الكويت... حنين الماضي.. و عبق الذكريات!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
من الناحية الوجدانية البحتة تمثل دولة الكويت في نفسي علامة فارقة من علامات النشأة و التكوين الثقافي و السياسي، فهذه الدولة العربية الصغيرة الوادعة على تخوم الخليج العربي الشمالية ليست مجرد صدفة جيولوجية، أو بئرا نفطيا، وهي قطعا ليست أرضا (للظمأ والملح والنفط المحترق)!!كما وصفها (أحدهم) أيام كارثة الغزو البعثي الصدامي لها؟، بل أنها أكبر من ذلك بكثير، إنها الرمز المتجسد والشامخ لإرادة التطور البشري والإنساني وللتصميم الذي يصنع المعجزات، فمنذ نشأة الكويت الأولى كانت خطوات البناء الوئيدة تنم عن قدر هائل من التصميم الدال على رغبة أكيدة و مخلصة في المشاركة الفاعلة في صناعة التاريخ وصياغة مفرداته وأحداثه، فالجزيرة العربية التي كانت مسرحا لهجرات بشرية متوالية عبر العصور كانت على موعد تاريخي مع متغيرات جذرية إكتسحت صمت وجمود وتصحر القرون الغابرة لتدخل القرن العشرين بقوة إقتحام ودفع هائلة غيرت كل معالم المنطقة، ففي بداية القرن الماضي كان التاريخ العربي على موعد مع حدث ضخم هز الأساس التكويني والسياسي للمنطقة، وهو توحيد شبه الجزيرة العربية، ذلك الإنجاز الذي كان في حكم الخيال في عرف البعض وتصورهم أو تمنيات مفرطة بالرومانسية في رأي البعض الآخر، فإذا به يتحقق ومن قاعدة إنطلاق مهمة كانت نسيا منسيا وهي (الكويت).. نعم الكويت، فمنها إنطلقت رايات موحد الجزيرة (عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود)
في أوائل القرن الماضي لترسم معالم لصيرورة تاريخية جديدة وحافلة ومتميزة، فلقد بسط (أبو تركي) راية أجداده على صحاري نجد وحواضرها وبدأ الزحف الكبير والمتدرج لتوحيد الجزيرة العربية بعد قرون من التشتت والضياع تحت الهيمنة الأجنبية (العثمانية التركية)، وكانت المساعدة اللوجستية الفاعلة التي غيرت تاريخ ووجه المنطقة قد رسم خطوطها وصاغ معالمها حاكم الكويت التاريخي (الشيخ مبارك الصباح الكبير) الذي كان واحدا من أبرز صانعي تاريخ المنطقة، ومن المحركين لأحداثها وتحولاتها وصيرورتها المستقبلية.
لقد كانت الكيانات العربية القائمة في أخريات أيام دولة (الرجل المريض) الدولة العثمانية، تقوم أساسا على الزعامات المحلية التي كانت تمتلك الهيبة و المكانة والطموح والإرادة لصناعة التاريخ و تشكيل أو إعادة تركيب جزئياته الصعبة، فقد كاد الشيخ مبارك الصباح في الكويت والشيخ خزعل الكعبي شيخ المحمرة وعربستان والسيد طالب النقيب كبير الأعيان في البصرة وزعيمها أن يرسموا خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط كان من شأنها لو تحققت أن تغير الصورة الستراتيجية العامة لمستقبل المنطقة!!، ففي عام 1909 تفاهم الزعماء الآنف ذكرهم على تشكيل كيان مشترك كما تقول بعض السجلات و الوثائق التاريخية لولا التدخلات الخارجية المعروفة والخطط الإستعمارية التي عرقلت المشروع وحجمت من طموحات زعمائه وقادته... فلقد كادت أن تتبلور خطة لقيام دولة إتحادية مشتركة مكونة من الكويت والمحمرة والبصرة وتكون خريطتها في شمال الخليج العربي على شكل (حدوة الحصان) وهذه الدولة (المشروع) كانت تختزن ثروات هائلة بتروليا وزراعيا ومائيا وتجاريا ومعينا بشريا هائلا وكان يمكن لهذه الدولة (المشروع) لو تحققت أن تغير من صورة ومعالم المنطقة و الستراتيجية الدولية بالكامل، لأنها كانت ستشكل مستقبلا كيانا إقتصاديا عملاقا سيكون له شأن حضاري وإقتصادي كبير، ولكن ترتيبات الحرب العالمية الأولى، وخطط الدوائر الإستعمارية المتنافسة وقتئذ على تقسيم المنطقة ونهب ثرواتها، قد وضعت ذلك المشروع (الحلم) على الرف لتأخذ الأحداث فيما بعد مسارات أخرى، ولتضيع عروبة المحمرة وعربستان وتختفي سيادتها بالكامل بعد القضاء على سلطة الشيخ خزعل وقبيلة بني كعب العربية العريقة على يد الجنرال الإيراني (فضل الله خان زاهدي) بأمر من الشاه الإيراني الأسبق (رضا بهلوي) عام 1925، وليتحول الشعب العربستاني (الأهوازي) لغرباء في وطنهم الذي تعرض لعملية (تفريس) شرسة ما زالت مستمرة (رغم الشعارات الإسلامية)!!، أما (ولاية البصرة) فقد إنضمت للملكة العراقية الناشئة عام 1921، ولتشق الكويت طريقها الخاص المستقل، و تحفر في الرمال وتواجه مختلف صنوف وأشكال التحديات والمشاق بدءا من عام 1920 حيث هجمات جيش
(الإخوان النجديين) من جماعة (فيصل الدويش وسلطان بن بجاد و ضيدان بن حثلين)، وحيث حدثت معركة (الجهراء) المحورية في تاريخ الكويت وتكاتف أهل الكويت لحماية مجتمعهم الصغير والناشيء وتشييد السور الشهير، وهي الحادثة التي أشرت على بزوغ شمس الكويت الحديثة، ثم تتابعت التطورات بحلوها ومرها حتى تهديدات ملك العراق وقتها (غازي بن فيصل الأول) الهادفة لتشجيع الكويتيين على الثورة ضد حاكمهم الشيخ (أحمد الجابر المبارك الصباح) وبقية الأحداث معروفة عامي 1938/1939، وقتها بدأت الكويت الحديثة بالتبلور والظهور الفاعل مع عهد الشيخ (أحمد الجابر) وحيث كانت سنوات الشظف والإعتماد على البحر والتجارة البحرية والغوص بحثا عن اللؤلؤ، ومقارعة الظروف الحياتية الصعبة لعالم ما بين الحربين الكونيتين، ولكن مع إرادة حديدية وعزيمة فولاذية كانت على موعد حاسم مع التاريخ وحيث تدفق البترول تجاريا بعد الحرب العالمية الثانية حاملا معه متغيرات حياتية جذرية ومصدر دخل وخير شكل الأساس المكين لنهضة الكويت الحديثة فكانت (الديرة) تبني نفسها بتؤدة ووفق قواعد هيكلية وعلمية تحاكي آخر النظم الإدارية والدستورية في بناء الدولة الحديثة، وتحاول التوفيق بين الماضي وتراث الأجداد والهوية الدينية والإنتماء الحضاري، وبين زحف المدنية والحضارة الحديثة وحيث بزغت الدولة الكويتية في شمال الخليج العربي كنقطة ضوء حضارية متوهجة و متجددة لم تقطع الصلة مع الماضي، ولم تجرفها التيارات المتدفقة مع تدفق الثروة التي استغلت في بناء الإنسان الكويتي وتكوين الأطر العلمية والإدارية التي ستقود دفة السفينة الكويتية ومفاصل الحياة في دولة الكويت الحديثة، وكانت الطفرة النهضوية متوازنة وتعبر عن إتزان من يقف خلف مقود السفينة، فيد تبني وتعمر و تحاول تعويض سنوات الشظف، ويد تحافظ على القيم والتراث، فكانت الأسواق التجارية القديمة تقاوم الزحف العمراني الحديث، وكان (سوق الغربللي) و (سوق السلاح) و (سوق الجت) و (السوق الداخلي) و (سوق المناخ القديم) و(سوق المقاصيص) و (سوق الحريم) من معالم الديرة البارزة، كما كانت البوابات الباقية من السور الكويتي القديم ودروازاته علامات إعتزاز وفخر بالماضي... واليوم وبعد كل تلك السنوات وتغيرات الظروف وتغير أنماط البناء وإتجاهاته وتوسيع العمران في الكويت توسعا إنفجاريا بدأت للأسف معالم الماضي بالإندثار رغم جهود الحكومة في ترميم وإعادة بناء بعض المآثر والشواهد التاريخية كبيت ديكسون أو المستشفى الأميركي القديم، إلا أن الذي يتجول في ربوع الكويت الحديثة لا بد أن يتنشق عبق الماضي ويشعر بالحنين للماضي وللأسواق اقديمة الجميلة رغم تواجد أحدث المراكز التجارية الضخمة والأرقى تنظيما في العالم، فلقد تغيرت معالم (سوق الغربللي) العريق بعد أن تم تغيير سقف السوق الذي كان من القصدير القديم بالخشب البني الحديث مع الحفاظ على الطابع التراثي الكويتي الخاص، كما أن (سوق الجت) بات في حالة إندثار معلنة، ولم يتبق منه سوى أطلال لمحلات الصرافة القديمة وبعض الطيبين من الكبار في السن الذين يأبون مفارقة مقهاه الصغيرة!! ويحنون لذكريات الماضي الجميلة، أما منطقة سوق (المباركية) العريقة فقد تغيرت بعض من معالمها بعد تحديث سوقها المركزي وتنظيمه تنظيما راقيا إلا أن ذاكرتي ترفض طرد ومسح الصورة القديمة لذلك السوق حيث كانت أكشاك وحوانيت الباعة من (المهرة) اليمنيين تملأ المكان؟.
أما (سوق السلاح) فهو ينتظر حتفه وكذلك زميلاه سوقا (الصفافير) و (المقاصيص)!
، أما (الشارع الجديد) فلم يعد كذلك؟، ولو توغلنا شمالا حيث شارع (الجهراء) الشهير(شارع فهد السالم) الذي يذكرني بأغنية قديمة لرباعي الكويت : { في شارع الجهرا صادفوني ثلاثة رايحين للصالحية }! فسنصدم من إنحسار هيبة و مكانة ذلك الشارع العتيق بإسمه ورسمه ومعالمه، وحيث البنايات قد شاخت وإنتقل ثقل الحركة التجارية للمجمعات الحديثة في (سوق شرق) والسالمية والشويخ وبو حليفة... أعود للسالمية وحيث أتذكر أناقة وبهجة شارع (سالم المبارك) وحيث ذكريات الماضي تطاردني لأرى أن المجمعات الحديثة قد سحبت البساط عن سوق السالمية القديم وعن (القيصرية) وعن برج السالمية الشمالي، مكتبة(العائلة) لم تعد زاهية كما كانت في الماضي، و مكتبة (ذات السلاسل) تحولت عن مكانها القديم، والتغيير الكبير زاحف ليغير معالم تعودت الذاكرة عليها!، كل شيء في الكويت يتغير في تسارع تطوري مدهش، وتبقى إرادة البناء الكويتية هي العنصر الفاعل في بلد ما زال ينتظر و يختزن الكثير من التحولات نحو المستقبل المشرق.
إنها مجرد تداعيات حنين وجدانية للكويت المتألقة بين الأمس واليوم.