قص

يوميات صحفي في بغداد

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كانت اول وجه اطالعه في الشارع وانا ابحث عن سيارة تقلني الى العمل وجه اختبأت في اخاديده حكايات كثيرة لم يبق السواد الذي تتشح به معنا للسؤال عن حالها فقدرت انها ارملة ولخروجها مسرعة من السوق نحوي يعني انها بائعة فيه بادرتني بالسؤال:
- هل لديك متسع من الوقت لتسمعني؟
- اجبتها (قولي يا امي)...
وانا لاستطيع تقدير عمرها
- قالت: لا ينفع اريدك ان تتفرغ لتسمعني!
- قلت لها: هل اجلب فريق التصوير معي لانها كما يبدو تعرفني اعمل مراسلا صحفيا؟
- قالت: كلا لا اريد التصوير اريد احدا ابكي معه.
وانا اسمي ام محمد ولديّ (بسطية في نهاية هذا السوق اسأل عني انا ابيع الخضار الجميع يعرفني).
- قلت لها: ان شاء الله سأوافيك قريباً.
غادرتها بعد ان تشرب قلبي بحزن كبير في بداية الصباح... وتذكرت ان السوق الذي تعمل فيه كانت قد انفجرت الى جواره سيارتان مفخختان اطاحت بأجساد عددٍ من الباعة بينهم (قاسم) مواليد 1967 الذي كان مهموماً بتوفير لقمة العيش لأخوته الذين زوجهم قبله وللتو بدأ يجمع بعض المال كي يتهيأ للزواج. (قاسم) الذي ورث المهنة عن ابيه وتقف معه امه التي ضعف بصرها ولا تجيد غير البكاء وتحفظ (دارميات الحزن).
بدأت السيارة التي استأجرتها تقطع المسافة ببطئ متجهة نحو محل عملي لم انتبه للسائق الا لحظة قال (علينا تغيير الطريق لان هناك انفجار وقطعت قوات الجيش والشرطة الطريق) وبالفعل استدار عابراً الرصيف اسوة بعشرات السيارات.
السائق كان شاباً لم يبلغ الثلاثين بدا عليه انه لم يحلق لحيته قبل يومين، سألته محاولاً سبر غوره: - هل تعتقد الطريق الذي سلكناه سيكون سهلاً لاني سأتاخر عن الداوم، لم يعلق مباشرة ربما لانه كان يسير على طريق ترابي محاذياً للشارع الرئيس وبعد ان استقل الطريق الرئيس التفت نحوي قائلا:
- استاد هو أكو طريق مابي ازدحام ؟
ثم مد يده الى مذياع السيارة فكانت نشرة الاخبار على البي بي سي سطر المذيع فيها عدد من الانفجارات التي حصلت صباح اليوم في بغداد والمحافظات والتي حصلتها عدد من الضحايا بالمدنيين قلت له: اما تعبت من سماع الاخبار:
قال:
- وماذا اسمع الاخبار تحاصرني في بيتي ومع اصدقائي وفي السيارة، مد يده نحو المذياع فغيرت المحطة كانت اغنية لمطربة لا اعرفها (وهي على ما يبدو من الاغاني التي ترى ولا تسمع).
فضحك وقال:
- هل تعجبك هذه الاغنية؟
- قلت له: انا احب سماع فيروز.
مد يده في حقيبة السيارة التي كتب عليها (سترك يا رب) واخرج شريط التسجيل ودسه في جهاز التسجيل وكانت اغنية كاظم الساهر...
قال: اسمع وحاول ان تنسى همومك.
كانت اغنية انا وليلى....
سألته: هل تحب؟
اجاب: كلا ولكن استمتع بسماع قصص الحب المغناة وهذه الاغنية تجعلني استرخي على الاقل اجتاز بها متاعبي.
توقفت عن الحديث معه على اثر مكالمة وردتني من مدير الاخبار يكلفني فيها بالتوجه نحو احد الواجبات ومن خلال الحديث فهم السائق انني اعمل في احدى الفضائيات على اثر ذكر الكاميرا والتقرير وبعض التفاصيل المتعلقة بالعمل..
- سألني: انت صحفي؟
- قلت: نعم.
- قال: انكم لا تقولون الحقيقة دائماً!
- سألته: وما الحقيقة التي تبحث عنها؟
- قال: في كل شيء، واحياناً تنقلون اخبار مبالغ فيها تشعرنا بالخوف من خلال التأكيد عليها احياناً اشعر ان كل شيء في بغداد قد احترق بعد عودتي من الشارع فيساورني القلق على اصدقائي واهلي واطفالي الذين يذهبون كل يوم الى المدرسة.. انصفونا، انتم والزمان علينا..
- لا اعرف ماذا أجيبه، تبسمت بخجل وقلت له: ان شاء الله ليت الجميع يسمعك..
كنت على مقربة من مقر عملي اعطيته الاجرة وفتحت باب السيارة بعد ان توقفت لانزل.
- قال لي: عفواً أستاذ إذا ما كان كلامي قد أزعجك.
- قلت له: كلا من حقك ان تقول ما تشاء وانا سعيد برؤيتك.
وجدت فريق العمل ينتظرني اصطحبتهم متوجهين نحو الواجب الذي كُلفت به كان عن اكلة السمك كل اربعاء عند البغداديين وتأثيرها على الرزق.

قاص عراقي مقيم في بغداد

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف