عم عطية المسحراتي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
رحم الله عم عطية المسحراتي، أو "عم عطية الطبال" كما كنا نطلق عليه في صبانا البعيد قبل ثلاثين عاماً في إخدى قرى الجنوب .. كان يشبه أشجار الصفصاف، سقيماً حتى يصعب على المرء أن يتخيله يأكل ثلاث وجبات يومياً بانتظام، فارعاً كأنه راية، مستقيماً كالصديقين والقديسين، لم يضبط يوماً متلبساً بالمزاح، أو حتى النميمة التي يعشقها أهل قريتي في صعيد مصر، متأثرين بالعزلة الطوعية التي اختاروها بعيداً عن بقية القرى، إذ تقع في أقصى الغرب من وادي النيل، على تخوم الصحراء الغربية .
لم يكن أحد في القرية يعرف عائلة لعم عطية، كأنه نبت شيطاني ظهر فجأة في قريتنا، وإن كان الكبار يؤكدون أنه نزح من الفيوم واستقر به المقام في قريتنا وتزوج بها ، ويبتسم أحد شيوخ القرية بخبث قائلاً : "إنها تدابير الله وحكمته، فمن كان سيتزوج سعدية غير عطية"، وكأنه ألقى حجراً في بحيرة راكدة، إذ يطلق رفاق الشيخ ضحكات مجلجلة، وتبدأ التعليقات على سعدية، فهي وإن كانت ابنة عائلة كبيرة ولها وزنها في القرية، غير أن الرجال لم يكونوا يخشونها لهذا السبب، بل خوفاً منها هي شخصياً، إذ كانت تتمتع بصفات لا صلة لها بالأنوثة، فهي قوية البنيان تشبه المصارعين بالفطرة، وحين تراها تعمل في الحقل لا تصدق أنها امرأة ما لم تقترب منها جدا، كانت تعمل بالفأس مثل أي فلاح ريفي تربى في الحقول، وكان صوتها أجشاً ربما من فرط تدخين الشيشة، إذ كانت المرأة الوحيدة التي تجلس على المقهى الوحيد في القرية، ومع الوقت اكتسبت هذا الحق، ولم يعد هناك من يستنكر أو حتى يستفسر عن هذا السلوك الذي لا تمارسه أي امرأة في صعيد مصر، حتى لو كانت وزيرة.
المثير في الأمر أن عم عطية الذي أنجب منها دستة أبناء، لم يكن من هواة الجلوس على المقاهي أبداً، بل كان رجلاً مستقيماً ومثالياً، لا تراه إلا في عمل، أو عائد من عمل أو ذاهب إليه، أو في المسجد أو عائد منه، وكان يعمل طيلة العام في مهنة فريدة ـ ربما انقرضت الآن ـ وهي صناعة "البراذع" الخاصة بالحمير ـ أعزكم الله ـ إذ يتفنن في تصميم ثم "تنجيد البرذعة" وتوشيتها حسب طلبات الزبائن، فما ينبغي عمله في برذعة حمار العمدة أو شيخ البلد أو التاجر الغني لا يحتاجه الفلاح الفقير الذي ينشد شيئاً عملياً يفي بالغرض والسلام، وهكذا لم يكن عم عطية يعمل بالحقل المتواضع الذي ورثته زوجته سعدية عن أبيها، ولا يتجاوز بضعة قراريط، بل كانت هذه هي مهمة زوجته وبعد ذلك الأبناء حين شبوا ودخلوا طور الصبا والفتوة، بينما عم عطية يجلس أمام منزله النائي على أطراف القرية، ينشد أناشيد حزينة بلهجة لا نفهمها نحن أبناء القرية، وذات مرة سألناه عن هذه اللهجة فقال إنها "لهجة يمانية"، وأنه من قبيلة يمنية نزحت إلى الفيوم قبل قرون، وأنه ترك قبيلته وعاش في قريتنا لأسباب لن نفهمها الآن .. ويلوذ بالصمت.
يا ناس حبايب .. يا ناس جيران
قبل أن يحمل عم عطية الطبلة والفانوس ويجوب دروب القرية الملتوية المتداخلة، في مهمة المسحراتي الموسمية، لم نعرف من كان يقوم بهذا الدور قبله، المثير أن الرجل كان يردد نفس الأغنيات أو المواويل الحزينة، كنا نلتقط منها بضع كلمات تتحدث عن الحمامة البيضاء التي حطت على كتف النبي، والميناء البعيد الذي حمل الأحبة إلى بلاد الله، ولم يكن خيالنا الريفي يتيح لنا فهم معنى الميناء، فالريف استقرار وزرع وحصاد وأمن وسكينة، لا يعرف الرحيل ولا الموانئ ولا يحبذ الغربة أبداً .
يحفظ عم عطية أسماء كل الناس في القرية، ليس هذا فحسب، بل وأسماء الأبناء الذكور والصبايا والفتيات، وكلما مر أمام منزل يذكر أسماء قاطنيه، ويدعو للأبناء بالرزق الوفير، وللكبار بالعمر الطويل، وينقر على طبلته دقات موزونة كأنها إيقاع مارش عسكري شديد الانضباط، ويحمل فانوساً أثرياً ربما يعود لأيام العثمانيين، يضئ بالزيت، وعليه نقوش بديعة وكلما تعرض للكسر أصر على إصلاحه في البنادر والقرى المجاورة، وكنا نسير خلفه مأخوذين بسحر الطقوس التي يمارسها الرجل، لدرجة أن صبياً من جيلنا أبدى ذات يوم قلقه من أن يموت عم عطية، ولا يقبل الله صيام قريتنا، لأنه كان يتصور أن عم عطية الطبال أصبح ركناً من أركان الصيام في رمضان .
يجوب عم عطية القرية لتسحير أبنائها في نفس الوقت .. قبل الفجر بثلاث ساعات، سواء جاء رمضان صيفاً أو شتاء .. لا فرق، وكان يعرف حتى الذين تركوا القرية ومضوا إلى غايات بعيدة، فيدعو لهم أن يرد الله غيبتهم، ويقف طويلاً أمام بيوت العجائز الذين لا يقيم معهم من يقوم على خدمتهم، حتى يتأكد أنهم استيقظوا بالفعل، ثم يعرج على الجزء القبلي من القرية، حيث تقطن عائلة اشتهرت بحمل السلاح والاقتتال مع العائلات الأخرى، فيمدحهم عم عطية مثنياً على شجاعتهم، ويصفهم بالفرسان، ثم يتجه إلى الجانب الشرقي حيث تقطن عائلة أخرى اشتهرت بسماحة الطباع وحسن الخلق والخلقة، فيتغزل فيهم ويستفيض في وصف محاسنهم، ويشيد بسماحتهم، ثم يطلق ساقيه إلى الركن البحري القصي بالقرية، وهو حي أرستقراطي إن صح التعبير، إذ يقطنه أثرياء القرية وكبار التجار والعمد المتعاقبون وشيوخ البلد والأفندية المتعلمون، وهناك يتحول عم عطية إلى مغني أوبرالي من الطراز الرفيع، إذ يزداد صوته حدة، وتتخذ كلماته لكنة مفهومة خلافاً لتلك اللهجة الغريبة التي يستخدمها عادة، بينما تتداخل نقرات طبلته وإنشاده الرزين مع صوت سيد مكاوي المنبعث من أحد أجهزة الراديو أو التلفاز بمنازل أفندية وكبار القرية، مترنما بكلمات فؤاد حداد:
مسحراتي
منقراتي
منجراتي
دواليب زمان
ما تشتكوشي
دقة شكوشي
جت في الاوان
يا ناس حبايب
يا ناس جيران
انا قلبي دايب
على البيبان
عجوز شويه
لكن عينيا
روحين حنان
لاظني سئ
ولا جبان
درويش وأوسطى
وشيخ كمان
وفي عبي قطه
ازاي حتلعب .. فيه الفيران
ولا يستنكف عم عطية هذا المنافس الإليكتروني القادم عبر الأثير، بل على العكس، يصمت قليلاً ويستمع بكل كيانه لصوت سيد مكاوي اللعوب، ويطلق صيحة إعجاب : "الله الله يا شيخ سيد، كمان والنبي يا مولانا"، وكأن الشيخ سيد مكاوي يسمعه فيرد:
لو ماشي في الصحراء شفت النور اقول انسان
دا انا كل شباك يقيد أبوس أيد الانسان
يا رب من رحمتك مكنت للانسان
يطل الشاويش عبد اللطيف من نافذة منزله لينهر عم عطية بغلظة مهدداً إياه بالقبض عليه بتهمة الإزعاج، مستغلاً في هذا التهديد عمله "بلوكامين" في مركز الشرطة، فلا يرد عم عطية ويواصل سيره حثيثاً، يدق طبلته وكأني به يردد كلمات فؤاد حداد ثانية:
أنا ولد .. أنا فحل عنيف
عبد اللطيف مش عبد الطيف
مهمتي الموت والتخويف
والشوم بطاقتي الشخصية
لم تكن لدى العم عطية المسحراتي بندقية يطلق منها الرصاص، ولا مدفعاً للإفطار، ولم يكن لديه منبر ليخطب عليه، ولم يكن ذائع الصيت كالمطربين، ومع ذلك ظل طيلة عمره يوقظ القرية ويشد انتباهها كل ليلة رغم تكرار ما يفعل دون ملل ولا كلل، إذ كان في ليالي قريتنا كأنه النجم القطبي يهتدي به السائرون والتائمون والعازمون على صيام يوم جديد، طمعاً في رحمة الله، وإيماناً بمجد الإنسان .. صانع الخير والشر، والجمال والقبح، والدهشة والضجر.
مات عم عطية وبعده بشهور ماتت زوجته سعدية، وتبدلت بعدهما أشياء كثيرة في قريتي الرابضة بين النهر والصحراء، فسبحان من له الدوام.
Nabil@elaph.com