الآخر ـ الأمة ـ الأقليات (2/2)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الأمة
ـ مختصر نظرية الأمة لدى آرنيست رينان.
يبدأ آرنيست رينان نظريته عن الأمة بمقدمة يثبت فيها أن مفهوم الأمة، مفهوم حديث لم يعرفه الزمن القديم:" إذا لم تكن مصر والصين وكلدة القديمة أمما بأي درجة، لقد كانت بمثابة قطعان يقودها ابن لشمس وابن للسماء "، وبأن الإمبراطورية الرومانية، كانت قريبة من أن تكون وطنا، ويعود الفضل في إدخال مفهوم الجنسيات إلى العالم، للغزو الجرماني في القرن الخامس الميلادي وإلى آخر الغزوات النورماندية في القرن العاشر الميلادي، ثم ينتقل إلى معاهدة فردان التي بدأت معها ظهور مقسمات ثابتة الحدود، هي فرنسا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا وأسبانيا، ومنذ تلك المعاهدة بدأت هذه الدول بالسير نحو وجودها القومي وذلك لعدة أسباب:
ـ انصهار السكان المؤلفين لهذه الدول في كل واحد
ـ نسيان الغزاة للغتهم بالذات
ـ تبني الغالب ديانة المغلوب، وبالتالي انتفاء الاضطهاد الديني.
ويرى رينان بأن نسيان الأخطاء التاريخية هو الأساس لخلق الأمة، ويحدد جوهر الأمة بوجود: " الكثير من الأشياء المشتركة،وأن سائر الأفراد قد نسوا العديد من الأشياء" أما التأسيس، فأن رينان يجد بأن الأمم قد تأسست أما:
ـ على يد سلالة حاكمة......مثال فرنسا
ـ وأما بالإرادة المشتركة للأقاليم... مثال هولندا وسويسرا وبلجيكيا
ـأوبروح عامة تغلبت على الإقطاعية.... مثال إيطاليا وألمانيا
وبعد أن يوضح الفرق بين مبدأ الجنسيات ومبدأ الأعراق، ينتقل رينان إلى مبدأ الحق القومي في نشوء الأمم، ويتساءل عن المعيار الذي نبني عليه هذا المبدأ، فيتناول:
أولا العرق:
يقول رينان: بأن الاعتبار "الأتنوغرافي " _ العرقي _ لم يكن له أي شأن في تكون الأمم الحديثة ويستشهد بـ فرنسا التي هي سلتية وأيبيرية وجرمانية
وبـ ألمانيا التي هي جرمانية وسلتية وسلافية
وبـ إيطاليا التي هي غولية وآتروسية وبيلازجية وإغريقية.
ويثبت عبر هذه الأمثلة، أن ليس هناك من عرق خالص، وبان الأصول الحيوانية للإنسانية سابقة بكثير على أصوله الثقافية والحضارية واللغوية وبأن الأمة الفرنسية هي ما خرج من آنية " الطهو الكبيرة " حيث تخمرت فيها سويا العناصر الأكثر تنوعا، والخلاصة أن العرق، إنما هوشيء يتحصل وينفرط، وأن أول أمم أوربا هي أمم قائمة في جوهرها على اختلاط دماء أبنائها.
ثانيا _ اللغة
يرى رينان بأن اللغة تدعو إلى الالتقاء، لكنها لا تكره أحد على ذلك، وبأن أمريكا الأسبانية وأسبانيا تتحدث ذات اللغة ولا تشكل أمة واحدة، على عكس سويسرا التي فيها أربع لغات وثلاثة أديان وعدة أعراق وتشكل أمة، ويرى بأن اللغات تشكلات تاريخية، وهي قلما تدل على دماء الذين يتحدثون بها، وأن المبدأ الأساس، هو أن الإنسان كائن عاقل وأخلاقي، قبل أن يكون معلبا داخل هذه اللغة أو تلك، وقبل أن يكون عضوا في هذا العرق أو ذاك، وبأنه يوجد في الإنسان ما يفوق اللغة: أنه الإرادة.
ثالثا _ الدين
يرى رينان بأن الدين لا يكفي ليقدم الأساس الكافي لإنشاء جنسية حديثة، وبأنه أصبح شأنا فرديا، يخص ضمير كل واحد، وأن تقسيم الأمم إلى أمم بروتستانتية وأمم كاثولوكية ما عاد موجودا.
رابعا _ الاشتراك في مجموعة مصالح:
أنها تفيد في عقد معاهدات تجارية، لكنها لا تؤسس للأمة.
خامسا _ الجغرافية:
تحظى بنصيب كبير. الأرض تقدم المادة، حقل الصراع والعمل، أما الإنسان فيقدم الروح، الإنسان هو الأساس.
وهكذا يصل رينان إلى مفهومه الروحي عن الأمة، فالأمة لديه مبدأ روحي، وهي كما يصفها " عائلة روحية، لا مجموعة محددة بترسيمة الأرض ".
هذه هي الخلاصة التي ينتهي إليها رينان، ويرى بأن شيئان يؤسسان هذا المبدأ:
ـ واحد من الماضي: وهو امتلاك إرث مشترك من الذكريات
ـ وآخر من الحاضر: وهو التوافق الخالي، الرغبة في العيش سويا. لذلك يصف وجود الأمة، بأنها عملية استفتاء شعري تحصل في كل الأيام. ( 9).
تعد نظرية آرنيست رينان عن الأمة، من بين أكثر النظريات التي تناولت الأمة علمية، وتتأتى علميتها، من تقديمها لأدوات قراءة تشكل وتناثر الأمم، وقوانين استمراريتها ومستقبلها، وعدم تبسيطها للتركيبة الاجتماعية، ومنحها الصفة الكونية، كما هو عليه الحال مع الماركسية على مختلف أدوارها، وبصورة خاصة في كتابات ماركس وانجلز، بلغتهما الاستفزازية في تناولهما لصيرورة تشكل الأمم. وسنقوم بمحايثة تصور الأمة في الكتابات الماركسية مع تصورها لدى رينان، لتحقيق نوع من التحاور النقدي بينهما وتوضوح بعض أخطاء النزعة الكونية واللازمنية التي أثرت في تحليلات الماركسيين للوقائع ولصيرورة تشكل الكتل التاريخية. قام ماركس وانجلز بتقسيم الأمم إلى أمم تاريخية ولا تاريخية، معتمدان الثورة التي توقعا حدوثها كونيا، والتي خابت تصوراتهما بشأن وقوعها، أساسا معياريا لامتلاك هذه الصفة التاريخية، وتماشيا مع نظرتهما للشعوب اللاتاريخية، قاما بتقسيم الشعوب إلى شعوب ثورية وشعوب ضد الثورة، وقسما مرة أخرى الأمم إلى أمم كبيرة وإلى أمم صغيرة من حيث إمكانية الحياة الاقتصادية والسياسية، وتأييدهما لحق الأمم الكبيرة في الوجود والتشكل الأممي، وذوبان الأمم الصغيرة، وكذلك في اعتبارهما طبقة البروليتاريا، فئة ثورية وحيدة ضد برجوازية، أما الفئات الأخرى المتوسطة، فانها ستتعفن وتندثر في الصناعة الكبرى. وإذ نجد موقف " آلتوسر " من ستالين يتحدد من اعتباره لستالين بـ " نبتا للإنسانية " نبتة تحطم الإنسان القديم في سبيل إنتاج الإنسان الجديد. فهو موقف متأصل في الخطاب الماركسي الثوري، الذي حاول أن يطبق القانون الطبيعي على التركيبة الاجتماعية، مؤمنا بالقطيعة والتقويض وإعادة البناء، الأمر الذي يضعف من علمية خطابه، إن لم يكن يثبت عكس ما يدعيه من علمية، فحتى الرياضات الحديثة التي تحولت كثيرا عن الرياضيات القديمة، تؤمن بصيرورة تطور المفاهيم حتى تصل إلى حالتها الخلاصية، والمنطق في بدايته كان طفلا يحبو وتطور تدريجيا نحو قربه من القانون الرياضي و" دارون" اثبت الصيرورة في علم التاريخ وبعدم تكرار الدورات الزمنية الإغريقية، رغم وجود مفهوم الصيرورة قبله في التأريخ الإيطالي. ولكي نفهم ذلك التأصل في الخطاب الماركسي، نعود إلى موقف إنجلز من الغزو الأمريكي للمكسيك، الذي يعده أمرا حسنا يدعو إلى السرور،وبأنه من التقدم أيضا إكراه بعض الأمم بالعنف للانخراط في الحركة التاريخية. ولا ننسى الرسالة التي طالب بها ماركس الاستعمار البريطاني في الهند، أن يحققها _ طبعا رغم إدانته الأخلاقية لأساليب استعمار البريطاني في الهند _ فقد طالب الإنكليز بأن يحقق رسالة مزدوجة في الهند: " تدميرية وتجديدية، تدمير النظام الاجتماعي الآسيوي القديم، وخلق الأسس المادية لنظام اجتماعي غربي في آسيا " (10). وبالرغم من التعارض الواضح بين خطاب كل من ماركس وأنجلز حول الكفاح القومي للبولنديين، الذي تقدما به يوم 29 نوفمبر من عام 1847 م. إلا أنهما يتفقان على الإسنادية المعيارية للثورة التي تجعل موقفهما المتعارض في الظاهر منسجما على مستوى مضمون الخطاب، إذ يقول ماركس: " كي تستطيع الشعوب أن تتحدد بالفعل ؛ يجب أن تكون مصلحتها مشتركة، وكي تكون مصلحتها مشتركة، يجب إزالة علاقات الملكية القائمة حاليا... وانتصار البروليتارية على البرجوازية، وهو لهذا السبب علامة على تحرر سائر الأمم المضطهدة " ( 11). أما موقف انجلز كديمقراطي ألماني فيتضح من خلال ما قاله في التالي: " أن أمة من الأمم لا تستطيع أن تصبح حرة، أن هي استمرت في الوقت نفسه، في اضطهاد الأمم الأخرى، وهكذا، فأن تحرر ألمانيا سيبقى غير ممكن إذ لم تتحرر بولونيا من الاضطهاد الذي يمارسه عليها الألمان " ( 12 )
فماركس يهدف إلى انحلال الأمم عبر ثورة اجتماعية كبرى، بينما أنجلز يهدف إلى تحرر الأمم عبر ثورة قومية، والشيء المشترك في تصورهما عن نشوء الأمم، هو الثورة الكونية الشاملة التي ستجتاح العالم " المتمدن ". الثورة التي ستوحد كفاحات الحركات السياسية والاجتماعية، ومرد هذا التوقع، هو الأهمية التي منحها كل من ماركس وانجلز لدور الثورة الرأسمالية الصناعية واستقطاب المجتمع إلى طبقتين متصارعتين، وإضفاء طابع الكونية على هذا الاختزال للتركيبة الاجتماعية. لذلك نستنتج بأن الأمر الحاسم في نشوء الأمم بالنسبة إلى كل من ماركس وأنجلز، هو قيام الثورة البروليتارية، والبروليتاريا باعتبارها الطبقة التي تسقط فيها جميع الطبقات الأخرى، ويؤكد ماركس حججه هذه، بما قاله في سياق حديثه عن البروليتاريا الألمانية، وبوصفه لها: " فئة، هي انحلال جميع الفئات، مجال يملك طابعا كونيا، بسبب آلامه الكونية " ( 13 ). ورغم عدول ماركس عن نظرته للشعوب اللاتاريخية وتوسيعه لتصوره القديم، عبر حديثه عن التطور غير المتساوي للأمم، إلا أنه حافظ على النمط التبسيطي للصراع الطبقي داخل المجتمع، وعلى صيرورة تطور المجتمعات عبر الصراع الطبقي والتطور الرأسمالي وتمركز السلطة والمال. الأمر الذي يرفضه " فرانز فانون " في كتابه " معذبو الأرض " إذ أن هذا التصور لا يجد له أي إمكانية للتحليل الطبقي فيما يتعلق بالمجتمعات ما قبل الرأسمالية، وذلك بالنسبة إلى الدول الخاضعة لهيمنة الميتربولات، أو الدول المستعمرة، إذ نجد عناصر أخرى غير مادية تفعل فعلها في تكون الأمم داخل مثل هذه المجتمعات، وبإمكاننا أن نضيف إلى هذا الاستثناء، الدول الخاضعة لنمط الإنتاج الكولنيالي، فبالرغم من أن هذا النمط الكولنيالي، يحقق نظريا ما وصفه ماركس بالرسالة المزدوجة،وذلك بإدخال التكنولوجيا ونمط الإنتاج الرأسمالي في مجتمعات زراعية أو بدوية، إلا أن التجربة أظهرت أن إقامة مصنع لسيارات الفورد أو فتح مقاهي الانترنيت في دولة آسيوية أو أفريقية ما، أو إنشاء مطار حديث ومد سكك الحديد، وباختصار إدخال التكنولوجيا التي تعود بالربح للدول المنتجة لها، إلى الدول الأطراف المستهلكة، لم تغير بنية الوعي الداخلي، لدى أفراد هذه المجتمعات، التي ظلت متمسكة بالريفية والقبلية وغيرها من المفاهيم الهرمية، ويتضح ذلك بكل جلاء في طبيعة الأحزاب وهرميتها العشائرية وطبيعة أنظمة الحكم التي تأتى بالعصرنة المشلولة إلى أنظمتها الغير عصرية، وإلى خواء كلمات كالفرد والذات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني من التصور الذي أدخلت هذه المفاهيم على أساسها. وبالتالي دخل النمط الإنتاجي التكنولوجي الكولنيالي إلى هذه الدول، ولكن الرسالة المزدوجة التي طالب بها ماركس، لم تهدم قديما ولم تعمر جديدا، وظلت معلقة في خيال ماركس فقط. ورغم أن الجيل الماركسي الثاني ومع الأممية الثانية، وبالتحديد مع لينين وستالين، حاولوا أن يعدلوا ويطوروا في نظرية الأمة الماركسية، إلا أنهم في محاولتهم تلك، كانوا يفرغون المفاهيم من مضامينها، كموقف لينين من حق الشعوب في تقرير مصيرها. حيث كتب:
" لا يجوز أن يفسر هذا الحق إلا بمعنى حق تقرير المصير السياسي، أي الحق في الانفصال وتأسيس دولة مستقلة " ( 14) لكنها ستكون تابعة اقتصاديا وثقافيا، وبالتالي تابعة بنمط حياتها الاجتماعية للدولة التي اعترفت بحقها السياسي، أي بتفريغ المصير من محتواه الحقيقي وإلغائه تماما. وكان ذلك الموقف بسبب المنطلقات التي استند إليها لينين لتطوير نظرية الأمة، وهي قصارى القول، منطلقات تدمج كفاح البروليتاريا المتقدمة مع كفاحات التحرر القومي لسائر الشعوب المتأخرة، في وحدة ثورية عالمية واحدة. أي الإبقاء على الأساس الكلاسيكي لما كتبه كل من ماركس وأنجلز، ألا وهو الثورة البروليتارية الكونية القيادية، أو الحرب الكونية التي خابت توقعات الجيلين، وكانت محل خلاف بين كل من لينين وتروتسكي.
أما ستالين فأنه وضع بكل ثقة وتباه، شروطه الخمس الشهيرة لوجود الأمم، التي هي بالترتيب:
ـ الإقليم المغلق
ـ وجود حياة اقتصادية خاصة
ـ وجود لغة مشتركة
ـ وجود ثقافة مشتركة
ـ وجود تاريخ مشترك.
واعتقد بأنها شروط ليست بحاجة إلى تعليق، فهي معرفيا تلغي نفسها بنفسها، فالإقليم المغلق جغرافيا، لا يساهم في نشوء الأمم، وكذلك الحياة الاقتصادية واللغة وغير ذلك باستثناء الثقافة، التي يجب العمل على جعلها مشتركة، كما فعلت الأمة البرازيلية التي هي خليط متنوع من الهنود والأفارقة والأسبان والبرتغال، التي نست أخطاء تاريخية بالمعنى الريناني وأسست رموز وطنية مشتركة وأساطير وطنية مشتركة وبالتالي اتفقوا على تكوين ثقافة وتراث مشترك.
ولكي لا ننجر وراء العرض التاريخي لسيرورة نظرية الأمة في المنظومة الماركسية، فأننا نجد بأن التطور الحاسم لهذه النظرية تحقق مع ظهور مجموعة من المفكرين الماركسيين الذين قرءوا الأمة من داخل المجتمعات التي كانوا ينتمون أليها وداخل القوانين التي تحكم تطورها، ومن بين هؤلاء المفكرين " ليوبولد مارمورا " الأرجنتيني الأصل والأوربي الثقافة، والذي يرى بأن الأمر الحاسم بالنسبة إلى تكون أو عدم تكون الأمم، هو التركيب الاجتماعي للمجتمع، أي يعول على التكوين الداخلي للتشكيلة الاجتماعية الرأسمالية_ البرجوازية وعلى تراكب وتناقضات بنائها، بالرغم من أنه يحافظ على التحليل الطبقي، إلا أن الجديد لديه هو مغايرة مارمورا لما كتبه كل من لينين وستالين تتوضح في قوله: " ليست الروابط والسمات المشتركة الشخصية والجغرافية، والروابط والسمات التي يمكن لمسها تجريبيا هي ما يحفظ تماسك الأمم " ( 15 ) وهو هنا يتفق مع رنان، وكذلك مع مفهوم الأمة لدى " أو توباور " لكنه يختلف عن رينان، فيما يتعلق بالجوهري داخل الأمة، فكما بينا أن الجوهري عند رينان، هو الإرادة ؛ إرادة العيش المشترك. أما الجوهري لدى مارمورا، فهو نمط التركيب الاجتماعي، لذلك نجده يستعمل كلمة " دمج "، دمج طبقات المجتمع كأفراد بصورة جماعية تخلق بيتهم لحمة دائمة، فتصبح بهذه الطريقة منظومة هيمنة، وهذه المنظومة المهيمنة، هي التي تحافظ على استمرارية الأمة، وتمكن الأمة من القيام بدورها التوسطي الذي يركز عليه مارمورا كثيرا، حيث يؤكد على تمفصل الأمة والكتلة التاريخية للقاعدة والبينية الفوقية، أي أيجاد رابط بنيوي لما هو اقتصادي مع ما هو أيديولوجي _ سياسي، وهذا الأمر يشكل تعارضا أساسيا مع المفهوم الماركسي الذي حدده ماركس بمعادلة / القاعدة والبنية الفوقية /، هذه الثنائية التي تتوسطها مجموعة قوانين مادية اقتصادية. أما مارمورا يجعل من الأمة متوسطة عضوية بين هذه الثنائية، وبالتالي يجعل من الأمة رابطة بنيوية بين القاعدة والبنية الفوقية، الأمر الذي يحقق للأمة الثبات والاستمرارية.
لكني، مع ذلك أجد بأن نظرية الأمة الماركسية، حتى لدى مارمورا تحافظ على الاختزالية الاجتماعية وتبتعد عن العلمية، ويمكنني هنا أن أستند إلى التحول الدقيق الذي ذكره " هربرت ماكوز " في مؤلفه " الإنسان ذو البعد الواحد "، التحول الذي تعرضت له الطبقة الكادحة نتيجة التطور التكنولوجي الكبير والسريع، الذي غير معه الكثير من السياسات، وقوّض أسس مجموعة مفاهيم أيديولوجية كالثورة، والتحول الثوري، والطبقة الكادحة، ويذكر ماركوز عوامل هذا التحول، على النحو الذي سأختصرها في التالي:
1ـ المكننة تقلص تدريجيا كما وشدة،الطاقة الفيزيائية، أو ما يسميه ماركس بـ " بؤس العمل الفيزيائي " وتحل التوتر الذهني والعصبي محل التعب العضلي.
2ـ المشاغل والوظائف تميل إلى التجانس، حيث يحل المختص غير المنتج محل الغير متخصص في العمل، أي الذي يدير الآلة بدلا من الذي يحركها، وهذا الأمر يزعزع أساس التصور الماركسي في التركيب العضوي للرأسمالية.
3ـ تغيير موقف ووعي الشغيلة نتيجة التحولين السابقين ن فيندمجون في المشروع وهذا أيضا يزعزع مفهوم ماركس عن البروليتاريا ن بما هي طبقة ثورية وحيدة ضد برجوازية
4ـ تراخي موقف الطبقة العاملة، فلا تعود تمثل ذلك النقيض الحي للمجتمع القائم. ( 16 )
مع هذه التحولات في بنية التركيبة الاجتماعية ذات التصور الماركسي، ما الذي سيؤسس الأمة ماركسيا، إذ لم تبقى هناك تركيبة اجتماعية متعارضة، وبالتالي توقف أفق الانتظار الثوري..؟ن فالتغيرات السياسية التي حدثت مع التطورات الهائلة للتكنولوجيا، والعودة مرة أخرى إلى عصر ظهور الأفكار القومية المتمركزة عرقيا، وظهور الأصولية الدينة كقوة مهددة وضاغطة على بروز الطائفية الدينية، لم تترك مجالا لقبول التبسيط الماركسي في تحليل التركيبة الاجتماعية، وبالتالي لم يعد هناك مسوغ معرفي للتصور الماركسي عن الأمة، والثورة البروليتارية الشاملة، التي ستوحد الأمم بعد انحلالها في طبقة واحدة، أو بعد تحررها وتوحدها، أودمجها في طبقة ثورية بروليتارية واحدة.
ونتيجة هذه النزاعات للأسس النظرية التي اعتمدت عليها رؤيتنا للعالم، هل بات سؤال الأمة مشروعا....؟ وقبل ذلك، هل الأمة بالتصور الريناني أوبالتصور الماركسي، بات معقولا لقراءة الوقائع على ضوئها، وبالتالي الخروج بحل أو بنتيجة مهدئة للصراعات المعلنة وللصراعات الموجودة في الاحتياط...؟
أننا نتفق مع التحولات التي تغلغلت في عمق الطبقة الكادحة، على النحو الذي ذكرها ماركوز، والتي تزعزع التصور الماركسي عن التركيبة الاجتماعية، وبما أن التطور يثبت يوما إثر يوم، عدم إمكانية التنبؤ بمدى تطور ومستقبل المعارف الإنسانية، وبأن الإنسان انتهى أو ينتهي كماهية بالمفهوم الفلسفي منذ الفلسفة الإغريقية وحتى اليوم، ويشكل هذا الانتهاء، المحور الذي ارتكز عليه " فرانسيس فوكوياما " في كتابه الأحدث " نهاية الإنسان "، بالإضافة إلى ذلك، فأن العالم يشهد اليوم ولادة كائن آخر، خارج المنطق والفكر الإنساني، أي شخصية المبيد الشامل، التي يجسدها الإرهابي بدقة متناهية خصائصها. أن كل هذه المعطيات التاريخية الحالية، تزيح عن التطبيق، التصور الماركسي في الأمة، كحل لأزمة التناقضات الهلعية في للعالم. أما نظرية آرنيست رينان عن الأمة، فهي طرح رومانسي كالرومانسية الألمانية، إذ لا يمكن أن نجد في المجتمعات الشرقية بصورة عامة وخاصة، إنسان كـ " فراكلين " يصرخ أينما وضع قدمه على هذه الأرض قائلا: " بلادي هنا ". لذلك فأنني سأناقش تصور الأمة لدى رينان على أنها يوتوبيا ضرورية لرفض الحالة الوقائعية، وبأن الشرط التاريخي الراهن يثبت لامعقوليتها. وقبل أن أتناول نظرية رينان بنوع من الاستراتيجية التفكيكية. أعلن بداية، أنني أؤمن شعريا وعقلانيا برؤية رينان لكينونة الآخر، وبأن الإنسان هو الأساس، رغم الغموض الذي يحيط به، حيث لا يمكن تحديد معناه بدون التباس في المعنى، إذا ما اعتبرنا التجربة العيانية، إسنادا معياريا.
الانصهار:
تعد هذه الكلمة " الانصهار " الآلية الأساسية التي اعتمد عليها رينان في تجسيد تصوره عن التوحد الذي يحدث بين عناصر الأمة المختلفة والمتنوعة، والانصهار يعني، تقديم بلورة للهوية، أي أن العناصر المتناقضة تنصهر وتتبلّور من جديد في كل يلغي تلك العناصر، ويقدم جديدا يزيد على المجموع الرياضي لتلك العناصر، وهذا التصور يقرب رينان من الثالوث الهيغلي، الذي يصهر القضية ونقيضها في توليفة تلغيهما في هوية جديدة تفوقهما، ويحاجج رينان على هذه الأمر، بانتقاده للسياسة التركية التي لم تستطع أن تصهر العناصر التي كانت تؤلفها في كتلة واحدة، حيث بقي التركي تركيا، والكردي كرديا، والعربي عربيا، والسوري سوريا، والأرمني أرمنيا، وكذلك في قوله بأنه لا توجد في فرنسا اليوم عشر عائلات تستطيع أن تقدم حجة دامغة على أصلها الإفرنجي، وهذا يمهد لي عتبة معرفية للحديث عن " آنية الطهو الكبيرة " التي تخمرت فيها سويا، العناصر الأكثر تنوعا للأمة الفرنسية. وذلك بالتساؤل عن الذي يحدث الآن لآنية الطهوالكبيرة، وهل هناك أية إمكانية لانصهار العناصر المختلفة في آنية طهو كبيرة من جديد..؟
أن ما حدث منذ عام 1989، مع انهيار الأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية، واجتياح التقسيم لخريطة أوربا، والتفكك الذي حدث في دول البلطيق / لاتفيا وليتوانيا وإستوينا / وتفكك الفدرالية السوفيتية عام 1991، حيث رزق العالم بالتعبير الجغرافي، بأربع عشرة دولة جديدة، وتفكك يوغسلافية، وتفكك تشيكوسلوفاكية عام1992 إلى دولة تشيكية وأخرى سلوفاكية، وما يحدث الآن من بروز للنزعة العرقية في الدول النامية، وتقلص وعي الانتماء من الهوية الوطنية إلى انتماءات وهويات طائفية عرقية، والظهور الحدي للتباينات المعيشية المتفاوتة السكانية والعرقية والدينية، وللتباينات المعيشية بين المدينة والريف،وبين مدن الأطراف ومدن المركز، وباختصار عودة ظهور التمركز العرقي والنزعة المحورية العدائية، كل هذه الأمور تشكل ما يسمى بتعبير الجغرافية السياسية بـ " القوى الطاردة " التي تمزق أوصال الدولة وتقلل من إمكانية الجذب بينها. وإلى جانب ذلك فأن التفكك الذي ذكرناه في خريطة الدول الكبرى، التي تتقدمها التجربة السوفيتية ـ تؤكد على عدم إمكانية صهر الأعراق ـ رغم تحفظي العلمي على هذه التسمية ـ والعناصر المختلفة في آنية الطهو الشيوعية الكبيرة، ففي قرغيزستان مثلا، نجد بأن القرغيزيين كانوا يمارسون سرا اختلافهم عن الهوية التي فرضت عليهم قسرا، وكانت تلك الهوية السرية، هي الفاعلة في بنية وعي القرغيزيين، وفي بنية خيالهم الاجتماعي، ولم يشتركوا مع البروليتارية في الذاكرة الجماعية ولا في الرموز الوطنية والأممية، ولم ينصهروا في الثقافة الماركسية. وتجسدت تلك الهوية في اجتماعاتهم السرية التي كانوا يعقدونها لممارسة شعائرهم الخاصة، والاستماع إلى قصيدة " الأوستيا " والتي هي أطول قصيدة ملحمية في العالم، ومؤلفة من اثنا عشر مليون بيت شعري، كانت تلقى قبل الكابوس الشيوعي كما يصفونه، لمدة ستة أشهر، واليوم اختصرت إلقاءها إلى إثنا عشر ساعة، وقد منعت في العهد الشيوعي باعتبارها تمثل ثقافة زراعية إقطاعية. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أسقط القرغيزيين تمثالا لماركس وأقاموا مكانه تمثالا لتيمورلنك، لأنه تراث رمز وطني ويجسد الثقافة القرغيزية. لذلك نجد بأن الانصهار كآلية لتحقيق الوحدة، أمر غير ممكن ن وما دعاه رينان بـ " نسيان الأخطاء التاريخية" يتضح اليوم خواءه من المعنى في الذاكرة المستعادة داخل أزمة التناقضات الهلعة للعالم، إذ أن واقع الإقليمية الذي يغطي أوربا الشرقية وأفريقيا، وما يحدث الآن في ساحل العاج مثلا، أو ما يحدث في دارفور، وأحوال التيبت في الصين ونزعة تايون إلى إعلان استقلالها المهدد بحرب في الاحتياط، والتوتر العام في العالم، كل هذه الأمور تجعل من الأمة كما شرحها رينان، مشروعا خياليا، ومن الطريق إلى هذا المشروع عبر آلية الانصهار في آنية الطهو الكبيرة، ونسيان الأخطاء التاريخية، نوع من التأمل الشعري للفروقات العصبية والإقليمية، ومن تجاوز هذه العصبيات والإقليمية، سلوكا خاطئا، لأن الشعوب لا تشكل كتل تاريخية ثقافية متجانسة، ولا يمكن تناولها داخل نظرية كونية شاملة، لا تلتفت إلى التنوع والاختلاف وإلى عدم التجانس. وهذا ما يؤكده خطاب " مامودا" في " الأمم الأفريقية والتضامن العالمي " حيث كتب: " إن خطأنا هوأننا بحجة محاربة التجزئة نسينا واقع الإقليمية....لقد فتننا المثل الأعلى، ثم ظننا المثل الأعلى واقعا، وحسبنا أنه يكفي أن نستنكر الإقليمية وما ينشأ عنها من تعصب لقوميات صغيرة حتى ننتصر عليها، وحتى نحقق الظفر لمشروعنا الخيالي ". ( 17 )
أن هذا الخطاب يوضح بدقة عالية لا إمكانية الصهر في الآنية الأفريقية الكبيرة والتي تصلح كقياس برهاني، بالنسبة إلى وضع الشعوب في الدول النامية عامة. ومن المرجح أيضا، بل من المثبت عبر التجربة التاريخية، أن طبيعة الأنظمة التي تحكم الدول النامية عامة، والتي تشل تطور المجتمعات التي تحكمها، وتهيمن على بنيتها التركيبية، بحيث تسد الطريق أمام مجتمعاتها للإطاحة بها. هذه الأنظمة أيضا تشكل عائقا أساسيا أمام تشكل الأمة في هذه الدول، فالأنظمة الدكتاتورية تعمل على تفكيك بنية المجتمع، وتعيده إلى مكوناته الأثنية والدينية واللغوية والطبقية. وباختصار تختزل المجتمع إلى الرهط البدائي. وتعزل هذه المكونات بعضها عن البعض الآخر، ومن ثم تؤلب هذه العناصر على بعضها، مجسدة القانون الاستعماري" شعب ضد الشعب ". بحيث تعمم تصورات عنيفة وعدائية بين مكونات الشعوب التي تحكمها، وتدعم اللغة العدائية الوصفية، التي تستخدمها فئة ضد أخرى بما في ذلك الفكاهة. بحيث يتحول الشعب إلى عدو للشعب، أي تغير مجرى العنف الداخلي، موجها عنفه في الطريق الخاطئ. وتعمل الأنظمة الدكتاتورية من خلال هذه الاستراتيجية، على مضاعفة المسافة التي تفصل بين مكونات المجتمع، بحيث تجعل كلمة الوحدة الوطنية صيغة غامضة تشكل هوية سديمية، أو تلغي الهوية بحد ذاتها. وتنفخ وعي الانتماء للرهط الديني أو القبلي، لكي تتمكن من السيطرة عليها، بعزلها عن بعضها البعض، لتضعف من متانتها عبر انتماءاتها الهشة، وتبقى الطبقة الحاكمة هي طبقة الحزب الواحد المهيمن، الطبقة التي تجد ضمانتها في قلق المواطن، وبهذه الطريقة يتم إغلاق البلاد بإغلاق وعي الأفراد داخل دوائر انتماء ضيقة. وتجعل من كلمات كالشعب والأمة والعرق عبارات متطابقة غامضة، فارغة. أما على المستوى الفكري، فتقوم بنوع من التكييف الإرتجاعي لنمط التفكير، بجعل الوعي متماثل مع الماضي، وبالتالي الخروج عن حركة التاريخ. لهذا نجد بأن نظرية الأمة لدى رينان، هي أقرب إلى الدين الطبيعي، بالمفهوم الذي طرحه الروماني " شيشرون " (17)، منها إلى الواقع المعاش، أي دين يحدد بالعقل ويجعل الأفراد يشعرون شعورا مشتركا بالأمة، وبوجود اعتقاد وإيمان بضرورة الأمة كراعية إلهية للإفراد والعناصر المكونة لهذه الأمة. ويتأتى هذا القرب من تحديد رينان للأمة كمبدأ روحي " عائلة روحية، لا مجموعة محددة بترسيمة الأرض". وهذا أمر مؤكد نظريا، لكن واقع الروح البشرية، هو التشظي في العصر الحالي، والنزعة الفردية الطاغية في نمط الإنتاج وفي العلاقات الاجتماعية المتفككة، وخلو الحب والصداقة من الرومانسية والفضيلة ووسائل الاتصال الحديثة، والنمو الهائل في الروح التكنولوجية، _ إذا سمحتم لي باستخدام هذا التعبير _ والتفكك التصارعي لتركيبة المجتمعات الحديثة كلها أمور تؤكد وتأسس لوجود روح تكنولوجية، انعزالية، تتواصل عبر مجموعة من الأزرار الإلكترونية وتتفهم الواقع ككبسولة مضغوطة، يمكن التعرف عليها بالضغط على زر من جهاز التحكم للتلفاز أو لأيقونة في الانترنيت. هذه الروح التكنولوجية بماهيتها الانعزالية تتحصن داخل واقعها المتشظي ضد العائلة وضد الصداقة، وضد الآخر وبالتالي تدحض الطرح اليوتوبي للأمة الرينانية بما هي عائلة روحية.
الدين:
بالنسبة إلى الدين، يكتفي رينان بالقول أن الدين: " شأن فردي يخص ضمير كل واحد، وأن تقسيم الأمم إلى أمم بروتستانتية وأمم كاثولوكية ما عاد موجودا " لكن الذي عاد موجودا، هو تقسيم الأمم إلى بروتستانتية وكاثولوكية وغيرها. فمع البداية الحقيقية للقرن الواحد والعشرين، أي مع أحداث 11 أيلول الشهيرة، عاد الدين إلى الظهور في صيغته التكتلية الدينية، الأصولية الإسلامية، في مواجهة الغزوات الصليبية، كما عمم ذلك في الكتابات الصحفية والإعلامية عامة. وكذلك نجد في العراق بعد سقوط النظام البعثي فيه، عودة كبيرة إلى الدين واستعادة الطقوس الدينية في احتفالات مهرجانية كبيرة، وزيادة نسبة المتدينين الأميين، والإيمان بالبركات وغيرها من الأفكار، وبروز الأصولية الدينية الإلغائية لكينونة الآخر،وبالتالي لم يعد الدين شأنا فرديا كما اعتقد رينان، ولكنه بالمقابل مازال لا يقدم الأساس الكافي لإنشاء الجنسية الحديثة، وذلك بسبب الذهنية الإلغائية التي يقدم الدين نفسه للوجود من خلالها، وهي صيغة همجية جاهلة بالدين مشوهة لفكرة المقدس، باختصار إلتباسية جماعية تقهقرية عنيفة. تعلن قائمة رفضها، ولا تحدد هدفا لسلوكياتها.
الأقليات ـ الفدرالية
أننا نعلم بأن المساواة ـ الديمقراطية، مفاهيم سياسية مراوغة، تلجم مضمون ما تطالب به وتعيقه من التجسد، أما الواقع فهو اللامساواة، وبما أن هذه الكلمات ـ أي المساواة واللامساواة ـ مأخوذتان من المجال الرياضي، فلا بد من الإحالة إلى الشرح الرياضي، فلا بد من الإحالة إلى الشرح الرياضي للامساواة كرمز منحوت في المعادلات الرياضية، وهي تعني أما:
ـ إذا تعلق الأمر بعددين فهي تعني أن أحدهما أكبر من الثاني وتكتب
س lt; ع أوع gt; س
ـ إذا تعلق الأمر بمجموعتين فهي تعني أن عناصرهما ليست جميعها متشابهة والمجموعتان مختلفتان، وترمز على النحوالتالي: A=B أرجو قراءة هذا الرمز بما هو ترميز على اللامساواة، وذلك لأن خبرتي في الكمبيوتر لم تسعفني في كتابة رمز اللامساواة) وهذه الرموز لا تدلل على مفاهيم تتعلق بالدونية أوبالتفوق لذلك لا يجوز أن يؤول عدم المساواة بين مجموعتين بشريتين بتفوق مجموعة وبدونية مجموعة أخرى، إذ يجب أن تفهم اللامساواة على أنها اختلاف وتنوع، لكي نتمكن حينئذ من فهم المساواة بما هي تعبير عن امتلاك عناصر المجموعتين الغير متشابهتين لقيمة واحدة وبالتالي فإذا كانت مجموعة أثنية أكبر عدديا من مجموعة أثنية أخرى، فأن ذلك لا يسوغ لها أن تنظر إلى المجموعة الأثنية الأصغر عددا نظرة فوقية، لأن هذه النظرة تفتقر للسند المعرفي الموضوعي، فلا يجوز أن نصف الكرد والأرمن مثلا في المناطق الجغرافية التي يتواجدون فيها بأنهم أقلية، وبما أنهم أقلية لا يحق لهم التساوي مع الأكثرية في التمتع بمزايا الحق السياسية والثقافية والاقتصادية....إلخ، أو قمعهم بآلية الديمقراطية الشعبية وحكم الأغلبية الساحقة، لأن ديمقراطية الأغلبية هي الصورة الأكثر تجسيدا لمفاهيم الشمولية والهيمنة الأحادية، وقمع صوت الآخر. أن الأكثرية كلمة استبدادية، مثلما أن الأقلية هي تسمية اضطهادية أكثر مما هما تعينات واقعية، فوصف مجموعة أثنية بالأقلية هو باختصار نزع الصفة الإنسانية عن هذه المجموعة، واضطهاد إنساني أساسه التصنيف الرقمي المشوه، لذلك يجب إلغاء هذه الصفة الإضطهادية عن المجموعات البشرية المحرومة من حقها في الوجود داخل ماهيتها وخصوصيتها، كخطوة إنسانية ثقافية أولى لحل مشكلة هذه المجموعات، ومطالبتي بإلغاء هذه الصفة هي دعوة إلى يقظة الوعي ودفعه للانفتاح على ثقافة الآخر بما هو لامتساو معي بالمعنى الرياضي، ومتساو معي في القيمة أيضا بالمعنى الرياضي. وبهذه الطريقة سنمهد السبيل للخطوات اللاحقة التي ستجد نفسها تتدفق بسلاسة نتيجة التمهيد الثقافي لها. وهكذا نكون قد حققنا تقريظ الآخر داخل وعينا.
***
عندما يكون هناك تقارب بين المكونات التي تؤلف التركيبة الاجتماعية لدولة ما، فأن إمكانية إنشاء أمة بالإرادة المشتركة تصبح قريبة إلى التحقق، لكن عندما لا تشكل هذه التركيبة كتلة ثقافية متجانسة، تتضمن على عدة أثنيات وعدة لغات وأديان وطبقات متفاوتة، فأن الحلول التي تطرح في الأفق تختصر في أمرين:
1ـ أما أن تهيمن طبقة محددة على السلطة والدولة، وتدمج الشعب والعرق والأمة في قالب واحد بالإكراه والعنف العسكري، والسرطان الأمني والمخابراتي، فيسود القمع كغطاء تنضد تحته جميع الاختلافات والفروقات، وتتخلف البلاد.
2ـ أوأن تطرح الفدرالية كضمان سياسي ووجودي يطمئن أليها المواطن، بما أن الديمقراطية الشعبية لا تتعين إلا في صيغة سياسية مراوغة، لا يثق بها أحد.
وكما تنبأ " ألكسي دي توكفيل " في كتابه " الديمقراطية في أمريكا " عام 1835، بأن شعبان متعارضان سيقتسمان مستقبل العالم بين يديهما، هما الشعب الروسي والشعب الأمريكي، فأن آرنيست رينان في بحثه " ما هي الأمة " تنبأ أيضا، بنهاية وزوال الأمم وبالكونفدرالية، فكتب عام1882، بأن الكونفدرالية الأوربية ستحل محل الأمم الأوربية التي ستزول، هذه النبوءة التي نجد ونعايش صيغتها الملموسة في الاتحاد الأوربي الذي هوباختصار نظام كونفدرالي، تلتزم الدول الأعضاء فيه بالتنازل عن بعض الجوانب من سيادتها، وبما أن الشعوب المحرومة من تعينها الماهوي، عادت ترفض الاضطهاد والانصهار في جماعات أكبر عددا، أو الدمج في المجتمعات التي يتواجدون فيها، والدمج كان أحد الحلول المطروحة على يهود أوربا لحلهم في المجتمعات التي كانوا يتواجدون فيها. قبل أن تحل مشكلتهم بـ " ارض الميعاد " وهي فكرة تستخدم كثيرا من قبل المثقفين العرب ( طيب تيزيني نموذجا ) ومن قبل بعض المثقفين الترك أيضا، لحل قضية الكرد في مجتمعاتهم. طبعا الدمج يمكن تجسيده فكريا بالنشيد التالي:
يحق لك أن تتعلم، لكن بلغتي
يحق لك أن تتعين في هوية، لكن بهويتي
يحق لك أن تنشد نشيدا وطنيا، لكن نشيدي
يحق لك أن تمتلك على غراري ما أملكه، لكن بشرط أن تتحول إلى وعاء فارغ وتمتلئ بيّ، وهكذا تكون متساويا معي في حقك بالوجود.
الدمج حكما، لا يعني الصهر، أي لا يعني صهر مختلفان في كل يشملهما، بل يعني إلغاء أحدهما في الآخر، وبالتالي العودة إلى مفاهيم التفوق العنصري.
وبما أن الديمقراطية الإقتراعية المستندة إلى التصنيف العددي، هي عودة أخرى للشمولية، فأن الفدرالية هي الصيغة الأكثر إنصافا لاستعادة الصمت ؛ والعودة إلى العقل في التعامل والتواصل مع الآخر، لا إلى منطق العضلة المتعفنة بالحقد والكراهية، أن الفدرالية وليست الأمة هي التوليفة الأكثر عقلانية لتحقيق الانسجام بين الهويات المختلفة والتجربة التاريخية، أكدت ذلك، فلا يمكن أن توجد الهند بدون التعين الفدرالي، لأن الفدرالية كما يعرفها الجغرافي " روبنسون ": هي الصيغة الأكثر تعبيرا جغرافيا عن مختلف النظم السياسية ( 19). فوجود 1652 لغة من اللغات الأم، وعشرات الأديان لا يمكن أن تجد تحققها إلا في نظام يتضمن 22 ولاية، هي سمة التنوع الثقافي الذي تحققه الهند، وفي المقابل فأن انفصال بنغلادش عن الباكستان عام 1971، قبل بتأييد دولي، لأن سياسة باكستان كانت تغذي عوامل التفكك، وإذا كانت الصين مستثنية من ذلك فأن التهديد التايواني بالانفصال والتصعيد الصيني يؤشر بتكرار السيناريوالباكستاني، وكذلك يجب ألا ننسى الوضع في التيبت.
أن الفدرالية بما هي فرصة لتحقيق التنوع الخلاق، ومدح للاختلاف، تفتح الطريق للتقدم نحو البيئة الأكثر ثراءا، والإنسان الأكثر إنسانية، وهذا هو جوهر ما قدمه رينان في نظريته عن الأمة، باعتباره الإنسان هو الأساس، وهذا هو أيضا الجوهر الذي ألح على تأكيده، باعتبار الإنسان أساس كل منطلق.
مصادر ومراجع البحث
9 ـ " ما هي الأمة " آرنيست رينان ـ ترجمة حسن شامي ـ مجلة نزوى العمانية ـ العدد 34 ـ أبريل 2003
10 ـ ص ( 46 ) الأمة والأممية ـ ليوبولد مارمورا ـ ترجمة: ميشل كيلوـ منشورات وزارة الثقافة السورية ـ دمشق 1996
11 ـ ص ( 37 ـ 38 ) نفس المرجع السابق
12 ـ ص ( 39) نفس المرجع السابق
13 ـ ص ( 44) نفس المرجع السابق
14 ـ ص ( 96) نفس المرجع السابق
15 ـ ص( 222) نفس المرجع السابق
16 ـ هربرت ماركوز ـ الإنسان ذو البعد الواحد ـ ترجمة: جورج طرابيشي ـ دار الآداب البيروتية ـ بيروت 1973
17 ـ ص ( 152) ـ معذبوالأرض ـ مصدر ذكر سابقا
18 ـ راجع بهذا الصدد ـ الدين الطبيعي ـ تأليف جاكلين لاغريه ـ ترجمة: منصور القاضي ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ بيروت 1993
19ـ ص ( 287 ) ـ الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر ـ مصدر ذكر سابقا.