العدالة في قبضة الأرهاب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يتعرض الشعب العراقي الى هجمة أرهابية شعواء توظف فيها قوى الأرهاب الدولي والتطرف السلفي المارق وعصابات الأجرام التي أنطلقت من سجونها بأمر الطاغية، تساندها قوى الأمن والمخابرات والأمن الخاص وفلول صدام ، تمارس الجرائم الخسيسة وبالغة النذالة ، وتشيع القتل والدمار والتخريب تحت غطاء مقاتلة قوات الأحتلال الأجنبي للعراق.
وبعد ان تعمدت القوات المحتلة أن تفتح مخازن السلاح وثكنات الجيش العراقي الخالية من حراسها، وبعد ان اغمضت قوات الأحتلال عيونها حين قام النفر الضال بنقل كل موجود مخازن العتاد والمتفجرات والأدوات الخاصة بالتفجير والموت الى اوكارها ، بالأضافة الى جعل اماكن خزن السلاح مباحة لكل من يريد ان ينقل من السلاح الخفيف مايرغب ويريد، وفوق كل هذا جعلت الحدود العراقية مفتوحة وسائبة ليدخلها البغاة وقطاع الطرق والمنبوذين والبلداء من بلدانهم بالأضافة الى قوافل من البهائم المفخخة التي تتوفر في أزقتنا العربية وفي بلداننا المنسية.
وبسيطرة الأرهاب والعصابات على الشارع العراقي كان المواطن العراقي المتضرر الوحيد من جرائم هذه المجموعات، سواء بتعرضه للموت على الظن او الشك او الريبة او المزاج، او بمنعه من العمل وتأمين قوت عائلته اذا كان من عمال القطاع الخاص. وبقي المواطن العراقي ينتظر أن تتمكن السلطة المؤقتة من مواجهة هذا الزخم من الأجرام، وتتمكن من توفير مستلزمات المواجهة.
وقدم اهل العراق الضحايا وقوافل من الشهداء جلهم من الفقراء والمحرومين والمتضررين من نظام صدام، ولم يتعرض عناصر الأمن الخاص والمخابرات والأمن الى أية أضرار او ملاحقة، وبقيت هذه النماذج التي ابتلي بها العراق سائبة وتحت حماية المجرمين والأرهاب تحت زعم وواجهة العداء للأحتلال. وبقي اهل العراق يتطلعون الى تمكن السلطة المؤقتة على مجاميع الارهاب والأجرام، ويقينا ان الحكومة تعرف منابع الأرهاب وتعرف الأشخاص الذين يريدون النيل من شعب العراق وأيقاف تقدمه وأعاقة مستقبله، كما تعرف السلطة أسماء العناصر التي تتاجر بهذه العصابات وتتخذ من بلدان عربية مقرات وساحات لها، وتساندها فضائيات وصحف كانت تعتاش على عطاء القائد الاوحد البائد، كما اصبحت هذه العقول المريضة معروفة ومكشوفة للجميع.
ويوما بعد يوم يثبت الأرهاب انه الأقدر والأكثر ايقاعاً في الوجع والألم والدم العراقي، ويوما بعد يوم يقوم الأرهاب ومجموعات الأجرام بعمليات تتحدى فيها ليس فقط الشرطة وقوات الحرس الوطني، وانما تحديا سافراً لكل الشعب العراقي.
وأمام المطالبة الشعبية، والحاح الناس بأن يتم عرض المتهمين من الذين يقرون بأعترافات صريحة ومصدقة من قبل قضاة التحقيق بالجرائم التي تم ارتكابها من قبلهم، وازاء المطالبة والألحاح بكشف حقيقة الأكاذيب والأفتراءات التي يروجها بعض من عدم وجود عرب يقتلون ويفتكون باهل العراق، وعدم وجود عناصر مخابرات بلدان عربية تستهدف شعب العراق، وجدوا انه من الضروري ان يتم عرض المتهمين على خستهم في التلفزيون وأمام المشاهدين ليدلوا بأعترافاتهم التي سبق ان أدلوا بها أمام القضاء.
وقد أطلعنا قبل فترة على الأحكام الخجولة التي أصدرتها المحكمة الجنائية المختصة بحق عدد من المتهمين ممن اعترف بأرتكابه أعمال حيازة المتفجرات والشروع بأرتكاب جرائم التفجير والأتفاق الجنائي على عمليات القتل والخطف والسلب، غير أن الأحكام التي صدرت تؤشر بما لايقبل الشك عدم جدية الجانب القضائي في أن يجد أحكاماً تتناسب مع جسامة الفعل والنتائج الأجرامية التي نتجت ازاء ه.
وأذا كانت الأحكام الأخيرة التي أصدرتها المحكمة تخالف جميع النصوص القانونية العراقية، فانها تؤكد أن الأحكام التي ستصدر حتى بحق المتهمين بقضايا الأبادة الجماعية والقتل والتعذيب والأغتيال ستكون بما يتناسب مع عقوبة الجنحة وضمان حقوق الأنسان لكل متهم حتى لاتصفنا الدول المانحة للقروض بأننا أمة تعالج قتلة أولادنا وأبنائنا بالأعدام فنكون من الخاسرين.
ولكن الذي نعرفه أن الشريك يعد فاعلا للجريمة اذا ساهم مع غيره في ارتكابها، ومن دفع غيره لارتكاب الجريمة بالتحريض يعد شريكا، كما أن الأتفاق الجنائي على ارتكاب الجنايات يعاقب عليه القانون بعقوبة الجناية، بالأضافة الى أن قانون العقوبات العراقي أفرد باباً خاصاً ضمن الكتاب الثالث من قانون العقوبات للجرائم الماسة بحياة الأنسان وسلامة بدنه، ومنها القتل العمد، والجرائم التي ارتكبت من قبل القتلة والسفلة وعناصر النظام الساقط بحق ابناء العراق لاتخرج عن نطاق الجريمة الجنائية العمدية مما يوجب على المحكمة أيا كان أسمها أن تقوم بتطبيق النص العقابي العراقي على المتهمين بعد أدانتهم، وعدم الأكتراث لقوانين أو توصيات الأحتلال.
أن احكاما خفيفة لاتتناسب مع التكييف القانوني للفعل، ولاترقى لمستوى جسامة الفعل المخالف للقانون، وأحكاما خفيفة تسر المجرمين وتلغي حالة الردع التي يمكن ان تكون حين يلمس المتهم ما صار بغيره ليكون عبرة له لردعه وأمتناعه عن الشروع والأقدام على ممارسة الجريمة.
وعلى ضوء تلك الاحكام صارت العدالة تحت قبضة الأرهاب وليس العكس، ومن الطريف ان يقم صدام باصدار قرارات الاعدام في ابسط الجرائم، بينما يتم التساهل مع المتهمين بعد سقوطه، وفي العام 1994 اصدر صدام قرارا برقم 86 لسنة 94 جوز فيه الحكم باعدام من كان لم يتم الثامنة عشر ة من العمر قبل ان يتم العشرين من عمره حين تجد المحكمة ان ظروف الجريمة لاتستدعي الرافة.
ونحن نسأل عن أسباب الرأفة التي وضعتها المحكمة أمامها حين قرأت نية المتهم التي جسدها بالسفر عبر عدة دول وعبور الحدود بشكل غير مشروع بهدف قتل اكبر عدد ممكن من العراقيين وتنفيذ هذه الرغبة عمليا في افعال جرمية ومخالفة للقانون.
إن دماء العراقيين غالية وحياة اولادهم غالية ولم تزل البيوت تنوح لفقدانها أولادها التي ذبحت أو قتلت تفجيرا وقتلاً وأغتيالاً بالرصاص من قبل هذه النماذج، وسيستمر مسلسل الدم والقتل والأرهاب مادامت العقوبة غير رادعة ولاتتناسب مع الجرائم المرتكبة، وهذا سيدفع كل العقول الجاهزة لارتكاب الجرائم لممارسة الجريمة، فقد اشيع أن لاأعدام في العراق بأمر من قوات الأحتلال، واشيع أن قوات الأحتلال لن تسمح بتنفيذ حكم اعدام أي مواطن مهما أرتكب من فعل جسيم، وهكذا أنسجمت الجهات مع رغبة قوات الأحتلال، مثلما اتفقت على أن دماء العراقيين رخيصة وقوانينهم متوقفة وثاراتهم مؤجلة وحقوقهم لا أثر لها.
أن حقوق الأنسان في حماية الأنسان من الأبادة والقتل وليس حماية القاتل وتأمين وسائل الراحة والتسلية له، وأن حقوق الأنسان في ردع المجرم ووضع حد لأستمرار نزيف الدم العراقي، وفي قول للرسول محمد ( ص ) : (( من قتل نفساً بغير حق كأنما قتل الناس جميعا ))، و(( يقتل القاتل بمثل ماقتل )). وعليه فأن الأرهاب الذي يعيث في أرض العراق ويمارس جرائمة بكل يسروسهولة يدعونا للنظر بمزيد من التأمل على العدالة التي وقعت في قبضته قبل ان يصير الأرهاب في قبضة العدالة.