كتَّاب إيلاف

العقلانية النقدية والترضيات الضمنية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"لا يوقد سراج ويوضع تحت تحت المكيال بل
على المنارة ليضئ لجميع الذين هم في البيت" (الأنجيل)

يتبادر إلى الذهن عندما يسمع جملة تهافت الفلاسفة اسم الكتاب الشهير لأبي حامد الغزالي الذي كتبه لينقد ويذم الفلاسفة ويحجم من دور العقل والعقلانية في التراث الإسلامي بيد أن الغزالي لم يكن معبرا عن ذاته في الكتاب فهو وريث لتيار منتشر مناوء ومناهض للعقل من قبل أن يولد الغزالي في شرق العالم الإسلامي وغربه وسيطرة الإتجاه النصوصي الجامد هو الأصل ومحاولات تقسيم اللحظات إلى المشرقية والمغربية حديث خرافة لا يستحق التوقف عنده أصلا. والفكر الفلسفي لم يتعرض لضربة قاصمة لظهره على يد الغزالي كما يُشاع لأن العقلانية ومنزلة العقل أصلا تيار غير متجذر في الوجدان الثقافي والاجتماعي للأوساط العربية والإسلامية والجهود الفلسفية التي نُعلي من شأنها كانت تمثل الجانب الاضعف والمهزوم كالعقلانية الأعتزالية أو شيوخ الفلاسفة كالكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد وصدر الدين الشيرازي والقونوي. ولا زالت الأوساط التقليدية للدراسات الدينية مختلفة حول قيمة العقل- العقل بالمعنى القديم - والعقلانية والموقف من الفلسفة والمنطق الأرسطي الذي تم تجاوزه بمسافات بعيدة جدا في التراث الفلسفي البشري ولكن أوساطنا الدينية لا زالت مختلفة حول الموقف من تلك المفاهيم القديمة فضلا عن متابعة التطورات الهائلة التي حدثت بعد القطيعة مع التراث اليوناني والمنطق الأرسطي !! فالموقف الديني التبجيلي بصورة عامة يرى العقل قاصرا وغير قادر على الاستقلال الفكري وعليه أن يكون خادما ومطية للنص الديني الذي يمثل الوحي والحقائق غير القابلة للتغير والتكذيب "من تمنطق فقد تزندق" (السيوطي)، "المنطق يؤدي إلي الفلسفة وما يؤدي إلي الكفر كفر" (ابن الصلاح) العفيف الأخضر / الإسلاميون والمثقفون مشروع اضطهاد . حيث سئل ابن الصلاح عن جواز الأشتغال بالمنطق وتعليمه وتعلمه ورأي الصحابة والتابعين والمجتهدين والسلف الصالح وهل يجب على أمراء البلدان وولاتها عزل من يشتغل في تعليم المنطق وإنقاذ الناس من شرهم؟ فكان رأيه أن المنطق مدخل للفسلفة ومدخل الشر شر ...الخ - حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي / الدكتور إبراهيم ديناني . وهنا يبدو للمتابع أن الإمام الغزالي كان أكثر رأفة بالعقل عندما أباح الأشتغال بالمنطق وأعتبره صناعة شريفة وهو ما دفع الإمام النووي لشن حملة وهجوم عليه أيضا فكيف تجرأ على قبول المنطق اليوناني !! هذا في الجانب السني وأما في الجانب الشيعي فيكفي أن نراجع كتاب الفوائد المدنية وطروحات محمد أمين الأسترابادي الذي ينتمي لإتجاه يعرف بالإتجاه الإخباري - الشيعة الاثني عشرية وموقفهم من العقل والأجتهاد والنصوص على مدرستين : المدرسة الإخبارية الرافضة للعقل والمدرسة الاصولية التي تجل العقل - حيث يشن حملة واسعة في نقد الفلسفة والمنطق ويذم علماء الشيعة الذين يُعلون من شأن العقل معتبرا أن نصوص ائمة اهل البيت المنقولة في المدونات الروائية الشيعية شاملة وكافية لكل شئ . الفوائد المدنية ص 56 ومراجعة ببلوغرافية لاسماء الكتب المطروحة لنقد الفلسفة وإعمال العقل تبين لنا أن المجتمعات العربية الإسلامية تربت على مناهضة العقل والعقلانية والفكر النقدي فالكتب التي طرحت باسم تهافت الفلاسفة أو مصارع الفلاسفة وما شاكل ذلك كثيرة جدا في تراثنا فباسم تهافت الفلاسفة يمكن أن نذكر :
أولا : تهافت الفلاسفة للغزالي
ثانيا : تهافت الفلاسفة لعلاء الدين الطوسي
ثالثا : تهافت الفلاسفة لمصلح الدين خواجه زاده
رابعا : تهافت الفلاسفة للشيخ قطب الدين ابي الحسن سعيد بن عبدالله الرواندي

انظر للتفصيل حركة الفكر الفلسفي لديناني فصل الكتب المصنفة باسم تهافت الفلاسفة بل إن معاداة الفلسفة العقلانية والمنطق تكاتف في ردها - كل لاسبابه الخاصة - الفقهاء والمحدثين والمتصوفة و علماء الكلام - لا يؤمنون بالعقل إلا كآلة لخدمة النص لا غير فالعقل الكلامي آلة للدفاع عن النصوص وليس للبحث ومع ذلك كانت الدعوة إلى إلجام العوام عن علم الكلام مشهورة - بل وحتى النحويين ساندوا مناهضة المنطق والفلسفة حيث نقل لنا التوحيدي المناظرة الكبيرة التي جرت ابي سعيد السيرافي ممثلا للنحويين وأبي بشر بن متي ممثلا للمناطقة في إمتاعه ومؤانساته مع أن النحو العربي قام على أكتاف الاقيسة المنطقية في بحوث مدرسة البصرة . إن ما ذكرته من عدم تجذر الفكر الفلسفي النقدي وهشاشة أرضية العقل والعقلانية في تراثنا العربي الإسلامي لا يعني بحال أني أنكر وجود قمم فلسفية وعقلية ومحاولات رائدة وشخصيات فذة كأنها علم في رأسها نار ولكن حديثي يتعلق بمدى أختراق الفكر الفلسفي والعقلانية النقدية للوجدان الاجتماعي ؟؟ فما أهمية أن يوجد فكر لا يصل إلى الناس ولا يخترق وجدانهم ويصبح جزءا من كيانهم ووعيهم وثقافتهم ؟! وهل الجفاف العقلي وندرة النصوص الفلسفية الرصينة لدينا مسألة طارئة أم نتيجة طبيعية جدا لتراث غالب ومسيطرة ومعاد للعقل؟؟ لو عدنا لنراجع النصوص الكبرى للفكر الفلسفي والمناهج العلمية والإنسانية فهل نحن مبدعون أم مستهلكون ومطورون أحيانا لما يبدعه الآخر في مسيرتنا التأريخية؟
إن الخشية من التفكير والرعب من العقل النقدي والخوف من طرح الاسئلة ومقاربة مناطق الظلام في ذاكرتنا ما زال سائدا وغياب ذلك ( لا يحقق غير سيادة الهمجية والغوغائية والمجتمع الدموي) كما يقول شاكر النابلسي/ من هم الليبراليون العرب الجدد ؟ وما هو خطابهم؟

إن تنمية عملية التفكير وتشجيع الناس على التخلص من عقدة الخوف من التفكير عملية مهمة جدا وضرورة للتخلص من الطاعة العمياء بدون اي تأمل وتساؤل ونقاش ومن المؤسف أن هناك أشكالا من الخطابات تؤدي إلى ترسيخ الوعي الاسطوري من خلال هجوماتها أو طروحاتها الإستفزازية لحساسيات راسخة في وجدان الناس فتسئ من حيث تريد أن تُحسن!! وأني لأتسائل كيف يمكننا تشجيع الأستقلال الفكري وتنمية العقل النقدي بين الناس إذا لم يتم العمل على تشخيص الأدواء والعقد لمواجهتها ومعالجتها بشكل سليم وهادئ؟
وكيف يمكن نشر اي عمليات تنوير سليمة وضخ جرعات العقل في شرايين المجتمعات إذا كنا نجد من يريد أن يعمل من خارج أنظمتنا الثقافية وقواعدها ف(في النهاية أنت تعمل في مناخ ثقافي لا تسلّم به كلية، لكنك لا تستطيع ان تتجاهل انك تريد ان تنتج خطاباً يجد قبولاً، وينفذ، وان كان لا يجد اعجاباً. وهذا ما يسمّيه محمد اركون بالترضيات الضمنية، أي ان تنتج نقداً لفكر، أنت تنتمي اليه بالضرورة. بمعنى أنك تنتج نقدك من داخله، وانت محكوم بقواعد انتاج المعرفة فيه، حتى لو كنت رافضاً القواعد. اذاً، نحن هنا في مأزق، وما أسهل الذي يكتبه صادق جلال العظم، على أهميته، لأنه يأتي من الخارج، أي من خارج دائرة الايمان) كما يقول نصر حامد ابو زيد، وهذه السهولة يبدو أنها اصبحت حرفة لبعض كتابنا الكرام الذين يتخذون الإلحاد منطلقا في كتاباتهم الحداثية جدا فلا يهمهم كثيرا أن يرتقوا بالمجتمعات التي ينتمون إليها أو يساعدوها على مواجهة ذاتها بشكل سليم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف