بوابتان للزمن.. خروج ودخول
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في يقيني ان ميل البشرية الى تحديد الزمن، فعل ثقافي وعلمي في منتهى الذكاء. ولا ندرك أهمية ذلك الانجاز الا في اوقات معينة نختبر فيها معنى ان يكون الزمن مسفوحا يسيل الى منحدر لا يحده حاجز.
تحديد الوقت هدية العقل الجمعي لاعضائه، ايا كان شكل التقويم الزمني وهويته: الصيني، الهجري، الميلادي الروماني، العبري، الفرعوني. الخ. لم تتوقف محاولات البشر عن الامساك بما لا يمكن امساكه: الزمن.
لقد انتبه من وضعوا التقويم الزمني الى ان الارض تعيش نظام الدورات، فتكرر نفسها في دورة الليل والنهار، ودورة والفصول، فوضعوا لافتات لتلك الحدود وأعطوها ارقاما وجعلونا نحسب ما مضى من عمر لكل شيئ، بعدد مرات تكرارها.
لولا ذلك التحديد لما فكر الانسان ربما بما فات وبما هو آت، بجدية. في مسار العام مثلا، دوما هناك بوابتان، واحدة للدخول واخرى للخروج. عند الثانية، نتساءل ما الذي انجزناه في أرض المسافة الماضية؟ يسترق البعض نظرة سريعة الى الخلف، والبعض الاخر يقف ويتأمل ويحاسب نفسه. لولا تلك الوقفة لتشابهنا مع القطيع الذي يسير ويتدافع من غير هم سوى ان يتلمس موقع الاعشاب والماء.
عند البوابة الاولى، بداية العام، نتفاءل بدورة نقية خالية من الشوائب، نعد أنفسنا فيها بأن نبذل الافضل، نتمنى الاكثر خيرا لنا ولأحبتنا وللعالم، ونتفاءل بقدوم الاوقات الطيبة. وهو ما يفعله البريطانيون باعلانهم قرارات شخصية يلزمون فيها أنفسهم لبقية العام.
لو أننا في نهاية العام نقوم بجردة حساب ليتأكد كل منا بالتزامه بقرارته وجديته ودأبه في تنفيذها، فقد يكتشف تباطؤا واهمالا في جزء، ومثابرة واخلاصا في جزء آخر. وليس أمامنا الا ان نكون صادقين مع أنفسنا، فالغش في تلك المحاسبة لا يضر أحدا سوى صاحبه.
تنطفئ سنة وتنطلق أخرى ويكاد المرء يتشوش من الأضواء والاصوات المنبعثة من الالعاب النارية والحناجر البشرية في الساحات وكل اماكن التجمع التي اشهرها في مدينة لندن ساعة (ترافلغر سكوير). أهي نار تنطلق باتجاه الزمن الماضي جزاءا له على حمله السئ، أم اضواء تطلق ابتهاجا بالزمن القادم الذي لم يفكك حمولته البريئة بعد! صورة تذكر بـ"جينوس" الاله الروماني بوجهيه المتناقضين، وجه ينظر الى ما مضى وآخر ينظر نحو ما هو آت. وهو ما يشبه حالنا.
لولا تحديد الزمن بقواطع واضحة، لما تفاءلنا بوطن زمني اسمه المستقبل، ولتوقفنا ربما، جميعا، عند بلاد اسمها الماضي.
كاتبة سورية مقيمة في بريطانيا