كتَّاب إيلاف

حروب المحاور الجديدة في الشرق الأوسط

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

جولة كوندليزا رايس الأخيرة في الشرق الأوسط لم تكن لتقسيم المنطقة إلى معتدلين ومتطرفين وإنما لتأكيد هذا الأنقسام أو توصيفه بمعني أوضح، فالانقسام واقع بالفعل. والشرق الأوسط يسير بخطي سريعة وثابتة نحو التطرف وليس الاعتدال، فمن كان متطرفا بالأمس أصبح معتدلا اليوم لظهور الأكثر تطرفا، والأكثر تطرفا سيكون معتدلا غدا بعد تعميم نموذج بن لادن والظواهري بصورمختلفة في المنطقة، وبعد أن أصبح نموذج القاعدة هو المعيار لإظهار أن الآخرين معتدلون.
لقد تكلمت مبكرا عن محور السعودية- مصر- الأردن في مقابل محور إيران - سوريا - حزب الله - حماس - جيش المهدي- فليق بدر- والأخوان المسلمين.
والآن أعود لتوصيف وتوضيح أكبر لأن هذا الصراع من المتوقع أن يكون هو الحدث الذي سيهز المنطقة في الفترة القادمة.
توصيف رايس الأخير للمعتدلين والمتطرفين في الشرق الأوسط هو دليل فشل أمريكي وليس نجاح، لأن فاشيين الأمس أصبحوا معتدلين اليوم ،وحلم الديموقراطية اختزل إلى مجرد السيطرة على الانفلات الإرهابي ،وسقف الحريات والأزدهار تقلص إلى الحفاظ على حد أدني من الأستقرار.
والغريب والمضحك أن العرب مصرون على أن إسرائيل هي التي ورطت أمريكا في هذه الأخطاء رغم أن الواقع ينطق بعكس ذلك. لو كانت إسرائيل هي التى تنصح أمريكا ما خدعها شخص مثل أحمد الجلبي الذي عمل كل هذا بالتنسيق مع إيران، ولو أن إسرائيل وراء السلوك الأمريكي ما كانت ضغطت لاعطاء الإسلاميين فرصة، لأن إسرائيل تعرف جيدا طبيعة التنظيمات الإسلامية، بل أن أمريكا فشلت حتى في إدارة قناة تلفزيونية وهي قناة "الحرة" والتى أصبحت مرتعا لأعضاء حزب الله وعملاء المخابرات العربية، وأدركت الإدارة ذلك مؤخرا بعد أن أزكمت الأنوف روائح القناة ولم يعد أحد يسمع عنها إلا من خلال الفساد المالي والكفاءة المتدنية لما تقدمه. أنساقت الإدارة الأمريكية برعونة وراء شخصيات عربية سواء بحل الجيش العراقي أو تشجيع مشاركة الإسلاميين وحتى قناة الحرة التي صورها الفهلوية العرب لأمريكا بأنها مكتسحة للشارع ومصداقيتها فوق الجميع.

منطقة الشرق الأوسط تتنازعها ثلاثة مشاريع مختلفة:
أولا المشروع السعودي الوهابي، وهو مشروع نشط منذ أواخر السبعينات وحقق نجاحا كبيرا في تطرف منطقة الشرق الأوسط والعالم، وثانيا المشروع الإيراني الخوميني الذي بدأ مع ثورة الخوميني عام 1979 وعطله صدام حسين بحربه الطويلة مع إيران وعاد المشروع بقوة ونشاط بعد سقوط صدام 2003، وثالثا المشروع الأمريكي الممتد منذ الخمسينات للحفاظ على المصالح الأمريكية وتأمين تدفق النفط من آجل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي وأضيف إلى ذلك الحرب الدولية على الإرهاب منذ سبتمبر 2001.
بعد 11 سبتمبر بدا المشروع الأمريكي متناقضا مع المشروع السعودي في سياق الحرب الدولية على الإرهاب والتي حاولت أمريكا توظيفها من آجل استبدال التحالف مع المستبدين العرب بتحالفات مع دول ديموقراطية قائمة على أنقاض هذه الدكتاتوريات. ولكن مع أنفجار التطرف الإسلامي في المنطقة عادت أمريكا مرة أخرى إلى سياستها التقليدية البرجماتية في التحالف مع السعودية من أجل كبح جماح هذا التطرف، يضاف إلى ذلك أن السعودية بعد 11 سبتمبر فرملت مشروعها لنشر الإسلامية الدولية وبذكاء شديد فهمت مجريات السياسة الدولية وعملت بقدر طاقتها للتأقلم معها وليس الصدام.
الفرق بين المشروع السعودي والمشروع الإيراني أن المشروع السعودي يمثل الإسلام المتزمت التقليدي الساكن البدوي البدائي الخام في حين تمثل إيران الإسلام النشط المتحرك الثوري العدواني.
السعودية دولة معتدلة سياسيا ومتطرفة دينيا بحكم ظروف نشأة الدولة، ولكن إيران الخومينية متطرفة سياسيا ومتطرفة دينيا.
دينيا نحن اذن أزاء صراع بين الوهابية والخومينية وهو يحمل في طياته صراع مذهبي ممتد تاريخيا، وصراع حديث بين الأصولية الوهابية المتزمتة والخومينية الراديكالية التي تسعي لتصدير ثورتها المتطرفة وبالتحديد إلى المحيط العربي المجاور.
سياسيا نحن بالفعل أزاء صراع بين معتدلين ومتطرفين ،فالجناح المعتدل بقيادة السعوديةيعمل على التوافق مع المجتمع الدولي، والجناح الإيراني يعمل تجاه الصدام مع المجتمع الدولي وتفجير الصراعات في الشرق الأوسط وتعزيز البؤر المتطرفة وتغذية المنظمات الإرهابية بالسلاح والمال والدعم المعنوي.
الصراع المتكوم بين المحورين كشفته بوضوح الحرب اللبنانية الأخيرة، حيث نجحت إيران في تفجير الحرب وحاولت السعودية ومعها محور الاعتدال السياسي إعادة الاستقرار إلى لبنان، وملف لبنان مازال مفتوحا.
المواجهات بين المحورين ستكون ساخنة وباردة، ساخنة عبر الحروب بالوكالة Proxy Wars وباردة عبر الحروب الإعلامية والثقافية. هناك بؤرتان ستشكلان نقط صراع ساخنة وحرب تكسير عظام بين المحوريين، الأولي بين حماس وأبو مازن في غزة والضفة والثانية بين حزب الله وقوى الاعتدال السياسي في لبنان.
أما الحروب الأعلامية فقد بدأت وخاصة أن محور التطرف السياسي بقيادة إيران تسلل إلى الشارع العربي عبر شعاراته الزاعقة تجاه إسرائيل وأدعائاته الكاذبة باستعداده لمحوها من على الخريطة، وعبر تبنيه العداء لأمريكا وتصوير نفسه كحارس للإسلام في مواجهة الغرب.
وكل محور له منابره الأعلامية ورجاله من الكتاب والمثقفين ورجال الدين المستعدين دائما للافتاء في الاتجاه الذي يحدده السلطان.
من المعارك الإعلامية التي أثاروها ضد السعودية مؤخرا هي إلتقاء مسؤولين سعوديين بنظرائهم الإسرائيليين، وقد كتب الأستاذ عبد الباري عطوان أحد الأصوات الهامة في دعم المحور الراديكالى ورجل قطر فى لندن مقالا بعنوان "الاتصالات السعودية - الإسرائيلية" في جريدة القدس العربي بتاريخ 7 أكتوبر 2006 قدم فيه الكثير من البراهين على حدوث لقاء إسرائيلي سعودي، ومما قاله لأثبات وجهة نظره أن الأستاذ عبد الباري عطوان كان ضيفا على برنامج ال بي بي سي "نيوز نايت" وشاهد تقريرا قبل بث البرنامج ظهر فيه د. مأمون فندي يقول فيه كما ذكر بالنص "أن أحد أعضاء الوفد السعودي الذي التقي الرئيس بوش و السيدة رايس يوم 21 أغسطس أبلغه أن السعودية وإسرائيل باتتا تقفان في خندق واحد. وقال نقلا عن هذا المسؤول ،الذي سمح له بترديد ذلك، أن إسرائيل هي أكثر دولة قدمت خدمات للملكة العربية السعودية، خدمتها عندما أطاحت بجمال عبد الناصر الد أعدائها بهزيمته بشكل مهين عام 1967، وخدمتها عندما أطاحت من خلال حلفائها في واشنطن بعدوها اللدود الثاني صدام حسين، عندما حرضت على غزو العراق واحتلاله، وهي الآن تحارب لهزيمة حزب الله عدو السعودية اللدود أيضا. أعضاء الوفد السعودي الذي نقل البروفسور فندي عن أحدهم هم الأمراء سعود الفيصل وزير الخارجية، تركي الفيصل السفير في واشنطن، وبندر بن عبد العزيز مستشار الأمن القومي".
انتهي كلام عطوان وقد رد فندي عليه بتكذيب أرسله للصحف قال فيه "في إطار الحملة الإعلامية المغرضة التي تتعرض لها المملكة العربية في الأونة الأخيرة، تم الزج بأسمي في خبر ملفق وعاري من الصحة عن وجودي ضمن وفد سعودي زار أمريكا في بداية الحرب اللبنانية وحديث لي عن هذه الزيارة مؤخرا في تلفزيون BBC2 ، وذلك على الرغم من أنني لم أتحدث ل BBC منذ شهور. لذا على أن أؤكد أنني لم أكن ضمن أي وفد سعودي إلى أمريكا ولا إلى أي دولة أخرى. كما أنني لم أتشرف بلقاء الأمراء المذكورين في الخبر فى سياق اى وفد رسمى او غير رسمى.كما اننى لم اعلق لاى وسيلة اعلامية على اى لقاء اسرائيلى سعودى.مجمل الخبر لأي عاقل أنه يهدف فقط إلى تشويه سمعتي والنيل مني ومن المملكة السعودية، وأربا بجميع المواقع المحترمة أن لا تنزلق في هذه الحملة المغرضة".
لا أعرف شخصيا هل التقي سعوديون مع إسرائيليين أم لا، وإذا كان هذا قد حدث يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، وليس العكس، فالسعودية دولة هامة في المنطقة وعليها أن تفتح حوارا جادا مع إسرائيل من أجل نشر السلام واستقرار المنطقة، والطريق الوحيد لذلك هو الحوار كما فعل الرئيس السادات من قبل.
أما من ناحية الخبر فيمكن التأكد من BBC بسهولة وأتخاذ الاجراءات القضائية إذا كان الخبر غير صحيح.
الواقع أن الهجوم على مأمون فندي الذي جاء في أكثر من صحيفة داعمة لمحور التطرف في المنطقة ليس هجوما شخصيا ولكن لأنه أحد رجالات المحور السعودي، فهي في إطار الحروب الإعلامية بين المحاور.
مأمون فندي كاتب ليبرالي معروف وأحد رجال السعودية المخلصين، وبعد 11 سبتمبر ظهر في الكثير من وسائل الأعلام الأمريكية مدافعا عن السعودية من منظور صداقتها الطويلة لأمريكا وأعتدال سياستها والمصالح المشتركة بينها وبين أمريكا، وكان له دور إيجابي في ترطيب العلاقات السعودية الأمريكية التى التهبت بعد 11 سبتمبر.
والسعودية بلد يدير بكفاءة عالية سياسته مع الولايات المتحدة، وهم أدركوا الدور الهام الذي لعبه مأمون فندي لصالحهم في واشنطن قبل أن ينتقل إلى لندن، وقد ألتقاه الملك عبد الله أكثر من مرة في لفتة لا تخفي على أحد دلالتها.
وقد أعطت وسائل الأعلام السعودية فندي مساحة معقولة بسقف أعلى من المسموح به فيها لتقديم رؤيته النقدية لثقافة التطرف بما في ذلك نقده الحاد لقناة الجزيرة ودولة قطر بشكل غير مسبوق في الصحافة السعودية.
الحروب بين المحاور في الشرق الأوسط بكافة أشكالها ستحدد مصير المنطقة في السنوات القادمة. وهي دليل على فشل إدارة بوش والتي عادت إلى نقطة الصفر بتحالفها مع المستبدين العرب ولكن في مناخ يبدو فيه التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط أعلى بكثير مما كان عليه قبل 11 سبتمبر 2001.
magdi.khalil@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف