كتَّاب إيلاف

دروس ازمة السويس بعد نصف قرن

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ازدحم ألأسبوع الأخير من يوليو بتشخصيات المؤرخين والمعلقين على درب الذكريات في رحلة الى الماضي لمعاودة زيارة ازمة السويس في ذكراها الخمسون، والتي بدأت بالضبط يوم الأربعاء 26 يوليو بـتأميم الكولونيل جمال عبد الناصر للشركة العالمية لقناة السويس. وباستثناء مقالات متفردة ومناقشات تعد على اصابع اليد الواحدة، فإن فيضان التعليقات والبرامج التسجيلية في الفضائيات والأذاعات والصحف الصادرة بالعربية، اصابني بخيبة امل من تعمق الفهم الخاطيء وربما المغالطات التاريخية في عقل جيل كامل، ينقل المعرفة الخاطئة للجيل الحالي.

وهناك مقولة للفيلسوف الأمريكي ألأسباني المولد جورج سانتايانا ( 1863- 1952) " من لايتذكر احداث الماضي تلاحقه لعنة اعادة ارتكابها"، وربما يمكن تعديل المقولة لتلائم الاحداث المعاصرة بقولنا " من يخطؤون في تفسير وتحليل احداث الماضي فعلى الأغلب سيحولولون احداث الحاضر الى كارثة معاصرة."

والغائب من تغطية الفضائيات وتعليق المحللين هو استيعاب التاريخ. ويبدوا ان مايسمح من الوثائق او المعلومات بدراسته، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وفرض خط ايدولوجي معين على تفسيرها يدفع الساسة والمعلقين من صناع الرأي العام الى الوقوع في خطأ تفسير احداث الماضي، وبالتالي يتوقود الرأي العام في الأمم الناطقة بالعربية الى فهم احداث الحاضر بالمقلوب والاستمرار في تصديق اوهام الماضي.
والخطير ان ذلك يؤدي غالبا الى تكرار الأخطاء الفادحة. فالعديد من القوى الناشئة، خاصة الجماهيرية ( وهو تعبير مهذب للغوغائية) في مصر، وكثير من البلدان العربية - والتي لم يكن لأي منها ناقة في حرب السويس عام 1956 ولاجمل، وانما ركبت موجة اثارة حماس الشارع والزج بالجماهير المغلوبة على امرها في مظاهرات، استغلتها القوى المعادية للديموقراطية، من قومجية وغيرها، في تبرير الأنقلابات العسكرية والحروب، النظامية، او حروب التطهير العرقي، او الأهلية، والحملات ألارهابية.

غالبة التفسيرات والمقالات في الذكرى الخمسين لحرب السويس تجنبت، عن قصد او جهل، تصحيح المغالطات التاريخية واضاعت فرصة نفض التراب عن الحقائق المطموسة.
ولم يقدم المعلقون في مصر كشف الموازنة ليطلع ابناء الامة المصرية على حسابات المكسب والخسارة التي اخفتها عنهم الشعارات الثورجية في الدولة البوليسية السابقة.
الخطورة ان المغالطات قدمت وقودا للمزايدين الذين يريدون جر الأمة المصرية لحروب جديدة تحت شعارات ومباديء وهمية كبدت ابناء مصر خسائر فادحة لأربعة قرون واطلقت قوى غوغائية غير ديموقراطية لاتزال تعربد وتعيث فسادا في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ويدفع الطيبون الكادحون ثمن عربدتها باهظا.

شهدت منابر الأعلام والفضائيات العنترية سباقا بين من يتمتعون باسماء ومراكز تمكنهم من التأثير على الرأي العام، الأدلاء بتصريحات والمغالطة في تفسير احداث 1956- واحيانا تزييف الأحداث-.
وافسدت بعض التصريحات في برامج موضوعية جهود الباحثين الضخمة من الوثائق والمراسلات واقوال شهود ازمة السويس، خاصة في البي بي سي.

في فقرة بثها برنامج توداي ( وهو في نظر الساسة والمعلقين اهم وادق برنامج سياسة وشؤون ساعة اخباري على الأطلاق) يوم ألاربعاء 26 يوليو ، قدمها المذيع المحنك جييمس نوخاتي من ألاسكندرية، واستضاف فيها شيخ الديبلوماسية المصرية الدكتور بطرس بطرس-غالي،السكرتير العام السابق للأمم المتحدة واللورد دوجلاس هيرد، وزير الخارجية البريطاني السابق، استعادا فيها ذكرياتهما كديبلوماسيين لبلديهما اثناء ازمة السويس، التزما فيها بتحليل الوقائق بدقة.

وربط الديبوماسيان المخضرمان الماضي بالحاضر، حيث دعا اللورد هيرد لأيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية لأعادة بناء الجسور بين الشرق والغرب، بينما حذر بطرس-غالي من خطورة فراغ غياب قيادة عالمية، ودعا امريكا، القوة ألاكبر في العالم لملأ هذا الفراغ، والعمل لنشر ثقافة السلام في المنطقة.

وأضاف السكرتير العام السابق للأمم المتحدة انه ركز جهوده والجهود الدولية بعد حرب الخليج الأولى في مؤتمر مدريد ( 1992) وعملية السلام المنبثقة عنه، على بدأ خلق جو وبيئة تسمح بنمو ثقافة السلام؛ وحذر من خطورة تراجع هذه الثقافة اذا تكرر في لبنان، اخطاء حرب السويس.

قارن ذلك مثلا بمداخلة الدكتورة هدى عبدالناصر، ابنة الرئيس المصري الراحل، في البرنامج نفسه. والمتوقع والمقبول ان تدافع الأبنة عن ابيها وسياسته- وهذا ما اتوقعه من ابنتي بعد رحيلي- لكن ليس على حساب الوطن الغالي،مصر، وليس بتفسير مغالط لآحداث منتقاة من التاريخ وتجاهل حقائق اخرى. ولنقرأ المفاهيم والأفكار المطروحة في مداخلتها القصيرة، لنتطلع على مدى الدمار الذي بعض يلحقه المثقفون ابناء وطنهم.

ٌقالت الدكتورة عبد الناصر بالحرف الواحد " إن الوضع في مصر ابان حرب السويس كان افضل من الوضع الآن."اي ان سقوط ابناء الأمة المصرية، جنودا برصاص ألاسرائيليين في سيناء، والفرنسيين والبريطانيين في القنال، او المدنيين العاملين في المواقع التي سقطت عليها القنابل الفرنسية والبريطانية كمكتب البوستة المركزي ومطارات ومحطات بترول( ثلاث في ألاسكندرية، وخمسة في بورسعيد وألاسماعيلية، وثلاث في السويس) او تخريب البنية التحتية والأقتصاد المصري واغلاق قناة السويس، حالة تفضلها الدكتورة عبد الناصر على حالة السلام التي تسود مصر ، وحيث وضع الرئيس المصري حسني مبارك بوطنية واضحة، ومنطق سياسي ناضج - يندر وجوده في المنطقة- المصلحة القومية المصرية قبل الشعارت.فقد قال الرئيس مبارك للصحفيين بوضوح يوم ألاربعاء 26 يوليو ان مصر لن تنقض معاهداتها الدولية وتعتدي على اسرائيل لخاطر حزب الله او متطرفين فلسطنيين؛ وذلك رغم تسيير مظاهرات تطالب بخوض الحرب ضد جار تربط مصر به معاهدة سلام . هذه المظاهرات - التي ضخمتها الفضائيات بمبالغات كبيرة - هي دعوة اقلية لاوزن لها، ( أكبر مظاهرة كانت اقل من عشرة الآف) فمظاهرة خمسين او مائة او مئتين الف لاتمثل 70 مليون مصري، وانما يمثلهم نوابهم المنتخببون في البرلمان-.

والرئيس مبارك في موقفه هذا يعبر عن ضمير الأمة المصرية والغالبية الساحقة من ابنائها، حتى وإن لم يعجب غير المصريين من عرب واسلامجيين تكفيريين وثورجية قومجية يريدون محاربة اسرائيل وامريكا بالوكالة حتى آخر قطرة دم مصرية، كما كان الحال في حروب " الزعيم الخالد" في الستينات!واثناء تغطيتي لأنتخابات الرئاسة في مصر في العام الماضي ( سبتمبر 2005) مع مجموعة الزملاء من الصحافة البريطانية، اكتشفنا ان 15 من كل 20 مصري يريدون انتخاب مبارك وقالوا ما معناه ان المصريين جربوا مبارك لعقدين ، كان عهده عهد سلام لم يرسل " ألاولاد" ليموتوا دفاعا عن قضايا وحرب الجيران، بينما لم يجربوا المرشحين آلاخرين والذين قد يغامرون بخوض حرب.

وترددت عبارات مثل : " كفاية حاربنا علشان الجيران في فلسطين واليمن والجزائر واحنا تكبدنا الخسائر." اما الذين صوتوا ضد مبارك ، فساقوا اسبابا مثل تغيير الوجوه، او الفساد، ولم يرد طلب الحرب ابدا.

والحقيقة انه سواء في الانتخابات الرئاسية او النيابية ( نوفمبر 2005) والتي غطيتها ايضا، لم يطرح حزب او مرشح واحد شعارت حول القضية الفلسطينية او العراق محاربة اسرائيل في برنامجه الأنتخابي، بما فيهم ألأخوان المسلمين الذي اكتفوا بشعارات مبهمة مثل " ألاسلام هو الحل" او " محاربة الفساد" دون برنامج واضح مفصل يخضع للفحص .

ألاستثناء كان بعد دخول الأخوان المسلمين البرلمان بأكثر من 80 نائبا انهم يطرحون مسألة الغاء معاهدة السلام المصرية ألاسرائيلية، فيما فسره المعلقون المصريون، والديبلموماسيون الغربيون في مصر بانه محاولة من نواب الأخوان لاحراج الحكومة بشعارات سياسية عاطفية، بدلا من مناقشة برامج اقتصادية والأجابة على اسألة منتقديهم بايجاد برنامج عمل محدد لوضع شعار "ألاسلام هو الحل" موضع التطبيق لحل المشاكل ألأقتصادية والأجتماعية التي يعاني منها الناخب المصري.

وعودة الى برنامج البي بي سي عن حرب السويس وفحص الدليل الثاني الذي قدمته الدكتورة عبد الناصر على افضلية وضع مصر عام 1956 وهي في حالة حرب على حالة السلام عام 2006، بقولها للبي بي سي " إن العرب في الخليج والعراق هاجموا المصالح البريطانية واحرقوا مباني المعهد البريطاني ( المجلس البريطاني آلان) " .
ومعنى ذلك بعيدا عن الميكروفون وعلى ارض الواقع انه " اوكي" ومقبول ان تخرب مدن مصر وتتعرض للقصف وتسكب الدماء المصرية، عسكر ومدنيين، مقابل ان يبدي "الثوار "العرب غير المصريين ، خارج مصر، منهى العنترية والبطولة، ليس في مواجهة الجويش الجرارة لدول عظمى يواجهها المصريون، بل تظهر بطولاتهم في استهداف اهداف مدنية مسالمة او اهداف ناعمة، باحراقهم المعاهد والمكتبات التي تعلمهم اللغات وتقرضهم كنوز المعرفة والادبيات وتعرض عليهم الفنون، ، ويشتبكون طبعا مع رجال بوليس من ابناء اوطانهم، طالما يصفقون في الشارع "للزعيم الخالد القائد الأبي " الذي حل مؤسسات المجتمع المدني المصرية وزج بالمعارضيين الديموقراطيين المصريين ، او من يقول نكتة او ينشر كاريكاتير لايعجبه، في غياهب السجون وخرب اقتصاد مصر في ثلاثة حروب نظامية لازوم لها، وحول مصر من بلدن دائن عملته اقوي من الجنيه ألأسترليني ب 100.05% الى بلد غارق في الديون لتمويل انقلابات ومشاريع وعدد من الحروب الخفية الآخرى التي لاعلاقة لمصر بها.

فطموح الكولونيل عبد الناصر ورغبته الأوتوقراطية واطماعه الجغرافية دفعته لاتباع ايدولوجة لاتضع المصلحة الوطنية للامة المصرية في ألاعتبار، بل فرض على الناس الغاء الهوية القومية المصرية، واخترع تعبير غريب على المصريين وقتها لكيان خرافي لاوجود قانوني له يسميه البعثجية والقومجية ب " الأمة العربية". أو لم يلغي الكولونيل ناصر اسم مصر في مغامرة الوحدة الفاشلة مع سوريا عام 58؟ ان هذا وحده يدخل تحت بند الخيانة العظمى لأي امة من ألأمم عندما يلغى اسمها الرسمي خاصة عندما تكون اقدم امة عرفها التاريخ.

ودفع ابناء الامة المصرية ثمن الوحدة مع سوريا باهظا اقتصاديا وسياسيا ( وخسر الجيش المصري الدبابات والسلاح الذي دفع المصريون ثمنه من عرقهم وارسله عبد الناصرن عبر الحدود السورية، لدعم انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق عام 1958، ثم اخذ الثورجيبة العراقيون السلاح المصري " وادي وش الضيف" ، والدعم الاقتصادي لسوريا لدرجة انه كاد يوافق على تفكيك خط السكة الحديد بين القاهرة والاسكندرية ليصبح خطا مفردا ويهديهه لسوريا لتمد خط سكة حديد لولا انتباه مهندسى السكة الحديد المصريين وتسريبهم المعلومات للصحافة).
وظل المصريون محرمون من اسم مصر 12 عاما حتى حتى اعاد البرلمان الأسم " مصر" في بمبادرة من الرئيس الراحل انور السادات، الذي اراد ان يعيد للمصريين هويتهم القومية المصرية قبل ان يخوض في اكتوبر 1973 حرب التحرير الأراضي التي اضاعها عبد الناصر عام 1967 في ستة ايام، عندما استفز الأمريكيين وبدأ الحرب على اسرائيل باغلاق ممر مائي دولي هو مضيق تيران مدخل خليج العقبة في مايو 1967، في خرق واضح لأتفاقية الهدنة عام 1956 ولقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
والوضع ألأفضل في نظر الدكتورة، هوطبعا حالة الحرب الدائمة، وللطرافة، فقد طرح نائب اخواني هو حازم فاروق منصور الدعوة الى محاربة اسرائيل وازالتها من الوجود ، بقوله " لاحق لأسرائيل في ان تتواجد على ارضنا!"
ولما كانت اسرائيل لاتتواجد على بوصة واحدة من تراب مصر التي انفقت اموال دافع ضرئبها وخيراتها على تعليم النائب الأخواني في جميع مراحل التعليم، ويتلقى مرتبه كنائب برلمان من خزانتها، فقد تعبنا في تفسير مايقصده " الأخ" منصور جغرافيا ب " ارضنا " هل يمتلكها منصور وشركاء آخرين؟ او ان الأرض التي توجد عليها اسرائيل ملك خاصا لجماعة للأخوان ؟
وكيف آلت ملكيتها اليهم؟
شراءا او بوضع اليد، او بفتوى تحلل الأستيلاء على اي ارض يعتبروها ارض الله الواسعة؟ ومثل النائب ألاخوانجي ( الذي لم يذكر اسم مصر ولو مرة واحد طوال المقابلة رغم ان حرب السويس كانت مصر هي الطرف الأساسي فيها- لكنه ولاشك يتبع القول البغيض غير المهذب لمرشده وزعيمه الذي قال علنا " طز في مصر") ، وآخرين افتوا في ازمة السويس لم تتطرق الدكتورة عبد الناصر لموقف القانونين المصري والدولي طوال فترة الأزمة التي بدأت 26 يوليو واستمرت حتى 23 ديسمبر عام 1956. كذلك حال معظم من اشترك في برامج ذكرى التأميم في فضائيات العنف والثورة التي همها الأول قيام جيش مصر بمحاربة المعارك التي يورطون فيها المنطقة في فلسطين ولبنان وايران ودارفور، فلم يتطرقوا الى محور القضية نفسها ومدى قانونية خطوة الكولونيل ناصر نفسها بالنسبة للقانونين المصري والدولي، وشرعيتها الدستورية.
وتجاوز الموقف القانوني هذا نجم عنه تفسيرخاطيء، سواء من الدكتورة عبد الناصر او منغيرها من المعلقين لتحرك الرئيس الأمريكي داويت ايزنهاور الذي اعتبروه " افضل" من الوضع الحالي.
ورغم انني كمؤرخ له ستة مؤلفات عن المنطقة وتاريخيها ( كلها بالأنجليزية لمن اراد البحث عبر المواقع)، ومثل كثير من غيري من الباحثين والمؤلفين، اعتبر الرئيس ايزنهاور أكثر وعيا وحنكة سياسية من الرئيس جورج بوش، الذي يثير ضحك المراقبين بسياسته واخطائه؛ الا انني احاول تجنب الوقوع في خطأ تفسير خطوة ايزنهاور على اعتبار انها " مبدئية" او " اخلاقية " او كانت لنصرة الضعيف او نصرة " حركة تحرر ." فالسذج وحدهم من يصدقون ان سياسة الدول العظمى - او حتى الصغري- تجرى حسب الماديء والأخلاق وليس حسب المصالح القومية لأي دولة في المقام الأول.

وتجاهل الموقف القانوني عام 2006، هو تكرار لخطأ قاتل ارتكبه الكولونيل ناصر قبل نصف قرن، ويعني ان المتابعين لأزمة السويس، مصريين كانوا ام عربا، ام غربيين، سيكررون الخطأ نفسه إذا لم يتعلموا درس السويس. فعبد الناصر لن يستشر مجلس الوزراء او البرلمان المصريين - وكان بينهم لايزال عدد من المحاميين قبل تصفية العسكر لهم ووضع الضباط فوق كراسي الوزارة، واستبعاد الحقوقيين والساسة المحنكيين لملأ مقاعد البرلمان بالمصفقين والهتافين والعمال والفلاحين والمقاولين وتجار الخردة- . لم يستشر " الزعيم" فقهاء القانون وقتها كالمستشار عبد الرازق السنهوري كبير القضاة، او المحكمة الدستورية المصرية، وقرر وحده تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، والتي يمتلكها مئالت الآلاف من حملة ألاسهم، مصريين وغير مصريين.
صحيح ان كبار حملة ألأسهم من ناحية الكيف، كانوا شركات ومستثمرين اوربيين، لكن الغالبية الساحقة - من ناحية الكم- كانت من البسطاء المصريين وغير المصريين. كثير منهم استثمر مدخرات العمر او استبدل جزء من المعاش فاق النصف في حال البعض ، او مكأفأة ترك الخدمة، او تعويضات العاهات المستديمة في الحرب العالمية او تعويضات ارامل وبنات جنود الحرب، سواء مباشرة بشراء ألاسهم، او غير مباشرة عبر شركات التأمين والأدخار.
ولم يستشر الكولونيل ناصر حملة ألاسهم - خاصة صغار المستثمرين الذين اتخرب بيتهم، في التاميم او كيفية تعويضهم - واكثرهم لم يعوض حتى اليوم. او من عوض منهم عوض بسعر السهم في البورصة، عند تسوية الأزمة.
الموقف القانوني الثاني ان امتياز ادارة قناة السويس وقعته حكومة شرعية مصرية - تفوق شرعيتها واهليتها القانونية اهلية حكومة الضباط الأحرار التي جائت بانقلاب عسكري غير شرعي على ظهر الدبابات ولم ينتخبها احد -.
ألامتياز هو الوثيقة القانونية الأقوى المعترف بها وقتها في القانونين المصري والدولي، وكان بقي على انتهاء ألامتياز تسعة اعوام فقط، تستطيع الحكومة المصرية بعده املاء اية شروط تريدها - في حدود المعقول- عند تجديد العقد ( وارجوا ان يحسب الثورجية بالأرقام خسائر مصر من جراء ازمة السويس وبعدها، وانهيار سعر الجنيه المصري، وتجميد الأرصدة، وتكاليف مغامرات الكولونيل ناصر في اليمن وافريقيا، موازنة ذلك بالدخل الأضافي من سنوات تشغيل القناة في الفترة الباقية من انتهاء ألامتياز ليكتشف الخسائر بملايين الملايين .)
وواضح من الناحية القانونية انتهاك الكولونيل ناصر للقانونين المصري والدولي، والذي يعتبر التأميم بقرار جمهوري دون قانون يجيزه البرلمان، ودون تراضي الطرفين على اسعار الاسهم، وماذا كانوا يريدون طواعية بيع ألسهم ام لا، هو سرقة في وضح النهار، سواء كان المجني عليهم (حملة ألاسهم) هم بنك انجلترا، ام " ولايا" من يتامى استثمرن معاش المرحوم الأب في اسهم قناة السويس.ومن يقول ان مصر عوضت حملة ألاسهم باسعار البورصة وقتها، نقول ان التأميم ادى الي انهيار ألاسعار وتلقوا اقل كثيرا من ثمنها؛ كما ان الغالبية استثمروا للمستقبل، ولم يريدون البيع في ذلك الوقت. وهنا يكمن الدرس الذي ينصح البريطانيون رئيس الوزراء الحالي توني بلير بخطورة تجاهله، وهو الشرعية الدولية وعدم تجاوز الأمم المتحدة، وعدم الأعتماد كاملا على الحليف ألامريكي الذي يضع مصالح امريكا في الاعتبار قبل المصالح البريطانية.
كانت الشرعة الدولية مع حملة ألاسهم ومع رئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن، الذي وصلته اخبار التأميم مساء 26 يوليو عام 1956، اثناء حفل عشاء في داوننغ ستريت اقامه لضيف صديق هو الملك الشاب الراحل فيصل الثاني ملك العراق، ورئيس وزرائه السياسي المحنك نوري باشا السعيد. واستدعي الكثير من المستشرقين وعدد من الديبلوماسيين الخبراء العرب الى داوننج ستريت ليلتها للتعامل مع الأزمة.
شعر ايدن بخيبة امل واعتبر تصرف الكولونيل ناصر طعنة في الظهر، خاصة وانه في عام 1954 عندما كان وزيرا للخارجية، أقنع رئيس الوزراء الراحل السير ونستون تشريشل، بتوقيع معاهدة صداقة مع الكولونيل ناصر. وكان تشرشيل، الذي قاد العالم الحر في حربا مصيرية ضد النازية، ورئيس وزراء اقدم ديموقراطية في العالم، غير مقتنع بتوقيع ألاتفاقية مع ضابط مصري حنث بقسمه لحماية الملك والدستور والحكومة الشرعية المصرية ووصل الحكم بانقلاب غير شرعي، واطاح بحكومة شرعية وقعت معاهدة صداقة قبل 18 عاما ( معاهدة 1936 التي وقعها مصطفي النحاس باشا مع بريطانيا لجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس في خلال عشرين عاما وهو ماحدث بجلاء آخر جندي في يونيو عام 1956).

ولأن ايدن كان يسعى للسلام، فقد نصحت الخارجية البريطانية وقتها " بأخذ الكولونيل ناصر ومجموعة الضباط على قد عقلهم" واعتبرتهم مرحلة عابرة في هي مجرد ومضة عين في تاريخ مصر الطويل؛ حيث رات الوزارة ان المصلحة على المدى الطويل هي في ضم المستعمرات والمحميات السابقة وألاصدقاء القدامي الى كمنولث يكون سوقا عالمية قوية. وبالفعل وافق تشرشيل على مضض، ووقع ايدن ألاتفاقية في اكتوبر 1954، ومنحت مصر الدعم والمساعدات وتغاضت بريطانيا عن دعايات عبد الناصر بتزييف التاريخ امام المصريين والأدعاء ان انقلابه عام 1952 ( الذي اعطاه العسكر اسما غير دقيق لغويا وقانونيا وهو ثورة يوليو) هو من اخرج الأنجليز من قاعدة القنال وليس معاهدة النحاس باشا.ولذا شعر ايدن بخيانة الرجل الذي وقع معه معاهدة صداقة قبل 21 شهرا، واحس بيد عبد الناصر تخنق رقبة بريطانيا بالتحكم في قناة السويس كممر ملاحة دولي وقت كانت البحرية الملكية تستخدمه باستمرار لحماية ألأصدقاء والمحميات في عدن والخليج وجنوبي آسيا.

ومثل بلير عشية حرب العراق عام 2003، فإن ايدن دعى البريطانيين لأستيعاب درس مهادنة ادولف هتلر وتصديق سلامه في الثلاثينات من القرن حيث غافل العالم وبدأ الحرب العالمية الثانية التي شهدت تضحيات بريطانية - وكان لم يمض على انتهائها سوى عقد واحد يوم تحرك عبد الناصر عام 1956- وكانت مصر، وحكومتها التي اطاح بها ألأنقلاب العسكري، حليفا حارب في نفس الخندق مع بريطانيا معركة العالم ضد النازية. ولذا حذر ايدن مجلس العموم من السماح للكولونيل ناصر بالتوسع في اطماعه؛ وهناك جزء من الحقيقة في هذا فعبد الناصر وصدام حسين بعده، استخدما اسلوبا مشابها لأسلوب هتلر في الدعاية والأيدولوجية والسياسة الأقليمية والداخلية، وكان من الطبيعي ان يخيف ذلك محبي الحرية ومن حاربوا ضد النازية.

وخطأ بلير اليوم ايضا بتجاوز الهدف المعلن والسعي الى تغيير النظام في العراق كان تكرارا لخطأ ايدن الذي كان يريد استعدة القنال علنا والحد من طموح الكولونيل ناصر، مثلما اعلن امام مجلس العموم، لكنه سرا، كان يسعى الى تغيير النظام واسقاط عبد الناصر، وهو امر من شأن الشعب المصري وحده، لو كانت مؤسساته الشرعية او ملكه الشرعي الدستوري طلبا المساعدة من بريطانيا في اعادة الشرعية الدستاورية، لكنهما لم يطلبا ذلك.
واخطأ ايدن بعدم اللجوء للمحاكم المصرية والمحكمة الدولية لشكوى انتهاك من عبد الناصر للقانون، ثم الذهاب الى مجلس الأمن بارسال قوات دولية لحماية الممر المائي الحيوي، تحت مظلة القانون الدولي الذي انتهكه الكولونيل ناصر. لكنه تصرف بحماقة بالتنسيق مع الفرنسيين الذي كتنت لهم اسبابهم لتصفية الحساب مع عبد الناصر.
كان الكولونيل ناصر استفز الفرنسيين بدعمه وبتسليحه للمتمردين ضد فرنسا اثناء بداية الأضطرابات في الجزائر، رغم عدم وجود مصالح مصرية مباشرة او غير مباشرة في الجزائر وقتها، بينما كانت مصالح فرنسا في مصر ومصالح مصر فرنسا تجارة وثقافة وتعليما تقدر بالملايين ، بينما كان موقفها متوازن بين فلسطين ( والعرب) وألسرائيلين بعد حرب 1948.
اعتقد رئيس وزراء فرنسا جي موليه وقتها ان هزيمة لعبدالناصر ستجعله يسحب ذراعه بعيدا عن الجزائر التي مدها اليها دون اي حق شرعي .
نسق الفرنسيون مؤامرة مع اسرائيل لشن هجوم في سيناء، مما يعطي لندن وباريس شرعية التدخل بقوات لفصل الجانبين المتحاربين المتحاربين ( مصر واسرائيل) وحماية الممر الدولي.
وهذا خطأ كبير من ايدن، فعندما انتهت حرب 1948 في فلسطين، حاولت فرنسا اتخاذ موقف متوازن بين العرب واسرائيل، بينما لم تخفي بريطانيا انحيازها للعرب، الذين تربطهم بها تحالفات وصداقة قديمة - وكان أكثر الجيوش التي تمكنت من احراز تقدم واحتفظت بالضفة الغربية وشرق القدس هو الفيلق العربي ( الجيش الأردني فيما بعد) الذي قاده ضباط بريطانيون في حرب فلسطين.

وفي حفل عشاء داوننغ ستريت ليلة التاميم ( 26 يوليو 1956) اتفق المجتمعون على ان عبدالناصر خرق القانون الدولي، بل ان زعيم المعارضة ( العمالية) هيو غايتسكيل - والذي كان من ضيوف العشاء- وقتها وعد ايدن بان يدعمه حزب العمال المعارض في اي موقف يتخذه لحماية المصالح البريطانية وتأكيد الشرعية الدولية. كما وافق نوري باشا على الوضعية القانونية، لكنه، كرجل دولة وسياسي محنك، نصح ايدن بعدم العمل او التنسيق مع اسرائيل في اي ظرف من الظروف.

وتدخل ايزنهاور لطعن الصديق البريطاني في الظهر لاعلاقة له بالمباديءاو حماية حركات التحرر. وإذا كان تحرك ايزنهاور مبدأي، فلماذا تغاضي عن قمع الدبابات السوفيتية لشعب المجر بقسوة بالغة واراقة دمائهم في الشوارع عندما هبوا في بودابست مطالبين بحريتهم من النظام الشيوعي في اكتوبر 1956 في نفس وقت ازمة السويس؟
لم يستدعى ايزنهاور وزير خارجيته جون فوستر دالاس مجلس الأمن او حتى يرسل دعما او ادوية ولا نقول سلاحا لشعب المجر، بينما كانت مئات الألاف من القوات ألامريكية موجودة في معسكراتها في المانيا الغربية.
ولماذا لم يتدخل ايزنهاور عندما قضي عبد الناصر على الديموقراطية والحرية في مصر، واحرق الغوغاء بنداءات ميكروفاناته المكتبة ألأمريكية ؟
كما ان الكولونيل ناصر لم يكن ابدا ديموقراطيا تتسق " حركة تحرره" مع مباديء الدستور ألامريكي، فقد الغى الأحزاب،وفرض الرقابة، ونكل بالمعارضين ودمر المجتمع المدني وطرد الآلف من المصريين من مواليد البلاد ابا عن جد لأنهم " يهود" وسرق ممتلكات المستثمرين والمدخرات ومصانع واعمال رجال الأعمال مصريين وغير مصريين بحجة التأميم، والقى بمصر في احضان المعسكر السوفيتي. ولذا فموقف ايزنهاور لم يكن مبدئيا بقدر ماهو انتهازي.

فقد رأي الامريكيون فرصة لبث نفوذهم محل النفوذ البريطاني - والفرنسي في الشمال الأفريقي واللافنت. ورأى ايزنهاور ودالاس في تحالف بريطانيا وفرنسا محور عمل اوروبي يشكل تحديا ومنافسة للهيمنة ألامريكية.وهذا مادفع فرنسا، بعد تدخل ايزنهاور، وهزيمة السويس السياسية، دفع باريس للتنسيق مع المانيا وتأسيس السوق ألاوروبية المشتركة- الأتحاد ألاوروبي حاليا، حيث وقعت الأتفاقية في روما ( واصرار ديغول على منع بريطانيا من الدخول حتى عام 1972 حتى لاتكون حصان طروادة امريكي)، تجنبا لتفرد امريكا بالدول الأوربية اذا ظلت منفردة.

وهاهي امريكا اليوم، تضغط على الحليف البريطاني " بلير" ليأخذ مقعدا خلفيا، وتتفق مع فرنسا لأصدار قرار في مجلس الأمن لأيقاف الحرب في لبنان بعدما رات ان في مصلحتها التنسيق مع فرنسا، وهي تاريخيا بلد الأنتداب هناك، بينما النفوذ البريطاني اقل، كما فقد بلير مصداقيته مع الغالبية الشيعة في لبنان بسبب حرب العراق. كما رأي ايزنهاور في عبد الناصر ديكتاتورا من نمط جنرالات وكولونيلات امريكا اللاتينية الذين نكلوا بشعوبهم حفاظا على المصالح ألامريكية بعد ان ساعدتهم السي اي ايه في، او تغضت عن، انقلاباتهم العسكرية.

وكان هذا خطأ ارتكبه ايزنهاور، دفعت ألامة المصرية ثمنه باهظا من خيرة شبابها في الحروب التي بدأها عبد الناصر، وتدمير اقتصادها، وتمزيق امة وادي النيل بفصل السودان عن مصر، واختفاء اسمها ل 14 عاما؛ واطلق غرور عبد الناصر قوي معادية للديموقراطية مثل البعث، وانقلابات في العراق ( معظمها دموي اوله 1958 الذي قتل بوحشية الملك فيصل الثاني واسرته ونوري باشا ) وسوريا واليمن وليبيا والجزائر والسودان؛ وهي قوى انقلبت على امريكا نفسها التي ساعدتها، وقوي معادية للديموقراطية لاتزال تعيث فسادا وتعربد في منطقة الشرق ألاوسط، خاضت حروبا واعتدت على الجيران كليبيا في تشاد، وغزو صدام لأيران ثم للكويت، وحربهب التطهير العرقي ضد الأكراد وضد شيعة الجنوب، والحرب الأهلية في لبنان، وغزو واحتلال سوريا لها، وحربي اليمن المصرية، ثم الأهلية، ووالكارثة ألانسانية في دارفور؛ وهي قوي تعطل الأصلاح او العودة للتعديدة الديموقراطية التي سادت في كثير من البلدان قبل ازمة حرب السويس.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف