كتَّاب إيلاف

اليساريون الجدد في مذاهبهم!

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حكمت المحاكم الإيطالية منذ أيام على ثلاثة من قادة ما يدعى ب" الألوية الحمراء الجديدة"، على طريق المنظمة التروتسكية القديمة بالاسم ذاته. هؤلاء الجدد هم كأسلافهم متورطون في جرائم قتل. القيادية بينهم "ناديا ديسدمونا" قالت أمام المحكمة:
"الجماهير العربية هم حلفاء طبيعيون للبروليتاريا." ونعرف أن صنوهم الياباني القديم، الجيش الأحمر الياباني، تعاون مع أولى عمليات العنف التي نفذها اليسار الفلسطيني المياسر وذلك في عام 1972 بمطار اللد، وكان الضحية 26 مدنيا، ولعل بيننا في العراق من يساريين من صفقوا بحرارة لما حدث.
أما الصحفية التروتسكية الإيطالية جوليانا، التي "اختطفها" أبطالها الإرهابيون في العراق، ممن كانت جميع تقاريرها من بغداد تصفهم بالمقاومة العراقية ضد أمريكا،. فقد خرجت ولله الحمد سالمة من "مؤامرة أمريكية "على حياتها المقدسة لكونها حصلت من الخاطفين على "أسرار خطيرة" أرعبت الأمريكان فأرادوا خنق إذاعتها. لكن العبقرية جوليانا، المراسلة القيادية في جريدة "الشيوعي" ذات الانتشار المحدود، لم تجب على السؤال التالي: لو أراد الأمريكان قتلها حقا وعن عمد، فلماذا لم يفعلوا ذلك وكانوا قادرين، حيث "لا من شاف ولا من درى"، ولقتلوا السائق المخابراتي معها، ثم اتهموا الزرقاويين والصداميين بقتلهما.
وأيضا مع اليسار الإيطالي المياسر، في حدث جديد بطلته أيضا صحفية في جريدة " مانيفستو" الشيوعية. هذه الصحفية، واسمها أنو نزياتا، وهي أيضا رئيسة محطة إذاعية، اجتهدت في مقال لها أعادت " إندنبيندت " البريطانية اليسارية نشرها، أن كلا من بن لادن وتوني بلير متشابهان؛ فكل منهما "طرح آراءه وأفكاره بشرف من خلال تقاليد بالية ومحبطة رفضاها." وتمضي المحروسة لوشا قائلة إن بن لادن انتزع "إعجاب الأجيال الشابة" وله مثل بلير "شخصية جذابة." وبن لادن في نظرها حقق للإسلام ولأول مرة منذ 400 سنة تجديد الحياة، وهو "يقود تحديا لأكبر قوة وحيدة في العالم." [ انظر تقرير إيلاف عدد 8 يونيو ـ حزيران ـ الجاري.] ويشبه هذا الرأي تقدير الكاتب اليساري المعروف نعوم شومسكي، الذي يعتبر أن بن لادن "يقود آخر ثورة إسلامية "في العالم [ من حسن الحظ أنها آخر ثورة!!]
إن هذا الإعجاب بالإرهاب الأصولي الإسلامي لمجرد عدائه لأمريكا قد يتجلى عند أوساط يسارية أخرى، في الغرب وفي العالم العربي، بأشكال أخرى مموهة غالبا، وهو يكاد يلتقي موضوعيا مع الهوس الإسلامي في الشارعين العربي والإسلامي بتمجيد ابن لادن وبالعداء المطلق لأمريكا وذلك مهما فعلت حتى ولو بفضلها تمت إزاحة طاغوت دموي كنظام صدام، الذي عجزت قوى شعبنا لوحدها عن الخلاص منه. وقد تكون ثمة أشكال أخرى للتقليل من خطر الأصولية الإسلامية الإرهابية التي تريق الدم يوميا في العراق وفي كل مكان، فيجد البعض لها الأعذار كالقول إن أفعال بن لادن هي نتيجة "إرهاب الأصولية المسيحية" والغطرسة الأمريكية. وهذا منطق سمعناه من قادة حماس وعرفات عند كل عدوان دموي على المدنيين الإسرائيليين، وخصوصا عندما يكون ثمة تقدم في طريق الحلول السلمية. فعمليات الجماعات الفلسطينية المتطرفة التي تتعمد تخريب كل مسعى سلمي برعاية دولية وأمريكية بالذات يجري تبريرها بالاحتلال الإسرائيلي، و"عدم المبالاة الأمريكية"! ومن يجهل أن فوز شارون في الانتخابات جرى على إثر عملية انتحارية فلسطينية دموية في وقت كان فيه اليسار الإسرائيلي الحاكم قد قطع خطوة كبرى للتفاهم مع الفلسطينيين؟
إن مظاهرات اليسار الغربي عشية حرب الخليج ضد أمريكا ومشروع حرب تحرير العراق من نظام صدام، كانت تلتقي مع هياج الشارعين العربي والإسلامي المسيّر من المتطرفين الأصوليين والقومانيين. كان لكل هدفه وبرنامجه، ولكن شعار "لا للحرب" عهد ذاك لم يكن يعني عمليا إلا "فليبق صدام"، وذلك رغم رفض اليسار لدموية صدام ونظامه الشمولي؛ ولكن ما دام الطرف الآخر هو أمريكا فإن بقاء صدام هو في نظرهم "أهون الشرين!"
اليسار الجديد في العالم يضم منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر والكتل والمنظمات اليسارية المتياسرة التي تريد التعبير عن مرارتها وغيظها لبروز القوة الأمريكية وهزائم الأنظمة الشيوعية وتقلص دور اليسار وذلك عن طريق النفخ في بوق العداء لأمريكا و"اللبرالية الجديدة" والتهويل من خطر "الأصولية المسيحية" ومن يدعون بالمحافظين "الجدد " في أمريكا.
إن نقد بعض سياسات أمريكا وقراراتها أو بعض عيوب المجتمع الأمريكي، يتحول عندهم لعداء مطلق لأمريكا، المجتمع والبلد والثقافة، وكل ما هو أمريكي. طبعا النقد مطلوب وواجب ولكن النقد هو غير العداء الأعمى الذي يحجب الحقائق و"يعمي البصيرة"! وهكذا مثلا تسير المظاهرات إدانة ل"غولاك زماننا" في غوانتينامو. وبينما تسير في الشارع الأردني، المتضامن مع صدام والإرهاب الدموي في العراق، احتجاجا على بقاء معتقل الإرهابيين هذا، فإن منظمة حقوق الإنسان الدولية تصدر بيانا يعتبر غوانتينامو "غولاك العصر"! فأي تشويه وأي ضحك على الحقائق . فغولاك ستالين راح ضحيته ملايين الأبرياء في الاتحاد السوفيتي، ومعتقل غوانتينامو يضم عناصر إرهابية خطيرة ثبت تورط معظمهم في عمليات قتل جماعية؛ وإذا وجدت بعض الانتهاكات البشعة من جانب بعض السجانين، فالحكومة الأمريكية ومؤسساتها وصحافتها هي أول من يدين والإدارة تتخذ الإجراءات ضد المسؤولين كما فعلت مع النفر المتورطين في انتهاكات أبي غريب، الذي هو بدوره لا يضم أبرياء بل عناصر اعتقلت خلال مطارد لإرهابيين. فأين هذا من الغولاك؟!
إن سقوط صدام بفضل القوات الحليفة هو صفحة لامعة في سجل السياسة الأمريكية ودون أن يعني ذلك نسيان خطاياها الكثيرة السابقة في العالم وأخطاءها في عراق ما بعد صدام، ولكن الحق يجب قوله. ومن الغريب أن يصدر لفيف من المثقفين العرب المحترمين وبينهم أسماء كبيرة ولامعة بيانا يتحدث عن "مأساة العراق" دون أن يتطرق بسطر واحد لدور النظام السوري وحليفه الإيراني في هذه المأساة الناجمة أولا عن عمليات الإرهاب الدموية. ولم يعد خافيا أن التسلل الكثيف للإرهابيين المفخخين يتم من الحدود السورية، وأن قيادة العمليات الإرهابية البعثية الصدامية موجودة في الأراضي السورية. ولعل البعض يحلم أن يتم التغيير "الثوري" في سوريا من داخل نظامها. وهو في نظرنا مجرد وهم وسراب. وكذلك الشان مع تجاهل ما فعله النظام السوري في لبنان وما لا يزال يقترفه من اغتيال وتخريب مخابراتي. فهل إن العداء لأمريكا يبرر هذا الصمت بل هذا التخويف من احتمال أن يقع لسوريا ما حدث للعراق، ويا ليته يحدث؟! ثم كيف يمكن وضع "الأصولية المسيحية"، التي قد توجد في أوساط محدودة في أمريكا أو خارجها، بالأصولية الإسلامية التي تفرّخ الموت في كل مكان، والتي تحارب الحضارة والتقدم والمثل الديمقراطية والإنسانية، والتي وضعت نفسها في العراق تحت تصرف فلول النظام المنهار لتقتيل العراقيين بالجملة ومحاولة عرقلة كل تقدم للأمام؟؟ ولماذا لم نجد في البيان جملة واحدة تتضامن مع العراقيين في وجه حرب الإرهاب المشتعلة عليهم منذ اكثر من عامين، والتي لا علاقة لها لا بالأصولية المسيحية ولا بالمحافظين الجدد ؟؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف