المرجعية الدينية الشيعية وأحزابها الطائفة السياسية!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
نقلت وكالة رويتر بتاريخ 10/10/2005 خبراً مهماً يشير في جوهره إلى ثلاث مسائل أساسية بعبر عن موقف جديد للمرجعية الدينية الشيعية في النجف، مرجعية آية الله العظمى السيد علي السيستاني ، التي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:
1.كان قرار تأييد الأحزاب السياسية الشيعية في الانتخابات الأخيرة من جانب الحوزة العلمية ومرجعية السيد السيستاني خاطئاً، إذ أنه زج بالمرجعية في خضم المعركة السياسية التي كانت تدور بين الأحزاب السياسية العراقية، وهي بالتالي اتخذت موقفاً غير حيادي إزاء تلك الأحزاب وقدمت خدمة غير مقبولة لطرف دون آخر أدى إلى نجاح الطرف الذي أيدته في الانتخابات، وبالتالي فهي مسؤولة عن سياسات هذا الطرف الذي ساندته والعواقب الناشئة عنها.
2.إن السيد السيستاني، وبعد هذه التجربة، يرفض ترشيح معاونيه الموجودين في مختلف المحافظات العراقية إلى الانتخابات القادمة، ولكنه يدعو إلى المشاركة في الانتخابات.
3.وأن مرجعية السيد السيستاني ترفض، استناداً إلى تلك التجربة، تقديم الدعم للائتلاف الوطني العراقي وللحزبين الرئيسيين في هذا الائتلاف، "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" الذي يقوده السيد عبد العزيز الحكيم، و"حزب الدعوة الإسلامية" الذي يقوده الدكتور إبراهيم الجعفري.
إذا كان مضمون هذا الخبر صحيحاً، وأرجو أن يكون كذلك، فأنه سيساعدنا على استخلاص عدة استنتاجات جوهرية، منها:
•أن السيد علي السيستاني ومساعديه قد أدركوا العواقب الوخيمة التي ترتبت على وعن تدخل المرجعية الشيعية في الشؤون السياسية وخاصة في الانتخابات السابقة، وأن الثمن كان غالياً من جوانب عديدة على المرجعية ذاتها.
•إن تدخل المرجعية الدينية الشيعية في الشؤون السياسية يسمح، شاء البعض أم أبى، امتلاك رجال الدين الآخرين من أتباع الأديان والمذاهب الأخرى ومن مختلف الجماعات التدخل في الشؤون السياسية وبالتالي يكون الحصاد للجميع سيئاً وعقيماً، وتفقد الدولة موقفها الحيادي من كل الأديان والمذاهب وتتحول إلى دولة دينية ومذهبية سياسية غير مناسبة للعراق.
•إن هذا التدخل يضع السيد السيستاني ومعاونوه على مرمى نيران القوى الأخرى التي ترفض موقف التدخل في الشؤون السياسية. وقد لاحق الموت الكثير من معاوني السيد السيستاني، الذين كان لا يجوز التضحية بهم بأي حال.
•أن السياسات التي اتبعتها الأحزاب الإسلامية السياسية تتناقض مع المصالح الاجتماعية والدينية التي تسعى إليها المرجعيات الدينية. ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، سعي أحزاب الإسلام السياسي الشيعية إلى تشديد الصراع الطائفي السياسي وتعميق الاستقطاب المذهبي بين أتباع المذهب السني من جهة، وأتباع المذهب الشيعي من جهة ثانية، تماماً كما تفعل أحزاب الإسلام السياسي السنية، من أجل دفع الشيعة لكي يصوتوا لهم، في حين سيصون أتباع المذهب السني إلى الأحزاب السياسية السنية، وبالتالي ينقسم المجتمع العراقي إلى قطبين متصارعين هما الشيعة والسنة. وهو أسوأ ما يمكن أن يحصل في بلد مثل العراق.
•ويبدو لي بأن مرجعية السيد السيستاني قد تلمست بما لا يقبل الشك، التداخل الكبير الجاري منذ ما يقرب من سنتين بين أجهزة الأمن والمخابرات والپاسدران (الحرس الثوري) الإيرانية من جهة، وأحزاب الإسلام السياسي الشيعية وفيلق بدر وجماعة مقتدى الصدر أيضاً من جهة أخرى، والعواقب الوخيمة التي تتربت على المرجعية ذاتها نتيجة هذا التداخل.
•ولا شك في أن بعض الجرائم التي ترتكب بحق أتباع المذهب السني بدأت تنسب إلى فيلق بدري وإلى قوى أمنية إيرانية تعمل في صفوف القوى الإسلامية السياسية العراقية، وهو ما تنأى المرجعية الدينية بنفسها عنه.
لقد نقلت وكالات الأنباء الإيرانية الفرحة العارمة لدى أجهزة ومؤسسات إيرانية كثيرة بسبب العلاقات المتشابكة أكثر فأكثر بين أحزاب الإسلام السياسي الشيعية وبين إيران وقواها العاملة في العراق، وأن هذا سيخلق حلفاً متيناً يسمح بتصدير الثورة الإسلامية الشيعية على مناطق أخرى من العالم. ويمكن أن تقدم البصرة وجنوب العراق أمثلة صارخة على هذا التفاقم والتشابك في العلاقات، ولكن بغداد ليست اقل من ذلك. وهذا الاتجاه هو الذي يمكن أن يحرك الدول العربية ذات الأغلبية السنية ويدفع بها إلى مزيد من التدخل في الشؤون العراقية، وهو ما يزيد من تعريض الأمن العراقي إلى مخاطر جديدة.
إن الإنسان ليأمل في أن تتخذ المرجعية الدينية في النجف موقفاً واضحاً ومحدداً إزاء هذه الأمور لتنأى بنفسها عما ترتكبه الأحزاب الإسلامية السياسية من أخطاء فادحة في السياسة العراقية في المرحلة الراهنة.