الاستغلال السياسي لمحاكمة صدام حسين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
اعلن المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء الأنتقالي، الدكتور ليث كبة يوم 4 ايلول 2005 بان صدام حسين والبعض من اركان نظامه سيحاكمون بتهمة القتل التي راح ضحيتها341 شخصا في ناحية الدجيل بعد تعرض صدام لمحاولة اغتيال عام 1982. وقد حدد الدكتور كبة يوم 19 تشرين الأول من هذه السنة موعدا للمحاكمة.
وقبل التعقيب على هذا الموضوع، ولكي لا نتهم بالدفاع عن نظام صدام الدكتاتوري، لابد من الأشارة بأن كاتب هذه السطور من المعارضين المعروفين للنظام المذكور وأحد مؤلفي "الكتاب الأسود لصدام حسين" الذي روجت له معظم وسائل الأعلام مؤخرا.
ابتداءا لابد من الأشادة هنا بقرارالحاكم المدني السيد بول بريمر المرقم(35) في ايلول 2003الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفصله عن وزارة العدل (السلطة التنفيذية). ففصل السلطة القضائية من اهم الأسس التي ترتكز عليها العملية الديمقراطية "بغض النظر عن العناصر التي تشغل هذه السلطة "، طالما هناك اليات دستورية فعالة لحمايتها. ولكن هذا الأجراء الأيجابي ولد في بيئة غير مؤهلة للممارسة الديمقراطية بل تشير الوقائع الى وجود تجاوزات خطيرة تصب باتجاة بروز ديكتاتورية طائفية هي من اخطرالدكتاتوريات واكثرها شراسة.
وتدل الوقائع بان التدخل الخارجي بالشؤون الداخلية للعراق، وخصوصا من قبل الدول المجاورة التي لها طموحات توسعية او التي لا ترغب بعراق قوي موحد، ادت الى افساد العملية السياسية من خلال المحاصصه الطائفية والعرقية، والى اعاقة بناء البنى التحتية و مؤسسات الدولة الدفاعية والأمنية، مما ادى الى تصاعد عمليات العنف والعنف المضاد كرد فعل لتدهور الأوضاع الأنسانية وازدياد معاناة الشعب العراقي نتيجة لأنعدام الخدمات الضرورية وتعرضه لأبشع وسائل القمع وتدمير المدن وقتل المدنيين والتعذيب والتشريد على ايدي اجهزة السلطة والأحتلال، والتي تؤكده الوقائع وتقارير المنظمات الأنسانية الدولية "كمنظمة العفو الدولية".
اما القضاء العراقي فدوره ازاء هذه الأفعال الأجرامية المرئية والملموسة والمحرمة دوليا "سلبي للغاية" فهو كالمتفرج على الأحداث وغير مكترث باحتراق العراق، و مشلول تماما عن تحقيق العدالة"، لسببين رئيسيين هما: اولا- ولاء القائمين عليه لولي نعمتهم (سلطات الأحتلال) ، وثانيا- الخضوع المطلق لقرار الحاكم المدني بريمر المرقم (17) في حزيران 2003 الذي منح قوات الأحتلال والعاملين معهم الحصانة المطلقة من التعقيبات القانونية عن اي جريمة يرتكبونها في العراق.
ومن الجدير بالذكر ان السلطة القضائية عجزت عن حماية قانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية الذي خرقته الجمعية الوطنية عندما قامت بتعديله دون اتباع الأجراءات المنصوص عليها بالماده 42/ج وبالتالي يقتضي ان تكون هذه الجمعية منحلة منذ 15 اب 2005 وان اي اجراء اتخذته وتتخذه يعتبر باطلا. وبعبارة اخرى فان اجتماعاتها وقراراتها بعد ذلك التأريخ "باطلة" مما كان يلزم اجراء انتخابات جديدة لأنتخاب جمعية وطنية جديدة دون الدخول في مهزلة الأستفتاء على مشروع الدستور.
ومهما كانت درجة تبعية القضاء العراقي الى سلطات الأحتلال او للسلطة التنفيذية، فان تحديد مواعيد المحاكمات يقع حصرا من مسؤلية المحكمة. لان تحديد مثل هذا المواعيد لا يخضع لاعتبارات استقلالية القضاء لوحده، وانما لاعتبارات اخرى عديدة اهمها تتعلق بطبيعة الأجراءات اللأزمة التي تتبعها المحكمة ومدى جاهزية القضية للنظر بها من حيث استكمال جميع جوانبها القانونية وغيرها.
فالمحكمة مسؤولة حصرا في تحديد المواعيد، وان التدخل في شؤنها بهذا الشكل يعد من الأفعالالمخلة بسير العدالة التي يعاقب عليها قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 بالباب الرابع/الفصل الأول النافذ المفعول في ظل النظام الدكتاتوري السابق ولحد الان، ولا يجوز استثاء اي شخص من هذه المسؤولية الجنائية (الأخلال بسير العدالة) عدا العاملين لدى سلطات الأحتلال لتمتعهم بالحصانة من التعقيبات القانونية كما اشرنا..!
ويظهر بان الهدف من التجاوز على اختصاصات القضاء هو استغلال موضوع محاكمة صدام لآهداف سياسية ..والأستفادة من هذا الموضوع لتمرير مشروع الدستور المثير للجدل.
ان مبادئ العدالة تلزم ان تجري محاكمة اي متهم من قبل قضاة محاييدين ومستقلين وان لا يكونو خصوما او موالين للمتهم في اي مرحلة من المراحل السابقة، وقد اوجبت المواد 91، 92 و93 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 (الذي يعتبر المرجع لكافة قوانين المرافعات والأجراءات- المادة/ 1) ، بعدم جواز نظر الدعوى من قبل القاضي "اذا كان له او لزوجه او لأحد اولاده او احد ابويه خصومة قائمة مع احد الطرفين في الدعوى او مع زوجه او احد اولاده او احد ابويه او اذا كان بينه وبين احد الطرفين عداوه او صداقة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل ". فكيف الحال اذا كان القاضي من المعارضين للمتهمين وله خصومة سياسية عميقة معهم او من الموالين لهم في الحزب وجرى تعينهم بمرسوم جمهوري وبتوقيع المتهم(صدام حسين)..؟! وتنص المواد من القانون المذكور على وجوب ردالقاضي الذي ينظرالدعوى في الأحوال المذكوره ولا يجوز له اتخاذ اية اجراءات فيها واذا اصدر حكمه بها يفسخ الحكم او ينقض وتبطل الأجراءات المتخذه فيها من قبل محكمة التمييز.
وان السوابق القضائية الدولية كمحكمة نورمبرغ العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية 1945، قد تعرضت الى انتقادات شديدة جدا في عدم تحقيقها للعدالة بسبب تشكيلها من قبل الحلفاء الذين يعتبرون خصوم الحكام النازيين. ولهذا السبب لجأت الأمم المتحدة الى تشكيل محاكم جنايات دولية لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغسلافيا السابقة عام 1993 و1994. كما تم تشكيل محكمة جنايات دولية دائمية بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998لغرض ضمان تحقيق العدالة الجنائية في العالم.
واود التأكيد بان تشكيل محاكم جنائية خاصة من قضاة غير مستقلين او محايدين يمثل تجاوزاعلى القوانين العراقية والدولية وانتهاكا لمبادئ العدالة وحقوق الأنسان.
ان الأدلة متوفرة بالأطنان ضد صدام حسين واركان نظامه عن تهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية..لذا فان تشكيل محاكم غير محايدة ستكون لصالح نظامه، حيث ستسجل في التأريخ كمحاكم انتقامية وستحجب جميع الجرائم والماسي التي ارتكبت في ظل النظام الدكتاتوري.
محامي ومستشار قانوني