البنية الأسطورية للقرآن الكريم (1)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
"الملكة العقلانية عند الانسان هي جزء من طبيعته وليست كل شيء اما الجزء الآخر الذي يلعب دوراً كبيراً في الحياة فهو العامل العاطفي والخيالي" (دستوفسكي)
-1-
من المشكلات التي تقع فيها الترجمة من لغة إلى آخرى غياب الدقة الدلالية التي تتركها المصطلحات والألفاظ الأصلية في نفوس ناطقيها الذين يفهمون دلالتها الحرفية ودلالاتها الحافة والأصطلاحات الخاصة التي تنمو في محيط اجتماعي ما، وهذه المشكلة أظهر عند ترجمة النصوص الأدبية البلاغية وتكون المهمة شبه مستحيلة عند ترجمة النصوص الدينية المقدسة ولذا نرى فقدان القرآن الكريم لجماليته عند نقله للغات الآخرى التي لا تراه عند الترجمة سوى نصا عاديا ثقيلا ويبدو أن فقهاء المسلمين عندما ناقشوا مسألة جواز ترجمة القرآن أو عدم جوازه كانوا ملتفتين إلى تلك الجهة لذا تقول فتاوى الكثير من الفقهاء أن الترجمة لا تجري عليها أحكام القرآنية . اسوق ذلك الكلام لأبين سلفا أن معنى الأسطورة هي ترجمة لا تساوي الدلالة اللغوية المعجمية في العربية ولا ينبغي فهمها من خلال ذلك بشكل حرفي دفعا لأي إشكالات كالتي وقعت لمحمد اركون والهجومات الشنيعة التي شُنت عليه- أنظر على سبيل المثال المهزلة الأركونية في المسألة القرآنية لإبراهيم عوض-، فالمصطلح الذي نترجمة للاسطورة المراد منه المعنى الذي أنحدر من اللغة اليونانية وتطورت دلالته معرفيا إلى المصطلح العلمي المعاصر في الدراسات الأنتربولوجية وما يلتقي بها من معارف والتي لم تساهم فيها اللغة العربية ولم تتطور بالتالي حمولة المصطلح العربي.
-2-
تمثل الاصل أو الجذر اليوناني الذي أنحدرت منه مصطلحات الميثلوجيا وما يرتبط بها في Mythos الممفردةفي اللغات الأوربية وتعني (الكلمة ، المقولة أو الحكاية) وأستمر الأمر على تلك الدلالة إلى القرن الرابع بعد ميلاد يسوع وبصورة خاصة بعد قيام هيرودتوس بكتابة حكايات الحروب اليونانية الفارسية حيث نشأ مصطلح الحقائق التأريخية فأصبحت دلالة مفردة اسطورة تحيل إلى الوهم والخيال وأحيانا التزوير فاضحت كلمة مايثوس النقيض المضاد للوكوس أو كلمة الحقيقة. ولكن بعد تطور الدراسات الإنسانية أخذت المفردة دلالات آخرى اشار إليها هاشم صالح في هامش كتاب تأريخية الفكر العربي الإسلامي ص 210 ونبه على ضرورة التمييز في الثقافة العربية الحديثة بين الأسطورة والخرافة فالأولى لها نواة في الوجود والواقع في حين الثانية مختلقة تماما كما أن الأسطورة مرتبطة بالمجاز وتحريك المشاعر ولها وظيفة خاصة ومن الضرورة بمكان مراجعة ما ذكره أركون وهاشم صالح في الكتاب المذكور لفهم تلك الدلالة بشكل أوسع.
-3-
في جذور كل تراث حضاري بشري نجد مجموعة من الحكايات حول الوجود والموت والحياة وكيفية ظهور الإنسان وما هو دوره في هذه الحياة وإلى اين يذهب بعد الموت ، حكايات عن الآلهة والأبطال وعملية الخلق وكيف ستنتهي الحياة في اليوم الموعود والأخير للبشرية والذي نسميه في موروثاتنا الدينية بيوم القيامة ولوحظ أن المجتمعات البشرية كلما أزدادت نضجا حضاريا كلما أعتبرت تلك الموروثات ذات وظيفة خاصة ولكنها غير معبرة عن الحقائق التأريخية ولكن مهما تحضر الإنسان فإن الاسطورة لا تفقد ديمومتها وطلاوتها وتبقى فاعلة ومنتشرة فمن تراث وادي الرافدين ووادي النيل والهلال الخصيب إلى الى تراث المايا والأنكا وسيبيريا وافريقيا الغربية والهند والصين واليابان وروسيا وإلى اليوم وتلك الحكايات فاعلة وتتخذ مظاهر مختلفة ضمن أنساق متغيرة أحيانا ويبدو أن ذلك سيستمر مع خلود أسئلة الإنسان عن الموت والحياة ومن اين جئنا وإلى اين سنذهب بعد الموت وهي الأسئلة التي يثيرها فلاسفة المسلمين إلى اليوم في أبحاثهم كالتقسيم الذي ذكروه، الإنسان قبل هذا العالم والإنسان في هذا العالم والإنسان بعد هذا العالم.
-4-
التعريف الذي اقترحته مايا ديرين للاسطورة (مجموعة من الحقائق الروحية مغطاة بسياج من الحكايات الخيالية) هو افضل من التعريفات الساذجة مثل ( الأسطورة حكايات عن ألالهة )أو ( حكايات مقدسة ) فهناك فرق بين الحكايات الشعبية التي نتناقلها شفويا عبر العصور والاسطورة وأن كان هناك تاثيرات وتداخل يحدث بينهما أحيانا وقد نستعمل كلمة حكاية للتعبير عن جزء من الاسطورة فهناك أساطير لا يوجد داخلهن أي نوع من أنواع الحكايات! والموقف من قيمة الأسطورة تحول من الأستخفاف إلى حيز المعرفة في الدراسات الإنسانية المعاصرة على الضد من الدراسات القديمة - خصوصا في القرن التاسع عشر -التي أمتازت بأحتقارها للأسطورة والتقليل من شأنها وأعتبارها أباطيل وخرافات لا قيمة لها وفي الأوساط المؤمنة نرى محاولة تنزيه الدين من تأثيراتها بشكل حازم وقاطع كما نجد في تراث أوربا الوسيط أو الفكر السائد لدى الأتجاهات الإسلامية لحد ألان . في بداية الوقت الحديث ذكر الكاتب الايطالي جيماباتستا فيكو في كتابه (القانون الجديد ) الصادر عام 1725 ردودا على المعتقد الذي ساد آنذاك في عموم أوربا من أن الأساطير هي عمليات محرفة لنصوص الأنجيل وبين أن الاساطير هي فانتازيا بشرية تحاول تفسير الحوادث الطبيعية فالأساطير طبقا له تشبه النظريات العلمية ضمن مستوى تفكير البشر في مرحلة ما وفي القرن التاسع عشر قدم الألماني فريدريك ماكس مولير دراسة عن الأساطير الهندأوربية حلل الأساطير من خلالها بطريقة رمزية كتحليله لأسطورة يونانية قديمية تتحدث عن بيرسفون التي أختطفت من قبل هاديس ملك العالم السفلي والتي لم يكن مسموحا لها بالظهور في العالم العلوي إلا في أوقات محددة وفي فصل الشتاء يجب عليها العودة للعالم السفلي فأعتبر مولير تلك الأسطورة رمزا للفصول الأربعة . الأنتربولوجي البريطاني السير فريزر قدم دراسة مهمة باسم الغصن الذهبي جمع فيها اساطير العالم عن المملكة الإلهية وطقوس التضحية والتي أعانت الألماني ولتير بوركيرت في دراسته عن القرابين المقدسة في التراثات البشرية معتبرا الأساطير مجرد قضايا بدائية تعود للأزمنة القديمة. في حين زعم سيجموند فرويد بكل ثقة أن الأسطورة هي ذكريات عصابية بصبغة قداسية وتعود إلى لا وعي الذاكرة الإنسانية مفسرا أسطورة أودبيبوس اليونانية- الأبن الذي قتل أباه وتزوج بأمه من حيث لا يعلم - بأنها تفسر ما يُخفيه اللاشعور لدى الذكور تجاه الاباء !! وفي النصف الأول من القرن العشرين قدم الفرنسي ليفي سترواس دراسات مهمة عن بنى القرابة والفكر المتوحش وتحليلات عميقة للاساطير خصوصا بين مجتمعات أمريكا الشمالية والجنوبية ومجتمعات الهنود مبينا أن الاساطير عمليات تحاول حل تناقضات الخبرة البشرية كالصراع بين الموت والحياة والجوع والترف والشباب والشيخوخة والجفاف والرطوبة والأنوثة والذكورة والطبيعة والمدنية بل وأحيانا تحاول تقديم مقاربات لمشاكل فلسفية كقضية الوحدة والكثرة-تكثر مخلوقات العالم وصدورها عن الواحد وإسلاميا طرُحت القاعدة فلسفيا باسم الواحد لا يصدر منه إلا واحد فكيف نشأ العالم الكثير عن الإله الواحد؟ - التي نالت حظا واسعا في التراث الفلسفي الإسلامي لا سيما في نظريات الفيلسوف الشيعي صدر المتألهين ومدرسة الحكمة المتعالية. ويعتبر ستراوس أن الاساطير تطرح اسئلة وتفتح علامات أستفهام وجودية أكثر مما تطرح أجوبة ويشرح أيضا كيف تُقتبس هذه الأمور في عملية لا نهائية من مجتمع إلى آخر وإذا كان ستراوس قد نجح إلى حد كبير في شرح اساطير أمريكا الجنوبية والشمالية واستراليا واليونان القديمة والهند إلا أنه لم يلق نفس النجاح في مجالات آخرى أتمها الروسي فلاديمير بروب وأتباعه ونقاشاتهم حول البنيوية التي يعد ستراوس من روادها الأوائل. عموما فإن الدراسات الحديثة تؤكد على نقد الدراسات التي أحتكرت المعرفة وأختزلتها بالعقل وهذا ما نجد له مؤيدين إلى ألان على الرغم من نتائج الدراسات المعرفية المعاصرة التي توصلت إلى أن المعرفة ليست محصورة بالعقل بل للاسطورة ورمزيتها دورها الفعال في ذلك وأن العقل بنفسه لا يمكنه أن يشتغل خارج خصوبة الخيال الخلاق فلا يمكن - مثلا - الحديث عن عقل عربي يناقض مخيال عربي وكأن هناك عقلا خالصا !! وذلك ما أدى إلى الاهتمام الشديد بإعادة النظر بأساطير الشعوب وموروثاتها والموقف من الديانات وفهمها بشكل أكثر دقة وفي تراث المسلمين الفلسفي قدموا مقاربات لذلك وتقسيمات للعقل والوهم والخيال ضمن مستوى المرحلة الفكرية القديمة.
-5-
لم يعد مقبولا إذاً النظر إلى الأسطورة كحكايات تعود إلى طفولة الشعوب تفتقر لأي معنى بل أعتبرت مليئة بالمعاني المتعددة والرموز وأنها تمثل جزءا اساسيا من حياة الإنسان وتقدم وجهات نظر تمثل الاساس للقيم الأخلاقية وجذور العادات الاجتماعية والتي تترك آثارها على مجمل الآداب والمعارف والدين والسلوك ولم يعد ممكنا الزعم بإمكان فهم مجتمع ما دون فهم أساطيره وموروثاته جيدا ليس فقط لمن يؤمن بذلك داخل مجتمع ما بل وكينبوع يتحدث عن شؤون الحياة بصورة عامة كما ولم يُعد بالإمكان نقديم اي محاولات تربوية واصلاحية دون الأخذ بنظر الأعتبار هذه المكونات المهمة وهذا لا يعني مطلقا أعتبار الاساطير وقائع تأريخية حقيقية حدثت في الأزمان المنصرمة فهناك فرق بين أن نقول بأن الاسطورة وثيقة تأريخية وأن نقول إن لها وظيفة للإخبار عن الحقائق فالحقائق هي نواة في الاسطورة محاطة بحكايات خيالية خارقة عن الإله والأبطال والقديسين والطبيعة والتأريخ فمثلا أسطورة آدم وحواء ومكوثهما في جنة الخلد وتعرضهما لإغواء الشيطان وهبوطهما إلى الأرض وتناسلهما الذي أدى إلى نشوء البشر ليست تلك أحداثا حقيقية وذلك لا يلغي إن تلك الاسطورة تحمل معنى عميقا فأخذ الأسطورة حرفيا غير مقبول كالعصور السابقة وإنما الحقيقية التي تحاول أن تُخبر عنها (ضعف الكائن الإنساني). الأساطير الدينية تحمل دائما حقائق مقدسة ولكن ليس جميع الاساطير تنتمي لمجموعة الاساطير الدينية فهناك أساطير اجتماعية وأساطير تأريخية تحمل نواة عن احداث تأريخية أو نشأة مجتمعات ما أو قيم ومبادئ أخلاقية معينة فعلى سبيل المثال الاسطورة الشعبية عن قوم ما وابطالهم التأريخيين - عربيا أساطير عنترة بن شداد والأميرة ذات الهمة والزير سالم وسيف بن ذي يزن ...الخ - تمنحهم الشعور بالتماسك والوحدة والثقة والعمل من اجل الجماعة.
للحديث صلة
تنبيه: لاحظتُ أن بعض الإخوة المؤمنين من الطائفة المسيحية يحاولون إستثمار ما كتبته في المقالين السابقين عن القرآن الكريم لتسجيل نقطة في مرمى الخصم الإسلامي وهذا يكشف عن وجود نفس آلية التفكير بين جماعة المؤمنين لدى الطائفتين الدينيتين في شرقنا، فالمسيحية الغربية قدمت نقدا هائلا للتراث المسيحي واصولياته وفتاواه الحربية وعملت طويلا على نقد العهد الجديد وبيان منشأه وتعدد نسخه ومشكلة لغته الآرامية الأصل وأنتقاله من لغة إلى آخرى منذ دراسات ريشار سيمون وإلى اليوم بخلاف الإيمان المنغلق لدى المسيحية الشرقية التي لا زالت تعيش نفس الفضاء الفكري الذي ننقده لدى جميع المؤمنين في الطائفة الإسلامية أو الطائفة المسيحية أو غيرهما .لذا أتمنى أن لا يتم التعامل مع الأمور بطريقة الخصومات اللاهوتية القديمة.