كتَّاب إيلاف

نحو فهم لغز بوتين وغموض سياسته الخارجية (1– 2)

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا شك في أن روسيا دولة كبرى، نوويا - عسكريا، واقتصاديا بحكم ثروات الغاز والنفط الهائلة التي يعتمد عليهما الاتحاد أوروبي، كما أن دورها الدبلوماسي مهم نظرا لأن العديد من المشاكل الدولية الساخنة اليوم ترتبط، بدرجة أو أخرى، بالدور أو التأثير الروسيين، ويحتاج حلها لمشاركتها، ومن أبرزها اليوم قضية النووي الإيراني. إن روسيا دولة كبرى وشاسعة الأطراف، ولا ينبغي أن نرجع كل شيء لشخص بوتين، أي [الشخصانية ]، رغم أن دوره اليوم حاسم في المسار الروسي.

إن الملاحظ هو أن الصعود السريع والمفاجئ لبوتين، إلى مركز رئيس الوزراء عام 1999، ثم لمنصب الرئيس في السنة التالية بترشيح من يلسين نفسه، قد أثار أسئلة كثيرة عن هذه الشخصية التي لم تكن معروفة دوليا، ولا مشهورة داخليا؛ وعن هذا يقول ' مارك ميديش'، الذي كان مستشار بيل كلينتون، ومدير العلاقات مع روسيا، وأوكرانيا، وروسيا البيضاء في البيت الأبيض: "عندما تسلم بوتين منصب رئيس الوزراء عام 1999 طلب الرئيس كلينتون من المجلس القومي الأمريكي الإجابة على أسئلته حول شخصية بوتين، حيث أن صعوده كان سريعا ومفاجئا، بينما منجزاته محدودة". يضيف أن تحليلهم عهد ذاك كان مترددا بين ثلاث شخصيات محتملة: فإما أنه سيكون مجرد 'بدلة فاضية' نظرا لقلة الخبرة اللازمة، أو مسئولا من الطراز السوفيتي التقليدي، وهنا لديه خبرة واسعة جراء عمله الطويل في أجهزة المخابرات، وإما أن يكون شابا إصلاحيا ذا أفكار جديدة، الآن، وبعد مرور سنوات على ذلك التاريخ، تبقى الأسئلة نفسها تقريبا، وربما المحصلة، كما يقول ميديش ه أن يكون بوتين مركبا من الشخصيات الثلاث، ومزيجها!!

إن التساؤل عن الصعود السريع والمفاجئ للرئيس الروسي لم يقتصر على كلينتون والأمريكان، بل كان، ولا يزال، شائعا، ونستطيع فهم ذلك من هذه النبذة الخاطفة جدا عن مسيرة بوتين.

ولد بوتين عام 1952 في لينيغراد، وكانت الوظيفة الأولى التي شغلها هي في عام 1975 وفي جهاز البوليس السياسي. عندما انتقل لموسكو عين مديرا لمكتب رئيس البلدية حتى انقضاء ولاية الأخير؛ أما الصعود الحقيقي لبوتين، فقد كان بفضل يلسين، إذ عينه رئيس الأجهزة السرية، ثم رئيسا للوزراء في 1999.

إن الحيرة أمام لغز شخصية بوتين وسياسته، كما قلنا، حيرة شائعة اليوم، ومبررة، ولا يزال العديد من المحللين في الغرب يطرحون الأسئلة نفسها، ويحاولون الإجابة عليها بعد مرور سبع سنوات على رئاسته ولمرتين.

لقد صدرت في هذا السياق مؤخرا بالفرنسية دراسات ومؤلفات عن الموضوع، كان من أبرزها كتاب ' شبح ستالين'، الصادر مؤخرا عن دار 'روشيه'. إن مؤلف الكتاب هو الخبير بالشأن الروسي فلاديمير فيدروفسكي ـ Vladimir Feacute;dorovoski

اختار المؤلف عنوان كتابه عن عمد للتأكيد على ما يجري اليوم من موجة تمجيد ستالين في كل مناسبة، وانتشار الشعور الشعبي بالحنين لعهده، حين كان هناك اتحاد سوفيتي، وروسيا قوية. إن الميل الطاغي لإعادة صورة ستالين في الأذهان يتجلي، فيما يتجلى فيه، في أن ذكر ستالين يطغى على ذكر لينين نفسه، وإذا كان مزار مقبرة لينين قد أغلق، فإن قبر ستالين لا يزال مفروشا بالورود، وثمة في مكان مركزي من العاصمة لافتة كبيرة تمجد ستالين.إن بوتين نفسه قد صرح مرة بأن نهاية الاتحاد السوفيتي أكبر مأساة في التاريخ الحديث، ولديه في مناسبات أخرى تصريحات مثل قوله 'الذي لا يأسف على الاتحاد السوفيتي لا قلب له، والذي يأسف لا ذكاء له.' قد يبدو التصريح الأخير متناقضا، ولكننا نعتقد أن مجموع تصريحاته تصب في سياق مشترك. أما قوله عمن لا ذكاء له فلعله يقصد أن في العالم اليوم تحولات وضرورات يجب أخذها في الاعتبار، كاقتصاد السوق.

إن الروس اليوم إما يتناسون انتهاكات ستالين، أو يبررونها بضرورات الأمن، والحفاظ على الكيان السوفيتي، الذي كان 'يطوقه الأعداء من كل جهة'، كما كانت تقول الدعاية الرسمية. إن الشارع لا يذكر إلا الدور الكبير لستالين في قيادة البلد لدحر النازية، وما أدى ذلك إليه من تداعي النازية والفاشية في أوروبا، وهذا طبيعي في رأينا. إن تقدير الدور التاريخي لستالين في الحرب العالمية الثانية مبرر ومنتظر، وإن كان ذلك الدور لا يجب أن يطمس انتهاكاته الكبرى الموصوفة بالجرائم. إن لكل شخصية عامة، أو سياسة ما، جانبين الإيجابي والسلبي، والمهم وزن كل من الجانبين لمعرفة أيهما الأرجح، وعلى هذا الأساس، فإن الانتهاكات الستالينية الكبرى، حتى تجاه أبرز قادة الحزب، هي الراجحة في الميزان، ولكن دون طمس ذلك الدور الكبير.

لقد اعتمد بوتين في صعوده على ثلاثة أطراف:

1 - زملائه السابقين في أجهزة المخابرات؛ 2 ـ قادة الجيش الذين يريدون عودة العسكرة الروسية القوية، وانتعاش الصناعة العسكرية؛ 3 - مجموعة من كبار رجال الأعمال من أصحاب المليارات، لاسيما من بين أفراد عائلة يلسين. وجدير بالذكر أن بوتين حين موافقته على منصب الرئيس وعد يلسين بأن لا تجري أية إجراءات قانونية او سياسية نحو أفراد عائلته ومجموعته، علما بأن عهد ياسين كان عهد فساد،على مستويات عليا، وتكديس قلة من المسئولين، وأفراد في عائلة يلسين، وبعض رجال الأعمال، للمليارات، وكانت أخبار الفساد شائعة في الشارع الروسي وفي الخارج.

يقول كتاب 'شبح ستالين' إن صهر يلسين [ صار صهرا فيما بعد ] قد نصحه كالتالي: "هناك منافس لكم قومي متحمس، فاختر شخصا أكثر منه شعورا قوميا، وهناك خصم قريب من جهاز ال [ ك.ج.ب.]، فعين من أفراد الجهاز أكبر عدد ممكن، وهناك خصم في صحة جيدة[ كان يقصد بريماكوف، رئيس الوزراء السابق]، فخذ شابا في صحة جيدة."

تلكم هي المواصفات التي جعلت يلسين يختار بوتين رئيسا للوزراء في تموز 1999، ثم اختياره ليكون خلفا له.

إن سلسلة الانفجارات الإرهابية في موسكو وخارجها في ذلك العام قد بدلت الخارطة السياسية الروسية، وكانت منعطفا لها، فشنت روسيا حرب الشيشان، بدعم من الرأي العام، وعلى هذا النحو لم يعد ما يعيق صعود بوتين بسرعة خارقة. إن الحرب قد قوت تحالفه مع الجيش، كما أنه استخدم ببراعة موجة الشعور الوطني الملتهب؛ و مما له دلالة كبرى أن شعبيته خلال أسبوعين فقط صعدت من 1 بالمائة إلى 70 بالمائة.

لقد جسد بوتين، كما يقول المؤلف، "الظمأ إلى ثأر تاريخي كان كامنا في الشعور الجماعي الروسي" منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، ونهاية ما كامن توصف ب 'المجموعة الاشتراكية'.

لقد أعاد بوتين جهاز المخابرات الروسي إلى سابق قوته قبل الانهيار، بعد أن عانى التهميش والهوان، عندما انحل رسميا عام 1991، وتفكك إلى ثلاثة أجهزة ثانوية، ونزل عدد أعضائه من 700000، في عهد أندروبوف و بيرجنيف، إلى 80000، ولقد تسلم العديد من الزملاء السابقين المقربين من بوتين مراكز هامة في الدولة بعد صعوده للمناصب العليا، والمؤلف يضرب الأمثلة على ذلك.

يرى المؤلف أن الرئيس الروسي في رعايته الاستثنائية للأجهزة الخاصة إنما يسير على درب أستاذه، والمفكر الذي يستوحي منه وهو أندروبوف؛ ونظرا لأهمية تأثير الأخير على بوتين، فسوف نعود في المقال التالي إلى شخصيته، ودوره، ومدى تأثيره.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونيه


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف