياء يا أختاه، إعياء بعمر ألف ليلة وليلة". استدار الملك متسائلا عما يكون. تعللت بحمى الفرح، بينما كنت أنتحي بها جانبا.توقفت شهرزاد قليلا وقالت وهي تحدق في وجهي بنظرة رعب حقيقية: "أتراني قد تورطت يا أختاه إلى هذا الحد؟".
لم أفهم ما الذي رمت إليه شهرزاد في حينه. قلق مجهول ذاك الذي غمرني. تلفت حولي، كي أتأكد أن أحدا لم يسمع ما قالته.انتهى الاحتفال بسلام.وانقطعت الملكة عن الخروج من مخدعها عدة أيام، تجرعت أثناءها مرارة استبداد الخوف والأرق. وفي ليلة اكتمل فيها القمر بدرا ، دعتني إلى أريكتها في حديقة القصر.قرأت في عينيها الرغبة في البوح.أفسحت لها ، لنقترب أكثر فأكثر من حدود المكاشفة. ولكن هل كان بمقدوري وقف تدفق ذلك السيل الجارف للمخاوف التي تساوقت كالشلال، لتقضّ هدوء لياليّ.هل أحبت شهرزاد ملكها؟".سؤال اندفع بعفوه ليحّول وجه شهرزاد إلى وجه طفل عيي كف عن محاولات جعل الآخرين فهمه. لا زلت أذكر ظل تلك الابتسامة الموجعة التي رمتني بها. شعور قاتل امتزج بكل دلالات الذنب والخجل والخزي التي اجتاحتني.هل تسرعت ؟وقبل أن أهم بالاعتذار عاجلتني كلماتها: "لا أعرف يا دنيا ، إذا ما كنت أنا حقا من ضاجعها شهريار في تلك الليالي،أكاد أجزم أن ذاكرتي ما كان بمقدورها التكفل إلا بلحظتين ، لحظة الولادة ولحظة رؤية شبح سيف شهريار وهو يصل رقبتي حادا وحار وحازما".
صمت قاتل ذاك الذي لفّنا.أحسست أن القمر قد تحول إلى كتلة سوداء ، قبل أن يختفي وراء كتل الغيوم القاتمة.الرذاذ الخفيف كما صوت الرعود ، زادا من وحشة المكان. شدت شهرزاد على يدي وقبل أن تنسحب وبنرة ملؤها الآسى: "كوني على ثقة يا دنيا،أنه في ظل أجواء الرعب لا تنمو سوى الضغائن".
تتالت سهراتنا بعد ذلك وخصوصا، عندما كان الملك يغيب في رحلات صيد طويلة، وتوالت معها ظنوني الفاجعة. شيء أقوى من الخوف هو ما دفع بي ذات ليلة لاستدراجها. أتعقب خطى الأفاعي في محاولة مني لتأكيد الظنون أو نفيها..إحساسي بالخطر الداهم ،جعلني أتمرغ في وحل السذاجة التي لا أطيق.طفقت أعدد المزايا التي تتمتع بها ملكة كي تكون توأما للعفاف. حمّلت نبرات صوتي أقصى ما تستطيع من كلمات الاستنكار، لفعلة حمقاء دفعت ثمنها أجمل عذرانا.
-"ها... وما الذي تطمح إليه المرأة أكثر من يعترف بها كملكة على الأصقاع؟"
صوبت شهرزاد نحوي نظرات تطفح بكل معاني الاحتقار، ثم:
-"أيتها الحمقاء لو أنك قلبت السؤال لما أعياك العثور على الجواب".
تجاوزت بصعوبة شعوري بالإهانة ،لتحل محله الشكوك التي كانت تدب في رأسي. هل خانت سيدة القصر ملكها أم تراها...؟ لم تخطأ شهرزاد قراءة وساوسي ، وعلى الفور ، أجهزت بعباراتها على ما كنت أود لو تنفيه:
-"الخيانة يا دنيا هي فكرة أحسنت التخفي وراء الحكايات والأساطير، وذلك كي تحتمي من حد السيف الذي ينتظرها، وكلنا بهذا خونة يا دنيا، الفرق هو أنني استطعت أن أبزكم جميعا بترتيب خيانتي.كم أحسد تلك الزوجة على صدقها وإخلاصها يا أختاه"
- حاشى لك يا أختي من ذلك الفعل الخسيس ،فأنت الأشرف والأنبل والأجمل.
صرخت بي شهرزاد وهي تنقر بسبابتها على كتفي وبصوت حمل ما يكفي من إشارات التحذير:
- لك أن تكفي عن إطلاق أحكامك الغبية على تلك المرأة التي لم تفعل سوى الصدق والحق اللذين أحسدها عليهما.
-وإني لأربأ بك عما تتفوهين.رباه أتراك قد جننت حقا؟
-وبتصميم أشد تابعت:
-أجل أنها الحقيقة يا دنيا، وأنا من شعر ويشعر بالاتضاع أمام قامة تلك المرأة . هي من جسّد الفكرة . قذفت بها إلى الأرض وليدا سويا عفيا . يا لهذا الجمال الذي تنعتونه بأحكامكم الجاهلة بالخيانة.
لقد روعني ما سمعت تلك الليلة إلى الحد الذي انعقد فيه لساني.هل يمكن أن يكون الإجهاد القديم قد أثّر على عقل شهرزاد ليصل بها حد الهذيان . وعندما صحت بإحدى الجواري كي تحضر بعض الأعشاب والبخور لرقيها ، نهرتني بفظاظة لم أعهدها يوما بها:
-دعك من هذا الهراء ، إذ لا أحسب أنني توصلت يوما إلى كل هذا الوضوح في مداركي وأحاسيسي كما الآن.
-ولعلي أنا التي لا تصدق أن تنطلق مثل هذه الأفكار الخبيثة عن المرأة التي أنقذت بحكاياتها الجيل الجديد من عذارى مملكتنا.
قهقهت شهرزاد وهي تتابع:
-تتحدثين وكأن النساء في مملكتنا قد كففن بسبب حكاياتي عن أن يكن أضحيات!!...رباه أي وهم ذاك الذي زرعته الأسطورة في العقول!!
-بل لعلك أنت من يتناسى يا أختاه، ألم يكف شهريار عن فعل القتل مذ بدأت الحكاية؟ أم أنك ستنكرين حتى هذا أيضا؟
تغضن وجه شهرزاد بتعبيرات الألم ثم وبأسى شفيف:
-أجل لقد كف يا دنيا. كف بعد أن عزز في مملكته سلطة النجيع.كف بعد أن تأكد أن رايته تتنامي وترتفع بيد الفحول من أبناء مملكتنا.
- أعترف أنني ما عدت قادرة على فهمك يا شهرزاد.
-ألف يوم ويوم يا دنيا،ألف ليلة وليلة كنت أسمع فيها حشرجات النساء بعد أن يكون السكين قد فصل الرأس عن الجسد. كن يتجسدن أمامي بعيون تنطق بكل معاني الرعب.كنت أرى الدم يرتفع ويرتفع إلى الحد الذي يغرقني.نظراتهن المتوسلة كانت تجلدني كما السياط.تخترق قلبي وتكذب جميع حكاياتي.
-والسبب هو تلك العاهرة التي تدافعين عنها الآن.
- وما الذي فعلته تلك المرأة كي تنعتينها بالعاهرة؟
-ألم يرها بأم عينيه وهي تتعرى أمام عبيده وتستعد لممارسة طقوس الحب؟
-أنّى لي أن أنسى كيف اغتصبها شهريار دون إرادتها. ثم أولم تكن في الأصل لهم قبل أن ينالها دون حق ويحول كل هؤلاء إلى عبيد؟
-اخفضي صوتك أرجوك!
طلبت منها ذلك ،وأنا أتلفت حولي . تراءى لي أن أحدا ما يتنصت على أحاديثنا. فضلت أن أختصر زيارتي.ودعتها ومضيت . انقطعت عن لقائها فترة من الوقت. كنت عاجزة عن فعل أيما شيء .
كان شعور الخوف من المجهول يلاحقني كظلي ليحيل صورة المستقبل أمامي إلى لغز.
وهنا يتوقف ناشر تلك اليوميات ، ليشير إلى انقطاع سببه فقدان بعض الأوراق ، ويحيلنا إلى الورقة الأخيرة.مضمونها يتحدث عن زمن آخر استقام فيه ولي العهد شابا . تتابع فيها دنيازاد: "ما كان يخطر ببالي أن أتصرف ذات يوم على نحو لا يليق بمقامي الملكي.أتلصص خلف الجدران والشرفات .أترقب الأنوار . أحصي على الملكة كل حركاتها.ترى ما الذي كان يدعوها إلى التسلل من مخدعها كل ليلة قاصدة جناح ولي العهد؟.نور خفيف ينبعث من المكان.أصوات أقرب ما تكون إلى الهمس .أسفاح قربى؟ لعن الله سوء الظن.ألصقت أذني أكثر فأكثر إلى الشرفة،وجاءني صوته:
-لا أدرك بعد الحكمة في وجود هذا المخلوق البشع ، يا أماه.
تنهدت شهرزاد بحسرة ثم:
-أواه... كم هو مسكين هذا القرد الذي تسقبح يا ولدي.لو عرفت حكايته لأشفقت أو لاستزدت معرفة بعالم الخلائق والطبائع.
- وكيف يا أماه وما هي قصته.
-أجل يا ولدي .فهذا المخلوق كان يوما ما إنسانا كاملا مثل كل البشر.
- تقولين إنسان ،عجبي أن يتحول الإنسان إلى هذا المسخ.
- ولكنه كان يا ولدي ،ولعل في ذلك قصة مؤلمة وتحمل عبرة لنا.
-احكها لي يا أماه.
- حبا وكرامة يا ولدي .
"كان يا ما كان في سالف العصر والأوان ،وفي إحدى ممالك الواق الشاسعة ، قوم بسطاء .يدرأون عنهم المرض والحسد بأحجبة يصفها لهم عرافون محترفون.لم يعوا كيف تمكن منهم ذات يوم تنين عظيم له من الرؤوس سبع . من ألسنته الكثيرة يقذف لهبا أشبه ما يكون بالحمم .كانت صورته وقوته قادرتان على بث الرعب في أعتا جبابرة الأصقاع.عند ينابيع القوم اختار التنين مسكنه . عذراء من أجمل عذارهم تقدم له مع مطلع كل ربيع، وبطقوس احتفالية .ذلك كان شرطه ،إذا ما أرادت المدن والبلدات اتقاء شره.اضطرب القوم .وتداعى مجلس الحكماء إلى اجتماع عاجل للتشاور في أمر الخطر الذي يتهددهم.اقترح بعضهم إحناء الرأس لشرط التنين ، ريثما يهيئون العدة للإجهاز عليه. وهنا تدخل السحرة والمشعوذون ،يساندهم رجال عاشوا فيما مضى على هامش حدود المملكة .يقطعون الطريق ويسلبون القوافل في غدوها ورواحها. أثار هؤلاء البلبلة عندما ادعوا قدرتهم على الإجهاز على التنين بضربة واحدة وقاتلة.اتهموا زورا مجلس الحكماء بالتقاعس والجبن والتفريط بالأعراض .عم الهياج كل أرجاء المملكة .واضطربت البلاد،عندما انقض أحد السحرة يساعده بعض الأعوان على المجلس .فتك هؤلاء بضربة واحدة بحكماء المدينة .اقتيد الملك إلى ساحة الإعدام .هناك حرق حيا مع القضاة ومع كل ما ضمته دار المحكمة من شرائع ونواميس. صار الدم مشهدا يوميا . تحولت المدن والدساكر إلى خرائب. لكنهم لم يقتلوا الوحش كما أشاعوا، بل حاولوا استرضاءه بتقديم ما يرغب من عذارى البلاد. استباحوا طمأنينة النساء.لا فرق بين ثيب أوبكر. أصدروا مراسيم عدة. إلا أن أقساها وأشدها لعنة كانت تلك المتعلقة بحظر استعمال اللغة بين الناس .امتنع الناس عن التحدث إلى بعضهم البعض . استعاضوا عن النطق بلغة أخرى تكفلت بها أجسادهم . صارت لغتهم أقرب ما تكون إلى الهمهمات . ومع الوقت استطالت أيديهم لكثرة استعمالها في تحية الساحر الذي نصب نفسه ملكا على الأمصار. لم ينتبه هؤلاء القوم أن أقفيتهم تحولت بفعل الركل اليومي إلى كتل حمراء . ركلات يتلقونها صباح مساء بذل وهم صاغرون . عيون الأعوان والعسس طالت حتى فراشهم . فاضطر ذكورهم لممارسة الحب خلسة وبسرعة تشبه سرعة القرود .صاروا لا يستطيعون العيش إلا قطعانا. واندفعوا للعيش فوق الأشجار طلبا للسلامة. يقذفون بعضهم بكل ما يقع في أيديهم .يشيرون بأصابع الاحتقار إلى كل من حافظ منهم على آدميته. وصار بعضهم يخشى بعضه . .فقدوا الثقة بأقرب المقربين إليهم. ما شعروا كيف أو متى بدأ الدم الذي كان يغذي مراكز النطق في أدمغتهم، يتحول مقهورا إلى بصيلات الشعر في أجسادهم ويغطيها جميعا.وشيئا فشيئا تحولوا إلى تلك المسوخ التي تراها في القردة".
-ولكن كيف يسمح الله ،يا أمي أن يتحول أعظم مخلوق لديه إلى قرد؟.
وهنا أدركت شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وقبل أن تنسل شهرزاد من غرفة ولي العهد،كنت أنا دنيا زاد قد أسرعت بالانسحاب من المكان.

كاتبة فلسطينية تقيم في فيينا

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف