كتَّاب إيلاف

العراق ودرس مانديلا... والتجربة اليابانية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي خليجي باليابان

مضى على عملي كأول سفير لمملكة البحرين باليابان أكثر من عام ولم تتوفر لدي الجرأة حتى الآن لأكتب عن التجربة الغنية لهذا البلد الجميل.. ولكن ما تابعته مؤخرا من نقاش في الصحافة العربية والبحرينية عن العراق دفعني لكي أمسك القلم لأقدم هذه المشاركة المتواضعة. وأعتذر مسبقا إذ تجاوز قلمي أدب الكتابة، أو غابت عن تفكيري بعض الحقائق لبعدي في المسافة عن المنطقة.
وقد لفت نظري في اليوم الذي قررت الكتابة فيه مقال نشر بجريدة اليابان تايمز في السابع من يناير الحالي، لديسمون توتو، يقًَيم فيه تجربة دولة جنوب إفريقيا. فقد تصور الكثيرون أن الإصلاحات السياسية ستنتهي بالخراب وحمامات الدم، ولكن مع حسن الحظ الديمقراطية تحققت بالرغم من بعض التحديات.. وقد تكون المعجزة الأساسية في نجاح هذه التجربة هي الذكاء العاطفي الخارق للرئيس نيلسون مانديلا، والانضباط والالتزام بالأخلاقيات الإنسانية وروح التسامح التي اتصف بها شعبه، بالإضافة للدور الذي لعبته لجنة تقصي الحقائق والتوافق. فقد سمحت هذه اللجنة لمرتكبي الجرائم الكبيرة في نظام التفرقة العنصرية بالاعتراف بأخطائهم، والاعتذار عنها، وإراحة ضمائرهم منها لتجنب المحاكمة والمحاسبة المستقبلية. وأكد ديسمون توتو بأن الحقيقة والتسامح وليس العقاب والانتقام هو الذي أدى إلى التئام جروح الظلم والعذاب، وبتأسيس هذه اللجنة أكد شعب جنوب أفريقيا إصراره الحقيقي على الانتقال من الدكتاتورية للديمقراطية.
وقد كانت لنا فرصة تاريخية لمراجعة معاناة العراق من خلال التجربة الإفريقية مع المفارقة الكبيرة بين التجربتين. ولنسأل هل ضيعنا فرصة أخرى لالتئام الجراح، وتوحيد الكلمة، ولدراسة نقدية بنائه للواقع العربي؟ وهل سألنا أنفسنا عن الأسباب التي تؤدي لبعضنا بتجاوز الخطوط الحمراء؟ وما هي مسؤولية كل فرد منا عن هذه النكسات الواحدة تلو الأخرى؟ وهل تعاملنا مع النكبات بتمعن ودراسة، أم بعواطف متشنجة وقرارات وحروب سريعة غير مدروسة؟ وقد تساءلت مجلة بريطانية في إحدى افتتاحياتها بقولها: مع أن العرب لديهم اللغة والتاريخ والثقافة والديانة المشتركة، بالإضافة للموارد البشرية والطبيعية اللازمة لبناء الولايات العربية المتحدة فلماذا تستمر حالة البؤس والتفرقة من السيئ إلى الأسوأ؟
قد يكون ما يجري في المنطقة العربية اليوم قريب من تجربة اليابان بعد دمار الحرب العالمية الثانية مع بعض المفارقات. ولقد سنحت لي الفرصة بوجودي في اليابان لدراسة طبيعة هذا الشعب والتعرف على تاريخه وثقافته واقتصاده. فاليابان عبارة عن أرخبيل يتكون من العديد من الجزر مساحتها الكلية 378 ألف كيلومتر مربع، ومعظمها جبال ونحو 5 % منها مكتظة بالسكان و12.7% أراضي زراعية.. وتتعرض اليابان لأكثر من 1200 هزة أرضيه سنويا. وبالطبع فإن جميع المباني مصممه لمقاومة الزلازل الشديدة. كما أن الموارد الطبيعية كالنفط والغاز الطبيعي شبه معدومة في اليابان. وعدد السكان يصل لنحو 127 مليون نسمه، ويمثل من هم فوق الستون عاما نحو 27% من السكان. وتعتبر اليابان ثاني قوة اقتصادية في العالم، و يعتبر 77% من السكان أنفسهم من الطبقة المتوسطه. أما متوسط الدخل للعائلة في اليابان فيبلغ نحو 50 ألف دولار سنويا والناتج المحلي الإجمالي السنوي 4.5 تريليون دولار تقريبا. وهناك نظاما تقاعدي وتأمين لكل مواطن للرعاية الصحية وضد إصابات العمل والبطالة بالإضافة للتعليم المجاني والإجباري حتى سن الخامسة عشرة. وأول ما يلفت نظر السائح في اليابان هو أدب التعامل والاحترام من قبل اليابانيين، بالإضافة إلى الأسلوب الهادئ والمهذب في طرح المواضيع، والابتعاد عن مواضيع الخلاف في المناقشة ومع التقدير الكبير للوقت وتقديس العمل والالتزام بأخلاقيات المتاجرة.
ولو درسنا أسباب نجاح التجربة اليابانية، لوجدنا أن سر هذا النجاح هو الاستثمار في الإنسان من خلال التعليم. فلنسأل أنفسنا ما دور التعليم في الوطن العربي في ما نحن فيه اليوم؟ هل يطور تعليمنا الذكاء الذهني والذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي؟ هل يطور تعليمنا ملكات التحليل الذهنية؟ وهل يطور ملكات القراءة الناقدة الموضوعية؟ وهل يطور قوة الملاحظة وكثرة التساؤل وعمق البحث في تحدياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وإيجاد الحلول؟ وهل يطور تعليمنا الأخلاقيات من خلال العبادات؟ وهل يمنع تعليمنا الانتقام من الإساءة ويعلمنا التسامح عنها ويبحث عن الأسباب لمنع تكرارها؟
وليسمح لي القارئ الكريم أن أعرج على تجربة اليابان مرة أخرى. ففي عام 1945 نشرت أحدى الجرائد اليابانية رسالة لأب كتب يقول فيها، حينما تصل هذه الرسالة لجريدتكم الموقرة أكون قد فارقت الحياة حيث لا أستطع المعاناة أكثر.. فلدي خمسة أطفال ولم أستطع أن أقدم لهم الطعام أكثر من أسبوع كما أن زوجتي فاقدة الوعي وفي طريقها لمفارقة الحياة من شدة الجوع، وقد طلبت من جيراني ملاحظة ورعاية أطفالي وقررت الانتحار.. هذه الرسالة تعطينا فكرة عن مدى الجوع والفقر والعوز الذي كان يعانى منه الشعب الياباني بعد الحرب العالمية الثانية.. والسؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاعت اليابان خلال 50 عاما أن تتحول من دمار الحرب إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم؟ كيف حول اليابانيون هزيمة الحرب إلى انتصار مستقبلي والعداء إلى فرصة نجاح حقيقية؟ كيف أستطاع اليابانيون أن يضعوا أيديهم في يد غريم الحرب لبناء اليابان الحديثة ويستفيدوا من الديمقراطية التي فرضت لخلق المعجزة الاقتصادية؟ وقد نسأل أيضا كيف تعامل اليابانيون مع الاحتلال الروسي للجزر الأربعة في شمال اليابان قرابة انتهاء الحرب؟
لم يضيع اليابانيون الوقت في الانتقام من خصيم الحرب بل استفادوا منه لبناء تكنولوجيتهم المتطورة. ولم ينتظر اليابانيون لتغيير الدستور الذي فرض عليهم بعد الحرب حتى يبدأو العمل، بل سعوا من خلاله لتطوير ديمقراطيتهم الحديثة مع تحفظاتهم الكبيرة على العديد من بنوده. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون ما السر في الشخصية اليابانية التي حولت عداء الخصم إلى فرصة سانحة لبناء اليابان من خلال علومه وتكنولوجيته؟ وسؤالي الأخير هل نستطيع الاستفادة من هذه التجربة الرائدة والتي تقترب تحدياتها مع التحديات التي نعانيها اليوم في المنطقة العربية؟ أملي أن نتدارس الإجابة معا في المقالات القادمة. (بالتزامن مع "اخبار الخليج" البحرينية و"الأهرام" المصرية)

سفيرمملكة البحرين باليابان
khalil.rasromani@gmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف