دبي.. مدينة بنكهة الفانيللا
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
عندما يقتضي منك عملك أن تكون على مكتبك في ساعات ما قبل الفجر، ترى الدنيا أثناء سيرك للعمل بعيون تختلف عن عيون النهار، حيث تخلع الشوارع قلقها وتتحول أنظارنا عن مسافة لا تتعدى لوحة رقم السيارة التي تتقدمنا، إلى جماليات المكان، وأشياء أخرى تسربت بفعل الضوضاء والاكتظاظ من بين أصابع النهار. تختفي أصوات الحداثة التي تسرق انتباهاتنا بعيداً بفعل قوافل الوحوش المعدنية التي تشق شريان الشارع.
عملي في مجال إعداد برنامج يومي يبث صباحاً منحني فرصة التنقل قبل الفجر وملامسة قطرات الندى أثناء ولادتها. حيث أصادف في طريقي على امتداد أيام الأسبوع الجنود المجهولين الذين يعملون ليلاً لتصبح حياة من سيستيقظون بعد ساعات أكثر سهولة وجمالاً. عمال تغيير الإضاءة في الشوارع وحافلاتهم التي تستمر بإطلاق نبض الوميض لتحذير السائقين، موظفي البلدية الذين يرشون الشوارع بمبيدات الحشرات، موظفي صيانة الطرقات، رجال دوريات الأمن الذين يجوبون الشوارع للتأكد من أن المدينة ترقد بسلام، وملائكة رحمة يعملون في المجال الطبي انتهت مناوباتهم أو.. بدأت، إضافة إلى حافلات نقل العمال إلى المناطق الصناعية.
وسط كل تلك المشاهد هناك أيام تتكرر فيها نسبة الرطوبة العالية، بحيث تتكون ضبابة شديدة الكثافة تلف المنطقة التي تمتد بين نهاية شارع الشيخ زايد وطريق أبوظبي مروراً بمدينة دبي للإعلام، حيث لا تكاد ترى أمامك على امتداد ذراعك، وأحياناً تشعر وكأن الضباب على وشك ملامسة أرنبة أنفك. وكثيراً ما مررت عن بوابة مدينة دبي للإعلام وتجاوزتها لانعدام الرؤية لأستمر في طريقي باتجاه أبو ظبي رغم أنني أسير بسرعة تملّ منها السلحفاة. حاولت مراراً أن أجد بأساليبي الخاصة بوصلة أحدد فيها اين موقعي من الطريق، وكنت أفشل في ذلك، إلى أن اكتشف أنفي حلاً عجزت عنه حواسي الأخرى.
في مكان ما قبل مدينة دبي للإعلام منطقة تفوح منها دائماً رائحة الفانيللا، يبدو ان هناك مصنعاً لإعداد الحلويات او البسكويت، كلما اشتد الضباب هرعت لتوقيت المسافة تقريباً من مكان رادار الأنف إلى المسافة المتبقية إلى مكان العمل. وكما يضاف إلى الغاز رائحة صناعية منفرة للتنبيه عن تسربه، أظن سيأتي يوم وتنشر مدينة دبي رائحة الفانيلا لتحل مكان اللافتات التي تشير إلى حدود المدينة.
وكما جبال القدس بنكهة الزعتر البري، وجبال الخليل بنكهة القيسوم والميرمية، وجبال بيرين في الأردن بنكهة البعيثران، ستكون دبي بنكهة الفانيللا.. ولا أستبعد ذلك على دبي لأنها استطاعت أن تحقق مستحيلات كثيرة، وأدواتها في الترحيب مختلفة الإشارات، فمن مدينة صحراوية رمالها مثل ذرات السكر الخشن، شقـّت شرنقتها وخرجت بمورفولوجيات جمالية مختلفة.. نشرت جناحيها لتجف فوق فضاء المدينة، مدينة حديثة شقت الماء وخرجت مبان من بطن الماء المالح.. ناطحات سحاب تولد وتتطاول أثناء الليل مثل ولادة فطر المشروم بعد عاصفة رعدية.. فن عمارة يتحدى القوانين الهندسية.. وقلب يتسع بمقاعده لمئات اللغات والجنسيات والخلفيات العرقية، دبي عروس الإمارات استقدمت مهارات وكفاءات من مختلف أنحاء الأرض لتنقش الزينة على كفيها.. دبي كعكة الخليج العربي ولكل ضيف شريحة منها. دبي المدينة التي لن تتوقف عن ولادة المستحيلات لا تنام ليلاً لأنها منشغلة بخلط سكرها بنكهة الفانيللا.