كتَّاب إيلاف

معركة بدر... قراءة في السند الأول

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

قلت أن العمدة في سردية معركة بدر هو ما جاء في سيرة أبن أسحق، خاصة الخبر الرئيسي الذي يتبنى عملية سرد المعركة بالتفاصيل، والباقي عيال عليه بشكل وأخر، وقلت أن هناك ما يدعو إلى قراءة سند ابن إسحق حتى لو كان ثقة، وحتى لو كان ابن هشام ناقل سيرته ومهذبها ثقة، وحتى إذا كان الواسطة بين الأثنين هو ثقة أيضا، أي زياد البكائي. بل حتى إذا كان سند إبن اسحق نفسه من الثقاة كما يقول علماء الرجال، فذاك لا يغني عن قراءة السند وتمحيصه، لإسباب سبق أن تكلمت عنها في الحلقة الماضية بعنوان ( معركة بدر... نقد المصدر الأول )، فالثقة لا يمكن أن يتجرد من كل عواطفه، وهو الأمر ضمّنه علماء الرجال في نظرتهم للثقة، من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون، كما أن معضلة الرواية الشفهية هي الأخرى تدعو إلى المراجعة مهما كان قويا.
جاء في السيرة (... فحدّثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة، وغيرهم من علمائنا عن أبن عباس، كل حدّثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر، قالوا... ) ويستمر بسرد الخبر / السيرة طبع دار الفكر 1 / 358 / ولا نريد أن نناقش في هذا الدمج بين المضامين كما يصرح ابن اسحق نفسه بذلك ، فهو ضرر، ولا ينفع معه ما يقولون أن أخرين عملوا به، ولا نريد أن نتحدث عن وثاقة هؤلاء، فهم كلهم ثقاة حسب علم الرجال السني، ولكن نريد أن ندرس إنتهاء الرواية العمدة عند السيد عبد الله بن عباس.
ليس هنا مجال الحديث عن وثاقة إبن عباس، رغم تصوري أنه شخصية مبهمة، غامضة، كما سوف أفصل بذلك في وقته المناسب، ولكن نريد أن ندرس طبيعة الحيثيات والمقتربات التي تحيط به كمصدر للخبر، مصدر نهائي، ويكاد يكون حصريا.
ولد عبد الله بن عباس سنة ثلاث للهجرة، وبالتالي كان عمره يوم كانت وقعت ( بدر ) خمس سنوات على أكبر تقدير، وعليه من الصعب أن نقول أنه كان حاضرا المعركة، وإن روايته هذا كانت عن حس مباشر، ولما توفي الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمره خمسة عشر عاما، وهو سن لا يساعد على تحصيل درجة عالية من الإطمئان، والمشكلة الأخري، أن عبد الله بن عباس لم يذكر لنا المصدر أو المصادر التي رجع إليها لا ستقاء خبره أو أخباره عن المعركة،وهم بطبيعة الحال يجب أن يكونوا ممن اشتركوا بالمعركة، ولهم باع طويل في جريانها، وعدم معرفتنا بهؤلاء الذين أستقى منهم أو أخذ منهم إبن عباس يشكل نقطة ضعف في الرواية، فقد لا يكونون ممن اشترك بالمعركة، أو كان لها شراكة ضعيفة هامشية، ومن يجرؤ على الإدعاء أن مصادر إبن عباس على درجة عالية من الوثاقة والضبط، وأنهم لا يركضون وراء مصالحهم بشكل وآخر ؟ ثم هل كان إبن عباس وهو ينقل مثل هذا الخبر إلى تلامذته أو مستمعيه، هل قام بعملية تحقيق لما وصل إليه من أخبار تخص المعركة ؟ لا نستيطع الجزم بالنفي أو الإثبات، ولكن عدم معرفتنا بذلك يشكل نقطة طعن أو على الأقل يجعلنا متحيرين إلى حد ليس بالبسيط.
تقول الرواية من الداخل (... فانتُدِب الناسُ فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنُوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا... )، فإذن لم يفهم الجميع مراد رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم من إنتدابه لهم، رغم أنه حاضر بينهم، ورغم أن كلامه واضح، وكان بإمكانهم أن يسألوا النبي العزيز... أقول لقد حصل هذا الإضطراب والتتفاوت في فهم كلام النبي العزيز، وهو كلام يخص المعركة بالصميم، بل هو جوهر المعركة الذي يخص المعركة بالصميم، وهو على تماس معهم، وهو في صميم الحدث معهم، فكم حصل من الإضطراب في أخبار المعركة واختلافات في تفسير وتوضيح المواقف والحوادث فيما بعد، أي بعد أن إنقضت المعركة وصارت تاريخا ؟ من الطبيعي أن تكون كثيرة ومعقدة، فهل نطمئن أن إبن عباس قام بعملية غربلة لهذه الأخبار، وأنه أجهد نفسه للحصول على الخبر اليقين ؟
لا أريد أن أقول أن عبد الله بن عباس ليس ثقة، ولكن أتساءل عن الظروف التي أحتفت باخبار المعركة، ولحقت، والزيادات التي دخلت على هذه الأخبار، وتفاعلت معها، وذلك خلال التفترة التي فصلت بين لحظتها الزمنية الأولى من جهة وبين لحظتها كـ ( رواية ) على لسان إبن عباس ؟
من يدعي ان أخبار المعركة بقيت على نقائها، وصفائها، وروحها، خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة نسبيا والمعقدة لأسباب نعرفها جميعا، إنما يشتط شططا، ويجني على الفكر والعلم، بل يجني على التجربة، أبسط تجربة.
هناك من يعد عبد الله بن عباس تابعيا، لأنه كان صغير السن في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي، تكون روايته لهذه المعركة هي روا ية تابعي عن تابعي، وإن أحسن ما يمكن أن يقدمه أنصار الرواية من دفاع، هو قولهم أن إبن عباس ثقة، وعالم، وقد نقل من ثقات هم الصحابة بحكم كونهم عدولا كما يذهب علماء الرجال السنة، ولا أريد أن أدخل في نقاش حول هذه النقطة بالذات، ألتي أعتبرها من أخطر ما مني به الإسلام من نكبات ومهالك، حيث كان ذلك سببا في توريط الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما هو لا إنساني في كثير من الروايات المزعومة، والأعمال المزعومة، بما في ذلك ما يخص الغزوات، ورغم ذلك أتساءل، حتى لو أن الصحابة كانوا لا يكذبون، ولا يبالغون، ولا يسعى كل منهم إلى حضوره الشخصي في صلب التاريخ، ولكن ألم تصلنا أخبار موثوقة عن الصحابة يناقض بعضها بعضا ؟
ليس الان محل التفصيل في هذه النقطة وكاتب السطور يحتفظ بدراسة مطولة عن ذلك علني انشرها إذا سمحت الأيام.

يتبع

Ketab_1@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف