كتَّاب إيلاف

من كان منكم خائفاً فليغن معي ....

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

ذكرني اليوم صديق بمقال كنت كتبته قبل عامين تقريباً، احكي في جزء منه عن تجربتي الشخصية التي عشتها خلال حرب الخليج او "عاصفة الصحراء" أو "أم المعارك" او "ام الهزائم" فليسمها كل منكم بما يحلو له. واقتبس هنا ما كتبته يومها ، وما أشبهه بما يحدث الآن وأنا في بيروت:

"نشرات الأخبار لا تنقل ما يدور في خلدنا في ظلمة الليل القاتم ...
عندما تتعطل كل مظاهر الحضارة والتكنولوجيا ولا يبقى لنا ما يضيء ليالينا سوى شمعة شاحبة يساندها ضوء القمر تحترق ببطء ...أرقبها تذوب وهي تبكي.. تتساقط دموعها شمعاً سائلاً ساخناً ... وأتساءل تراها تبكي عمرها الذي يذوي محترقاً أم تبكي شفقة علينا... ؟!!
عندما تجف المياه من الحنفية.. ولا تجد بداً من ان تلجأ لكسر الخط الرئيسي للتغذية لتملأ الدلاء في عز برد كانون الأول...
عندما تبدو الليالي وكأنها بلا نهاية وضوء الشمس حلم بعيد...
عندما تصبح الموسيقى الوحيدة التي في متناول يدك أزيز الطائرات ودوي الإنفجارات...
وعندما تكون الحركة الوحيدة في محيطك.. الأرض التي تهتز تحتك بفعل الإنفجارات القريبة أو البعيدة...
عندما تفقد كل الأمور قيمتها باستثناء ما يعينك على البقاء..
عندما يصبح الكتاب ترفاً ... والكتابة وجع ... تحاول الهرب.. تبحث عن فكرة جميلة ... أو تلجأ للمذياع تبحث عن منفذ ... لازلت اذكر بحثي المحموم في ليالي البؤس عن أغنية ... أغنية تنسيني أين أنا ... أغنية يعلو صوتها على صوت الموت الذي يحاصرني من كل جهة ... مونتي كارلو .. بي بي سي... صوت اميركا... صوت القاهرة ... صوت الحرية... كل الاصوات الا صوت العراق.. لاشيء سوى نشرات الاخبار ... من قال لهم بأننا بحاجة لنشرة أخبار ونحن نعيش الخبر بتفاصيله المملة... من قال لهم اننا نريد صدى لصوت الانفجارات التي نسمعها حية... نشرات الأخبار ليست لنا ... انها للذين في الخارج ... في العالم الآخر الموازي.. الذي لا يمكن لنا ان نلتقي معه أو نلجأ اليه فقد سدت كل الطرق وفجرت كل جسور العبور...
عالم يبدو بعيداً وخيالياً فلا شيء حقيقي حولنا سوى الموت والخوف... والشلل التام...
وخلال بحثي المحموم بين إذاعات الحرب عن شيء آخر لا يكون نشرة أخبار... اسمع صوت ام كلثوم ... فتسري في جسدي رعشة ... انفض عني الموت والخوف واليأس، واعبر من خلال صوتها الى العالم الموازي ولو بخيالي... ولو لبرهة قبل أن يقاطعها صوت الموت القادم من السماء ليعيدني مجدداً للعالم المنسي".

ما أشبه الصور التي كتبتها قبل عامين بما نعيشه اليوم في بيروت مع اختلاف طفيف في التفاصيل. وعندما اقتبس صديقي هذا الكلام من مقالي القديم ، والذي قال لي بأنه غير نظرته للحرب... كان هدفه ان يرد على تساؤل يدور في خلد البعض، فيما اذا كانت شركات الانتاج والاذاعات والمحطات الغنائية يجب ان تتوقف في ظل هذه الظروف عن الاصدارات الجديدة وبث الأغنيات، وفيما إذا كان هناك مكان للفرح في قلوب الناس.
وهنا تذكرت نصيحة جدتي "رحمها الله" لي عندما كنت طفلة تخشى الظلمة ككل الاطفال "اذا شعرت بالخوف استعيني بالغناء دندني بأي أغنية تحفظين، ستجدين ان تفكيرك ابتعد عن الخوف".
دعوهم يغنوا علهم يطردون من قلوبنا الخوف، واليأس، والملل الذي يقتلنا ببطء عندما لا يكون هناك ما نفعله ... فتمر الساعات ببطء كانها ايام، وعندما نكون في اجازة قسرية من العمل والحياة...

والسؤال الأهم لماذا علينا ان نترك لبعض الحمقى من ذوي السلطة الحق والفرصة بقتل مشاعرنا وانسانيتنا، تدمير مستقبلنا، وسرقة الفرح من حياتنا، وزرع الخوف في قلوبنا... بقرار اهوج، اخرق، غبي.....
لماذا علينا ان نتوقف عن الغناء والرسم، والكتابة لكي تنتصر الحرب ونموت نحن...؟
فالنصر كذبة ... والشهادة وهم.... والموت واحد مهما تعددت الأسباب والأشكال.
كفى حمقاً بربكم... ان كان لكم رب ...
وليكن للإنسان العربي ولو لمرة واحدة قيمة أكبر من ثمن الرصاصة التي تقتله.. او الشظية التي تمزقه، او النار التي تحرقه.... لسنا ارقاماً لا قيمة لها تمر على شرائط الاخبار العاجلة على شاشات التلفزة ... تحصينا كالغنم المذبوح ليلة العيد....
حقيقة واحدة أعرفها وتعلمتها من تجارب سابقة في الحرب .... انت وحيد ..
وسيقف العالم مكتوف الأيدي ... يتفرج عليك وانت تذوي وتموت ...
يرفض استقبالك كلاجيء... او يرفض مد العون العون لك عندما تقصده ...
لانك من عالم ثالث لا قيمة له بالنسبة لهم...
انت جنس دون لا تستحق عناء الانقاذ...
و"اخوانك" العرب سيتفرجون عن بعد من راحة غرف جلوسهم على منظر احتضارك على الشاشات ... ربما يستنكرون ويشجبون ... قد يتظاهرون وتنشق حناجرهم وهم يصرخون .....
لكنك لن تحظى منهم سوى بكلام في الهواء ... او ربما بحفنة مساعدات ...
او كمشة دولارات ثمن إراحة ضمائرهم النائمة.
فهم يتفرجون على فلسطين تغتصب مراراً وتكراراً منذ 57 عاماً ... وعلى العراق يستنزف منذ 26 عاماً ... بالضبط كما تفرجوا على بيروت تحترق منذ عا 75 لغاية 90...
وكما يتفرجون عليها اليوم ... وسيتفرجون عليها غداً وهي تلعق جراحها وحيدة ... كما العراق...
ما حدث في مؤتمر الخذلان العربي اليوم .... عار جديد... يلف الامة برداء الخزي ...
ولا ندري فيما اذا كانت دموع السنيورة وهو يعلن لبنان منطقة كوارث كافية لتحريك النخوة العربية النائمة منذ عقود... رحمك الله يا جمال عبد الناصر ... كنت اخر القادة الرجال ... وكل من جاءوا بعدك مخصيون ....

تسألونني ان كنت خائفة ؟
أجيبكم: نعم
ومن كان منكم خائفاً فليغن معي .... ولتصمت الجزيرة والحرة والعربية وكل قنوات الثرثرة الإخبارية... التي لا فائدة ترجى منها سوى انها تعرض جثثنا المدماة الممزقة "مباشرة" على الملأ ... وتحصي عدد القتلى وتحولنا لارقام .... تتراكم ... واحصاءات للارشيف .... وتعزز الشعور بالخيبة والخذلان ...


May@elaph.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف