كتَّاب إيلاف

على حائطِ ابنِ عيّاض

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

1

كان الفضيلُ ابن عياض لصّاً وقاطعَ طريقٍ بين أبيورد وسرخس، وكان سببُ توبته التي جعلتْه من أكابر متصوّفي وزهّاد زمانه، أنه عشق جاريةً فبينما هو يرتقي الحائطَ إليها سمع قارئاً يتلو هذه الآية:{ ألَم يأنِ للّذينَ آمنوا أن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللهِ }، فقال: يا ربّ قد آن! فتابَ، وجاور الحرمَ حتى مات.

2
كلّ هويّة تمنح الفردَ نواةً صلبة نابذة، تبدو تحت التملّي العميق هوية اعتباطية، مولودة بالصدفة ومآلها أن تستغرق جهد الإنسان ووقته جاعلة إياه في كدح مستمرّ من أجل هدف واحد: التستّر على هذه الاعتباطية، وإخفاء هذه الصدفة، بحيث يظهر ـ آخرَ الأمر ـ أن الهوية التي تتجيّش من أجلها الجيوش لا شيء سوى النسيان المتعمَّد للذات، سوى هذا الهروب الأبديّ من فرادة الأنا ومن إمكانية جعلها إطلالة على العالم.
هل الهويّة ـ بصدفويتها واعتباطيتها ـ هي ما نتقاتل من اجله ودفاعاً عنه، كما أشيع منذ تأسيس الدول العربية ـ الإسلامية مطلع القرن الفائت، وكما يُكرّس اليوم بهياج دراويش محللي فضائيات العرب، أم أن هذه الهويّة هي ما نتقاتل به، لا من أجله؟ أهي السلاح الذي نرفعه في وجوه بعضنا البعض؟ أم هي بيرق النصر الذي سيُرفع بعد نهاية آخر معركة ننتصر بها؟

3
انتهت الهويّة العروبية إلى حطامٍ، بعد قرنِ من الهذر الموصول بالهذر، شعراً و"فكراً" وخطابات سياسيّة مصمّمة لرفع ضغط الدم في عروق بني آدم، فهل من أحد تساءل عن القدرة التي تمكّنت بها رطانة القوميين العرب من استلام السلطة لأكثر من نصف قرن جرى خلالها قمع ملايين العرب وإخصائهم عقلياً ووجدانياً وتحويل أوطانهم إلى حقول دواجن؟
أكانت الهوية العربية الواحدة "هدفاً" يُسعى إليه، أم هي السراط المستقيم الذي قادنا إلى هذه الصحراء؟

4
الحركات القومية العربية التي ابتدأتْ علمانيةً واشتبكت مع الحركات الإسلامية في صراعٍ مستتر حيناً ومكشوف أحياناً أكثر، لكنه دامٍ دائماً (في العراق ومصر وسوريا مثلاً)، كيف حدث انها انتهتْ إلى هذه التقوى الدينية التي تضاهي تقوى الأصوليين، وكيف تكشّفتْ أخيراً عن عُدّة طائفيّة تمّ إخفاؤها طويلاً تحت ستار مفاهيم ثورية استُعيرتْ على عجل من ماركس، وخُلطتْ بالخطاب النازيّ وطُعّمت بالخطاب الصهيونيّ (الذي أسهم في تكوين فهم العروبيّ لعروبته رغم ـ وبسبب؟ـ الفضاء الحربيّ الذي يفصل بين الخطابين).


5
التقوى الدينيّة أدركت القوميين أخيراً، ومعهم الماركسيون العرب المناهضون لأميركا، فمنذ زلزال العراق لم تنفكّ الفضائيات والصحف ومواقع الأنترنت تلقي علينا بالمعجزة تلو الأخرى، لتقنع البعض، ممن لم يقتنع من قبلُ، بأن زمن المعجزات العربية لم ينتهِ بعدُ، ولتقنع آخرين ـ وأنا منهم ـ بأن تينك الهويتين "العروبة والماركسيّة" كانتا عاريّتين " بالمعنى الفقهي" والعواري مستردة، وأنهما خُلقتا في غفلةٍ حتى من الذوات التي حملتْهما ودافعتْ عنهما وقتلتْ باسمهما العبادَ وأخربت البلاد.
هويتان وُلدتا لتكونا أداة تسلّطٍ وتغالبٍ، ومع أوّل هبوب لرياح الإيمان التي أطلقتْها القاعدةُ في الحادي عشر من سبتمبر تقشّرَ الطلاء عن هيكل الماركسية والقومية ليظهر الجمعُ باسمه الحقيقيّ، بهويته الحقّة التي كانت الماركسيةُ والقومية إخفاءً مستمراً لها.

6
هذا مثقف وشاعر ماركسيّ (أحمد فؤاد نجم) يكشف في حوار معه انه رقص فرحاً أمام التلفزيون الذي يعرض صوراً لأناس يلقون بأنفسهم من شاهقٍ في "غزوة مانهاتن" التي انتصر فيها الاسلامُ على عبدة الصليب.
وذلك مثقف عروبيّ (باقر الصرّاف) تلبّستْه رعشةٌ إيمانية لم تتركه إلى الآن، بعد أن كان اسمُ حزبه (الذي يضم ثلاثة أفراد لا أكثر): العمل الاشتراكيّ العربيّ.
وهذا مثقف ماركسيّ انشقّ عن الشيوعي العراقيّ جعل شعار حزبه (ياعمال العالم ويامستضعفيه اتحدوا)، وشعاره الآخر آية قرانية (حيث ثقفتموهم).
فياعمّال العالم .. صلّوا على النبيّ.

7
الهويّة إعداد ثانويّ لتبرير إرادة التسلّط، هذا درسٌ ما زال يُلقى علينا منذ قرنٍ أو يزيد، ومن الغباء أن ننشغل ثانية وثالثة بالجدل حول أهلية الهويّة لتمثيل "حقيقتنا"، وننسى عدّة القتل التي تختزنها هذه الهويّة النابذة.
واذا كان أغلب مثقفي العرب يتطابقون اليوم ـ بقصد أو بدونه ـ مع رؤى الزرقاويّ، فذلك لأنّ الزرقاويّ وأضرابه من الأشباح المؤمنة امتلكوا السلاح الأمضى الذي يمكن به إقامة مهرجانات الدم دون تبكيت من ضمير.
فحاجة القوميّ العربيّ إلى خطاب القاعدة حاجةٌ مصيريّة بعد أن نفد المخزون القوميّ الذي يتيح القتل على الهويّة، تماماً كحاجة الحزب الشيوعي ـ الكادر إلى آيات قرآنية وخطابٍ تراثيّ منتقى لتبرير الدمِ وإدامة جريانه، وهي ذاتها حاجة الشاعر العراقيّ سعدي يوسف إلى إيقاظ طائفيته بعد طول سباتٍ، يماثلها احتياج شاعر ثمانينيّ (محمد مظلوم) لاستعارة خطابٍ يخوّن بموجبه زملاءه الذين يعملون في الصحف التي أُنشئتْ في ظلّ الاحتلال، وهي منابر إعلامية فقيرة إذا ما قيست بالمنابر المقاومة كالجزيرة والقدس العربيّ لصاحبها عطوان.
ثمّ إن هذا عمل لا ينتهي، فقد تطول قائمة الخونة لتشمل كلّ من شارك في فعالية سياسيّة أو ثقافية أقيمت زمنَ الإحتلال كالانتخابات والاستفتاء القادم مثلاً ، ليجد صاحبنا الشاعرُ الحداثيّ نفسه دون أن يدري، بلثامٍ ودشداشة قصيرةٍ وفي يده قصيدةُ نثر.

8
مقاومة الإحتلال ثقافياً فعلٌ نبيل ولا شكّ، لكنه إذ تخالطه هذه الغفلةُ التي تجعل من المثقف حاملاً لأحطّ الغرائز التي يشيعها الإسلاميون الأصوليون، فإن ما تَعِدُ به هذه المقاومةُ يجعل من الاحتلال منجى وخلاصاً، تماماً كما ان أميركا الآن ـ رغم وحشية ممارساتها ـ منجى من الموت الأغبر الذي يعدُنا به إسلامُ المجاهدين الذي يقتلون أهلنا على الأسماء.

9
فضاء التوبة يكتنف الثقافةَ العربية المقاوِمة. والمثقفون التوّابون عادوا وعمّروا بيت الإيمان الذي هجروه طويلاً، هاموا في براري الماركسيّة والقوميّة والعلمانية ومفازات الحداثة لكنهم بعد انتهاء اللعب رجعوا إلى بيوت أمهاتهم، مردّدين نشيد الهوية الخالد.

10
بمَ كان يفكّر ابنُ عياض وهو على الحائط إثرَ إصابته بصاعقة التقوى؟
بحياته المتهتكة السالفة أم باسمه الجديد الذي سيتيح له رأسمالاً عظيماً ينقله من قاطع طريق إلى رمز؟
بمَ يفكّّر الشاعرُ المقاوِم وهو على حائط التقوى ذاته اليوم؟ أيشفق على زملائه "الخونة" أم يفرح بالمكافآت التي يستجرّها فعله المقاوِم، وهي مكافآت أدسم بما لا يقاس من هبات "الخيانة" التي يتلقاها زملاؤه العاملون في صحفٍ تحت الاحتلال!؟
بمَ يفكّر الشيوعيّ المنشقّ وهو يبدل كتاب رأس المال بالقرآن؟ أيفكّر بتطمين أوهامه المناهضة للإمبرياليّة، أم بحيازة رضا الإسلاميين عنه؟
بم يفكّر سعدي يوسف وهو يقاوم المحتلّين بلغةٍ لا تليق إلا بعجوزٍ سلبه الخرفُ رشده؟ ببيرق أحمر مازال يرفرف في سماءٍ لا يراها إلاه؟ أم بجمهور عربيّ يعرف سعدي جيداً أنه جمهورلا يرتعش وجدانه إلا للشعار؟

11

بمَ يفكّر مثقفو هذه الأمة وهم على حائط ابن عيّاض؟
http://aqwas.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف