ذكرى ثورة العشرين في العراق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
لطمة لكهنـة الحرب الطائفية
بعد مقدمات سنذكرها فيما يلي، انطلقت الحركة المسلحة لثورة العشرين في العراق في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1920، اي قبل 85 عاماًعندما هاجم رجال من بني حجيم (عشائر الظوالم)، في منطقة الفرات الأوسط، مركزاً للحامية البريطانية في الرميثة لتحرير رئيسها شعلان ابو الجون الذي كان قد اعتقل فيها قبل ايام. والمهم في هذا الحدث انه تطور الى انتشار الاشتباكات المسلحة في ابو صخير، ثم في الكوفة في 20 تموز (يوليو)، ثم في الكفل حيث معركة الرارنجية الشهيرة في 22 من نفس الشهر، ثم في منطقة الناصرية والسماوة، ثم الى منطقة بعقوبة وخانقين، ثم كركوك واربيل، ثم قامت جماعة الشيخ ضاري، رئيس قبيلة الزوبع، بقتل الكولونيل لجمان، في 12 آب (أغسطس)، لتعم الثورة خان النقطة والفلوجة وعانة، غرب العراق، ولتهاجم مراكز الجيش البريطاني في ارجاء مختلفة من العراق.
بعد وصول التعزيزات، اجتمع لدى الادارة البريطانية ما يقارب 133000 من العسكريين البريطانيين والهنود والمتطوعين، وقد قتل منهم 877 وجرح 1228 وفقد 451، أما الأسرى لدى الثوار فعددهم 164، اما الخسائر العراقية فبلغت اكثر من 2100 بين قتيل وجريح واسير، حسب مصادر الثوار كما نقل عنها السيد عبد الرزاق الحسني في تاريخه السياسي (ج1، ص 146)
عوامل الثورة
تظافرت عوامل تأجيج الحس الوطني واسباب التذمر والغضب لتتراكم في نفوس العراقيين وتدفعهم في اتجاه الثورة، ومن اهم ما يمكن ذكره هنا:
1- مسرحية الاستفتاء، اواخر سنة 1918، وهي عبارة عن محاولة جس نبض العراقيين ومدى تقبلهم للحكم المباشر. وظهرت كعملية مزيفة ساهمت بالأحرى في اثارة الحس الوطني والتمسك بالاستقلال.
2- دور العلماء والمثقفين في بغداد والمدن المقدسة، حيث بدأوا بتجميع الصفوف والخروج بمظاهرات للمطالبة بحق العراقيين في الاستقلال. ومع شهر رمضان (الذي بدأ في 19 مايس 1920) نظم العلماء والمثقفون ما سمي بالمولد التعزية، لكي يجتمع السنة والشيعة في احتفالات موحدة تحتفل بذكرى المولد النبوي وتحتفي بشهادة الامام الحسين في آن واحد. وقد بدأت مواكب التعزية تخرج من محلات مثل الأعظمية والتكارتة والسوامرة نحو الكاظمية، شمال بغداد، وتم تكريس كل ذلك للمطالبة بالاستقلال وباقامة حكومة وطنية.
3- دور علماء الشيعة الوطني (في كربلاء والنجف)، حيث لو كانت مواقفهم قائمة على المصلحة الطائفية لما ناصروا الاتراك الذين اضطهدوهم خلال القرون الماضية، ضد القوات البريطانية العاتية، وظلوا كذلك عندما ساهموا في إذكاء الروح الكفاحية وكرسوا ذلك بفتوى الشيخ الشيرازي (رحمه الله). ان ملاحظة مجريات ثورة العشرين تبين بوضوح ان قيادة علماء الشيعة لهذه الثورة كانت بمعنى عدم التفرقة ولقوة الروابط الاسلامية والوطنية التي تجمع كل العراقيين. وبالاضافة لمن ذكرناهم كان تأثير فتوى الشيرازي واضحا على عشائر الفلوجة والمحمودية، مثل الجنابيين وألبو محيي. أما القادة السياسيون فان علي البازركان وتوفيق السويدي انتقلا الى مجلس الامام الشيرازي في كربلاء بعد تصاعد وتيرة الاعتقالات في بغداد.
4- اعتقال ابن الشيخ الشيرازي، وهو المرزا محمد رضا وكان ناشطاً قوياً ضد الانتداب ومع تحقيق الاستقلال. وقد تعاون مع القوميين من أجل ذلك. ومن آثار ذلك رسالته الى ولي العهد الأمير علي، مع رسالة والده الى الأمير فيصل (ابن الملك حسين، شريف مكة) في 7 نيسان 1920. وقد تكلّف الشيخ هادي الشبيبي بتسليم الرسالتين ولكنه لم يستطع ايصالها، النص في الفرعون، الحقائق الناصعة، ص92). وقد تأكد للحاكم البريطاني ويلسون أن الشيخ محمد رضا وراء "جميع" الحركات المعادية، فأمر باعتقاله وتم ذلك في 22 حزيران، اي قبل اندلاع الثورة المسلحة بثمانية أيام.
5- كانت مشاركة عشائر غرب العراق بطيئة نسبيا لوقوف علي السلمان ومحروث الهذال، من رؤساء الدليم مع الأوضاع القائمة، ألا ان ضاري شيخ عشيرة آل زوبع ساهم كما ذكرنا في انتشار الثورة في منطقة غرب العراق، وقدم هذا الشيخ مثالاً على التحام العراقيين وتقديرهم البالغ للمواقف الوطنية لمراجع الشيعة فقد ذهب الى المرجع الأعلى في كربلاء ليعلن موالاته له والتحق بمناطق الثورة ضد البريطانيين في الفرات الأوسط.
دروس الثورة :
1- إذا وجد شعب ثوري في العراق، فربما لوجود استعداد أكبر للدخول في صراع مع السلطة بأشكال متعددة، ولكن الثورات لا تستمر بشكل ميكانيكي، فليس هناك جهاز يحركه سياسيون او مثقفون ثوريون ليتحرك الشعب معهم. ان تراكم عوامل السخط، حياتياً وفكرياً في مخاض طبيعي هو الذي يدفع الشعب في لحظة معينة للانخراط في عملية ثورية. لذلك، لم تنتشر ثورة النجف سنة 1918 كما توقع قادتها، وبعد ثورة العشرين لم يحصل تحرك ثوري، الا بعد سنوات عجاف طويلة.
2- اما علماء بغداد فلم نر منهم من تحرك لصالح الثورة، وكان مثال عالم الحلة الشيخ عبد السلام الحافظ نادراً، وانتبه البريطانيون الى خطورته فاعتقلوه ونفوه الى جزيرة هنجام في الخليج. اما الفلوجة والرمادي وتكريت وحديثة وراوة، فلم نسمع باي تحرك مضاد للاستعمار البريطاني فيها قبل مبادرة شيخ ضاري. اما فئة العلماء
" الكبار"، اي المعينين في مناصب القضاء والفتيا في بغداد وغيرها من المدن الكبرى، من الذين تعودوا على الارتماء في احضان السلطان العثماني، فهؤلاء أيضاً لم يحركوا ساكنا بل وكانوا ينتظرون فزعين تطور أحداث الثورة. وقد استقبل نفر من هؤلاء العلماء والأعيان الحاكم البريطاني برسي كوكس عند وصوله الى محطة قطار بغداد، وكان بينهم الشاعر المعروف ورجل الدين محمد صدقي الزهاوي وقد ألقى هذا الرجل قصيدة شتم فيها الثوار واشاد بروح التعاون مع الادارة البريطانية (الحسني، تاريخ الوزارات.. ، ج1). وقد تميز بين هؤلاء شيخ كبير في السن وهو عبد الرحمن النقيب، نقيب أشراف بغداد وحامل مفاتيح الحضرة القادرية. لقد ضرب هذا الرجل رقماً قياسياً في جرأته على التعاون مع البريطانيين وكانت دماء الثوار لم تجف بعد، وبالغ كذلك في احتقاره للعراقيين عموماً (خليل أمين العمري، شخصيات.. 1955) وفي تفرقته الطائفية وعداوته للشيعة خصوصاً (عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة..، ص 167). وقد كلفه برسي كوكس بتشكيل الحكومة العراقية وقبل التكليف فكانت الوزارة النقيبية الاولى، اواخر عام 1920، قبل تثبيت الملك فيصل على العرش بثمانية شهور.
3- لذلك يخطأ من يقول ان السيد السيستاني، سنة 2003، تحاشى الوقوع في خطأ علماء الشيعة في بداية القرن العشرين. فالذي يتعمق في احوال ومناهج علماء النجف، يكتشف بوضوح طريقة العمل وصياغة المواقف في اطار مؤسسة لها قواعدها التي لا يمكن تجاوزها والا تعرض اي مرجع للانهيار. فلو كان السيد السيستاني في ظروف عام 1920 لتوجّـه على الأقل في نفس الاتجاه، اي في اتجاه الثورة على الوجود الاستعماري، لأن الثورة كما بينا كانت لها جذورها القوية في المجتمع العراقي المتماسك نسبياً في تلك الفترة. وكان الجميع في بداية التعرف على مدى قوة هذه الجيوش وكيفيات عملها ومصادر قوتها. أما لو اتى الشيخ الشيرازي الى زمننا، اي بعد تجربة الثورة وبعد فترة 85 عاماً من قبول علماء واعيان بغداد بالتعامل مع الاستعمار على تأسيس العراق الحديث، مع كل الآثار التي تركها هذا التأسيس على المجتمع، وبعد 70 عاما من ثورة القسام وتخاذل المسلمين في فلسطين، وبعد اكثر من قرن على تغير (او تدهور) القيم الأخلاقية وتغير ملامح الفروسية وتقبل المجتمعات الاسلامية لسيطرة الغرب ومصالحه وافكاره على بلدانهم بل وثقافته وعروض موضاته في عواصمهم ، وبعد احكام القبضة على شعوب الاسلام لاسيما في منطقتنا العربية، وبعد 35 عاماً من حكم تخطى الشرائع والقوانين وكل ما هو منطقي في تدميره للعراق واهله وارضه وثرواته المختلفة. نعم لو أتي الشيخ الشيرازي الآن لما ابتعد كثيراً عن الموقف الذي تبناه السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم وباقي المراجع في النجف الأشرف. لانه سينطلق من نفس منطلقات وقواعد علماء الشيعة (وهي ايضاً قواعد علماء المسلمين جميعاً) لا سيما تلك التي تقضي بضرورة النظر الى واقع الساحة وتوازن القوى وتقضي أيضاً بتحريم الانتحار الجماعي كما الفردي!!
ان القول بان الثورة العراقية نجحت باعتبار وصول الأمير فيصل الى عرش العراق يعبر عن النصف الايجابي من واقع الثورة وحقيقة نتائجها من هذه الناحية، حيث ان وصول الملك فيصل في ظل الانتداب البريطاني لم يكن معبراً عن المطالب الشرعية للثوار. واذا حصلت مطالبات من بعض القادة السياسيين والدينيين للثورة فا هذا يل على نوع من الارتباك في التحليل السياسي لواقع هذه القيادات العائلية، فالشريف حسين اعلن ثورته ضد الأتراك، سنة 1916، متحالفاً مع البريطانيين الذين حاربهم العراقيون بقوة على ارض العراق في نفس الفترة، وبقيادة المرجعية الدينية في النجف الأشرف. وربما كانت الأهداف المعلنة للبريطانيين في اقامة الحكم المباشر هي التي تفسر قبول البعض بأمير عربي من أولاد شريف مكة. ورغم ان هذا افضل من الحكم المباشر ولكنه ليس انتصاراً للعراقيين.
لقد ولدث ثورة العشرين ومعها نقاط ضعفها ونقاط قوتها، فهي لم تمتلك قيادة موحدة مرتبطة بالجماهير بحلقات وسيطة، بل كانت عفوية في انتقالها من منطقة الى اخرى، رغم الاتصالات عن طريق المسافرين!، ويبدو انه لم يتم الاتصال بملاك الأراضي في المدن وبعلماء بغداد للتاثير على مواقفهم. وأيضاً لم تمتلك القيادة ادوات تحليل متماسكة للمواقف وللقرارات التي ينبغي اتخاذها. اما الجوانب الايجابية فتتمثل بتعبيرها عن حاجات الناس الحقيقية وارتباطها بقيم المجتمع وقياداته الحقيقية وتعبير واضح عن تطلعات العراقيين نحو تشكيل حكومة معبرة عن مطامح الناس في حياة حرة كريمة على مختلف المستويات..
وعلى ضوء تجربة ثورة العشرين، يفرض علينا واقع العراق اليوم أن نحذر من فلول النظام الصدامي التي تغطي على ارادتها باعادة النظام القديم بالاعلان زورا وبهتاناً انها تعمل ضد الاحتلال لتبرر عملها كمقاومة (متمردة على مجتمعها لا على الاحتلال). ثم ها هي الآن تتكلم بالطائفية لتتخذ لها مقعد المدافع والممثل للسنة وسنة العراق منهم براء لأن سنة العراق كبقية ابناء العراق قدموا خلال ثورة العشرين نموذجا حقيقياً، وليس خطابأ وحسب، عن نبذ التعصب والعيش مع الآخر المسيحي والكردي والصابئي. ومن تكلم في حينها بالطائفية المقيتة هم، كما هو حالنا اليوم، يتكلمون بها طلباً للسلطة على حساب الآخرين. والمعيار في تشخيصهم هو اصطفافهم الطائفي المقيت اي الذي يقوم على تعميق الفوارق ويستعمل منطق الانتماء لشتم الآخرين واتهامهم وتخوينهم كجماعات.
تحية لثورة العشرين وتحية لكل من يعمل على توحيد الطموح نحو عراق حر ديمقراطي ومزدهر يتسع لجميع مواطنيه ...