كتَّاب إيلاف

وانطلق عصر الأنجال في مصر

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

انفض عرس الانتخابات الرئاسية في مصر إذن، وانفرد العروس بعروسه، وبقيت حكمة جدتي البليغة طيب الله ثراها القائلة "العروسة للعريس والجري للمتاعيس"، أما المتاعيس" فهم نحن، أنا وحضرتك وحضرتها وحضراتنا جميعاً، ممن لا في العير ولا في النفير، فلا ينبغي بداية أن نعشم أنفسنا بـ "بلح الشام أو عنب اليمن"، مع أني لست متأكداً إن كان لم يزل هناك عنب في اليمن، أو بلح في الشام حتى الآن، لكن ما يستقر في يقيني أن "موسم الحصاد وتوزيع المغانم" قد انطلق بالفعل في "المحروسة"، وبدت بشاراته وتجلياته خلال التغييرات الصحافية التي جرت قبيل "مولد الانتخابات"، كمقدمة لسيناريو آخر قادم بعد الانتخابات، وأظن ـ وليس كله إثماً ـ أن قواعد اللعبة خلاله لن تتغير كثيراً عن تلك القواعد الخفية التي حكمت التغييرات في المؤسسات الصحافية، التي باتت تهيمن عليها الآن "حكومة الأنجال" بشكل يبدو مطلقاً وفجاً، وإن كانت التغييرات الأخرى المرتقبة ستجري على نحو أوسع وأكثر التصاقاً بمصالح البلاد والعباد من الصحف، ووفق حسابات أكثر تعقيداً لدرجة يستحيل معها حصر أعداد الشياطين التي تسكن تفاصيل ما ينتظر "المحروسة" من أحداث وتداعيات يعلم الله وحده مداها، خاصة في ظل ضبابية مشهد يجمع بين العبثية والشر والإثارة أيضاً، كما لا يخلو من مسحة درامية تبدو مشرعة على كل النهايات والاحتمالات .

الحرس الرحيم
وبداية لا أحسب أن ساسة كبار في العمر والبقاء بمواقع السلطة، يخالجهم أدنى شك بأن دورهم انتهى، نعم هكذا بكل وضوح وبساطة، والمطلوب الآن أن يتفضلوا مشكورين مأجورين بلملمة أوراقهم ومتعلقاتهم المبعثرة هنا وهناك، لأن جيلاً جديداً يحمل "فكراً جديداً" لا يطيق الانتظار ولا يتمتع بميزة أسلافه الرائعة وهي "الصبر"، فإذا كان عبد الحليم حافظ مثلاً، كان يظل يعشق ويتغزل طوال الفيلم حتى ينال قبلة من شادية أو فاتن حمامة في نهايته وربما لا ينالها، فإن الأخ الفنان مصطفى قمر يبدأ فيلمه مباشرة من الخطوة التالية للقبلة لينتهي وحوله "حريم" كامل، فلا وقت ولا "طقطان" لهذه المشاعر "الحليمية"، لم يعد هناك وقت للرسائل والمراسيل والعواذل والسهر ومناجاة القمر وهذه المفردات الرومانسية الحمقاء .
وكما بدأ بعض الصحافيين المصريين يعضون أصابع الندم حسرة على أيام رجب ونافع وسعده، وبدت في الأفق نذر صدامات قادمة لا محالة بين "جنرالات الصحافة" الجدد، وعموم عسكر المهنة التي قيض لها أن تكون في صدارة المعركة، كل معركة تتعلق بأي وطن يسكنه بشر، وبالتالي فإن ما ينتظر "المحروسة" لن يختلف كثيراً عما جرى لـ "كتيبة الاقتحام" وأقصد الصحافة، فبعد أن كنا نشكو من فساد هنا وهناك، لكن كنا نعترف ـ كصحافيين ـ بأن هناك مساحة من الرحمة، وفسحة من الصبر، وسعة في الصدر، كان يتمتع بها "الحرس القديم" ممن حملوا عصيهم ورحلوا، وها نحن أصبحنا الآن في حال ليست أفضل أبداً، فما زال الفساد يحكم ويزهو، ولا يبدو أن آلياته المتفشية تتراجع، بل على العكس "تتمأسس" وأحياناً "تتثعلب"، لكنها في أقل التقديرات باقية وربما تزدهر أكثر، وزيادة على ذلك فقد حمل إلينا التغيير مخلوقات لا ترحم، وقد خلعت "برقع الحياء" من أول نظرة، ولا تكترث بالموهبة وقيم المهنة بل تحاربهما، وتباهي بالسلطة كشاب التحق حديثاً بكلية الشرطة، يحدق طويلاً في المرآة مزهواً بزيه الرسمي، وضف إلى كل ذلك أن هؤلاء القادمين الجدد يتمتعون بقدرات لا يحتملها صاحب ضمير حي في التبجح والإعجاب بالذات المتورمة، فمعظمهم تراوده تصورات خرافية عن نفسه، وربما أيضاً كان بعضهم يخفي خلف إظهارها إحساساً عميقاً بالدونية والعجز وجفاف الموهبة، والأدهى من ذلك شروخ الضمير التي اتسعت على الرتق.

كازينو الشجرة
إذن، لنكن صرحاء أكثر، ولا نلتف حول الأمر طويلاً، ونستسلم لادعاءات الحكمة الزائفة، لنعترف صراحة أن هناك فريقاً من الشباب الواعد، يقوده الشاب اللامع جمال مبارك، يقتحم مفاصل السلطة في هذه اللحظة الراهنة من تاريخ مصر، وأن أسماء أعضاء هذا الفريق يمكن للمرء أن يطلع عليها كاملة في موقع "الحزب الوطني الديمقراطي" على شبكة الإنترنت تحت وصلة "أمانة السياسات"، كما يمكن الاستمتاع بطلتهم البهية في كل مكان تقريباً، من القرية الذكية إلى وزارات الاستثمار والإعلام والمالية، مروراً بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وصولاً إلى "كازينو الشجرة"، الذي أشيع أنه كان المقر غير الرسمي للحملة الانتخابية التي قادها ـ وباقتدار ـ فريق الفكر الجديد، خلال جلسات مطولة على نهر النيل الذي بدا كعادته متدفقاً بهدوء تحسبه شاهد زور من فرط ما يوحي إليك صمته، لكن هذه نصف الحقيقة أما الحقيقة الكاملة فهي أنه "نهر عجوز" تماماً كحال المصريين "شعب عجوز" يرى ويسمع ويحس ويتحسس طريقه بأناة وحكمة، ويكره المنعطفات الحادة، ويتمتع بصبر لا يعرفه إلا من عرف الفلاح المصري جيداً، ويؤمن دائماً أنه كما هناك "عبد يسعى"، فإن "هناك رباً" يدبر ويستر، ويقدر ويلطف، وأن رحمته تسع الجميع، ومن باب النصائح المجانية أُذّكر "السادة الجدد" بأنه لا ينبغي أبداً أن يأمنوا جانب هذا الفلاح، فهو أيضاً ماكر وربما يتمرد إذا لزم الأمر، وأنه إذا كان بوسعهم قمعه، فليس بوسعهم خداعه، لأنه ببساطة ليس ساذجاً كما يتصورون عنه من فرط تعاطيهم مع نموذج الفلاح التلفزيوني الخرافي، الذي لا وجود له إلا في خيال "ميكانيكية الدراما التلفزيونية"، وبالطبع ألتمس ألف عذر وعذر لهؤلاء "السادة الجدد" في تبنيهم تلك الصورة عن الفلاحين والعمال وصغار الموظفين، فهؤلاء القادمين من "ديار العز"، لم يروا في حياتهم فلاحين ولا عمال ولا موظفين، رأوا خدماً كثيرين، ولنا أن نتخيل كيف يمكن التعامل مع شخص نشأ ثلثي عمره وأهم سنوات تكوينه وهو "سيد مطاع"، لا يجرؤ مخلوق ـ كائناً من كان ـ أن يختلف معه أو ينافسه أو يرفض له طلباً، وبعد كل ذلك العمر من تلقي فروض الولاء والطاعة والتدليل والتملق وقل ما شئت واحتكم، كيف يمكن للمرء أن يعارضه أو ينتقده، ويراهن على سعة صدره، أو التماسه الأعذار لهؤلاء المهمشين المنسحبين المحبطين المحتقنين .. الواقفين على حافة اليأس أو الجنون ؟

أجواء سبتمبرية
أبشركم سنندم جميعاً على أيام "الحرس القديم"، الذي طالما تأففنا منه جميعاً، ولم ندع صفة سيئة إلا وصمناه بها، لأن القادم أسوأ على نحو لا تسمح بوصفه الكلمات المباحة، فثمة حلف شرير يجمع بين الجهل والفساد والاستبداد، وفوق كل هذا العجرفة والاستعلاء، والرغبة الطاغية بالانتقام من المخالفين، على نحو ما جرى لأخواتنا الصحفيات والمحاميات من انتهاك علني لأعراضهن على قارعة الطريق، وفي واقعة لا ينبغي أن تغوص في دهاليز النسيان، ليس فقط لأنها "سابقة مرعبة" لم تشهدها مصر حتى في زمن الاستعمار القبيح، بل أيضاً ـ ولعل هذا هو الأهم ـ أن هناك من يراهن على الثقوب بذاكرة الشعوب، وللتذكير فقط فإننا لم نسمع ولم نقرأ عن جندي بريطاني هتك عرض مصرية تتظاهر ضد الاستعمار، ولم نسمع ولم نقرأ عن استئجار البريطانيين لعصابات من "الصيع والبلطجية" حتى يعتدوا على من يتظاهرون من أجلهم، ومن أجل حياة كريمة لأبنائهم في وطن حقيقي من بشر وشجر وأنهار وأحلام ممكنة، وليس "مزرعة الأنجال"، يرث فيها الضابط مسدس أبيه الجنرال، والطبيب سماعة أبيه الأستاذ، والصحافي قلم أبيه الكاتب الرئيس، وحتى البلطجي هراوة أبيه قائد الميليشيات الحزبية إياها .
أبشركم ثانية أن القادم أسوأ، ولست هنا في معرض الحديث "الفارغ" عن التفاؤل أو التشاؤم، بل عن قراءة بعض ملامح المشهد الذي يتشكل في رحم الحاضر، هناك مخاوف مبررة من أجواء سبتمبرية تلوح في الأفق، وهناك من بين "القادمين الجدد" من سمعته يلوح صراحة بأن ما ما سيجري بعد السابع من سبتمبر لن يمر بنفس البساطة التي مر بها قبل ذلك اليوم الفاصل، وأنه كما ستوزع المغانم، فستتوزع المغارم، فالغنم بالغرم، ولن يعدم هؤلاء الحيل ولا المبررات التي سيسوقونها حينئذ، بدءاً من "ضبط إيقاع الشارع" وصولاً إلى ما يمكن مطالعته في الاتهامات التي تتضمنها تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا، كالمساس بالأمن العام والسلم الاجتماعي، والتحريض على كراهية النظام، وغيرها، مادام هناك في "طرة وأبو زعبل" متسع لهذه "القلة القليلة قليلة الأدب"، والتعبير كما نعلم للسادات، رحمه الله، وسيتوغل الحزب الوطني الحاكم "من يومه" أكثر وأكثر في كل عصب من أعصاب الجهاز الإداري للدولة، حتى يكاد يظن الأريب أنهما صنوان، وسيتضح بصورة أكثر فجاجة أن الصعود أو حتى مجرد البقاء يتوقف على رضا السادة ومدى التورط في اللعبة، وأن معارضة هذا الكيان البلشفي المسمى "الحزب الوطني" ليست منافسة مع حزب بل مع دولة، ومؤسسات ومصالح ضخمة .

وما ملكت أيمانهم
ورغم كل هذه الأدوات أو بالأحرى الأسلحة الفتاكة التي يمتلكها "السادة الجدد" والتي تكفي واحدة منها لحسم المعركة .. أي معركة، على النحو الذي رأينا فيه الفرق بين المرشحين الأول والثاني في الانتخابات الرئاسية يتجاوز الثمانين بالمائة، وهذه بالمناسبة سابقة ينبغي أن يبادر "أولو الأمر منا" إلى تسجيلها في موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، قبل أن تتكرر في بلدان أخرى، وكيف بدا مرشح الحزب الحاكم كعملاق يصارع أقزاماً يعانون كل ما تعرفه أزمنة الكرب من هزال، ومع كل هذا سيظل "السادة الجدد" يلوحون بالفزاعات الخرافية، لنقل المعركة خارج الملعب، سيشهرون سيف التخوين والتبعية للأجنبي، كما فعل على سبيل المثال بفجاجة مع أيمن نور وقبله سعد الدين إبراهيم وغيرهما، وسيضعون المجتمع الدولي، أو لنقل صراحة الغرب، أمام خيار "نحن أو الأصولية"، ليحسم الأمر بالضربة القاضية، وسيطلقون ـ شأن كل الحواة ـ من كيسهم كثيراً من الثعابين في كل بقعة ضوء تنبت في أي موضع من هذا البلد، ولن يجهدوا أنفسهم كثيراً في أفساد ذمم هذا أو ذاك بعد أن أصبح المعروض أمامهم أكثر من حاجتهم أو رغباتهم، وقد صارت "العصمة" بأيديهم، يختارون اللحظة التي تروقهم ليقروا فيها "عقدة النكاح" أو يفكوها، وسيمارسون كافة حقوقهم في الاستمتاع بمثى وثلاث وأربع وما ملكت أيمانهم، وما أكثرهم .
لكن على الرغم من كل هذا العبث وتلك العتمة، يبقى أن نشير إلى معلومة بسيطة أعلنها رئيس "لجنة الحق الإلهي"، والتعبير للرجل الجليل المستشار محمود الخضيري، رئيس نادي قضاة الإسكندرية، أن المشاركين في هذه "الانتخابات البلشفية" لم يتجاوزوا 23% أي أقل من ربع عدد الذين يحق لهم التصويت وهذا يعني ببساطة أنها تأسست على "أغلبية الأقلية" المصطنعة، كما يعني أيضاً أن هؤلاء البسطاء الذين امتنعوا عن الاقتراع لأنهم رأوا في الأمر كله مجرد لعبة ثقيلة الظل لا تستحق أن يهدر من أجلها عشر دقائق ربما يرزقه الله خلالها بضع جنيهات، يسد بها التزاماً مما يتكوم على كاهله من أعباء وديون، أو على الأقل يرتاح فيها من عناء هذه الأيام الكئيبة، التي تنتقل خلالها الأوطان إلى "عصر الأنجال"، القادمين بثقة وعزم، بينما خُيّل لي لحظة إعلان النتيجة رسمياً، أن موسيقى الخلفية كانت لعبد الوهاب وهو ينشد ببعض التصرف لحنه الحماسي الشهير: ("قوم بإيمان وبروح وضمير، دوس على كل "الشعب"، على كل "الشعب" وسير)، فاربطوا الأحزمة قبل الإقلاع صوب المرحلة الجديدة، وابتلعوا إحباطاتكم وألسنتكم ونزقكم، وتذرعوا بفضيلة الصبر، والقدرة على ابتلاع القهر، وتعلموا من حكمة هذا "الشعب العجوز" الذي يصبر على جار السوء حتى يرحل، أو ...
ولا غالب إلا الله
Nabil@elaph.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف