أشعار درويش وقبانى أكثر خلوداً من أشعار شنودة والشعراوى
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
* زيارة عادل إمام للحصول على بركة البابا يفتح باب الوصاية الكهنوتية على الإبداع، فمن يسمح.. يمنع أيضاً.
* إلى عادل إمام الساكن فى قصر الفن.. لاتشرب صكوك الغفران الفنية فإن بها سم قاتل!.
* أرتيكاريا دراما الأقباط ترسخ مفهوم الجيتو المسيحى.
* مازال القبطى فى الدراما يعيش مرحلة فلتأوس أفندى الصراف.
* أشعار محمود درويش ونزار قبانى أكثر خلوداً من أشعار البابا شنودة والشيخ الشعراوى وهذا هو سر الفن.
* الكنيسة تتعامل مع الفن بشعار "إضرب المربوط يخاف السايب ".
[أزعجنى كثيراً ذهاب الفنان عادل إمام إلى البابا شنوده لأخذ البركة وإستئذانه والسماح له بتجسيد دور قسيس فى فيلمه الجديد الذى ستنتجه شركة جودنيوز، وهى الرحلة التى أشار إليها الزميل طارق الشناوى فى مقالة العدد الماضى من صوت الأمة، هذه الرحلة من فنان كبير مستنير وواعى مثل عادل إمام الذى أحمل له تقديراً ومحبة منذ رحلته إلى عقر دار الإرهاب لعرض مسرحيته فى أسيوط مساندة لفرقة مسرحية محلية تم تكفيرها، والذى لايزايد أحد على مواقفه الوطنية ضد الإرهاب فى عز عنفوانه، نوافق على رحلته الأولى ولكننا نرفض رحلته الثانية إلى البابا لأنها رحلة ترسخ الوصاية الكهنوتية على الفن، وتفسح الطريق لسلسلة جهنمية من الوصايات والمصادرات من المؤسسة الدينية سواء المسيحية أو المسلمة، فى مجتمع أصلاً يعانى من كبت وقمع، وملعب الإبداع فيه أضيق من ثقب الإبرة، مجتمع يخطو حثيثاً نحو دولة دينية يتقلص فيها هامش المواطنة، وتختصر الدولة المدنية فيه إلى مجرد لافتة تظلل واقعاً تحكمه الفتوى لا القانون، ويحرك خيوط الماريونيت على خشبة مسرحه رجال الدين من وراء الستار، ويزيف وعى شعب أصابته هستيريا الدروشة الطقوسية والغيبوبة الشكلية الإستعراضية التى تزامنت مع غياب شبه تام للضمير الذى هو جوهر الدين، أما ماأزعجنى أكثر فهو ماسمعته من تبريرات أهمها أن هذه الرحلة هى لإستشارة البابا فى بعض تفصيلات الفيلم الدينية، وهو مبرر واه لايصمد لأى مناقشة، فمن السهل جداً معرفة أى تفاصيل دينية من خلال إطلاع السيناريست على الكتب المسيحية المتخصصة، أو سؤال أحد الأصدقاء المسيحيين بالهاتف بدون هذه الزفة الإعلامية الإعلانية التى كانت للحصول على صك غفران دينى أكثر منها للحصول على خريطة سير درامى أو رخصة مرور سينمائية.
[أخطر مافى هذه الرحلة غير المباركة هى أنها من فنان فى حجم وجماهيرية وكاريزما عادل إمام، والذى يعرف تماماً أن الإرهاب بإسم الدين يبدأ بالفكرة قبل القنبلة، وبغسل الأدمغة وزرع الخوف قبل الكلاشينكوف!، وإستعمال الكنيسة كمحلل فنى هو لعب بالنار وزواج على ورقة طلاق، لأن الذى يملك أن يمنح، يملك أيضاً أن يمنع، وهو مابدأت بوادره فى الظهور، فقد تحدث الكهنة فى إمكانية تحويل القسيس إلى مجرد واعظ، وتحدث البابا عن رغبته فى قراءة السيناريو لإبداء الملاحظات التى ستتحول بالطبع إلى تعديلات ومحذوفات وخطوط حمراء وتابوهات، مما يتعارض تماماً مع مفهوم الفن الذى يختلف جذرياً عن الوعظ، الفن الذى يمتلك أبجدية خاصة لقراءته، ومقياساً نقدياً مختلفاً كلية عن مقياس المسطرة الأخلاقية التى تقيس كل شئ بمفهوم الحلال والحرام، أما الكارثة التى تنتمى إلى نوعية الكوميديا السوداء فتتلخص فى أن البابا نفسه لم يطلب من الفنان عادل إمام ولم يسمع أصلاً بالفيلم، بل إن عادل نفسه هو الذى ذهب إليه طواعية بقدميه ليضع رقبته ورقابنا ورقبة الفن تحت مقصلة الوصاية الدينية الكهنوتية، وهو تبرع لم يطلبه أحد أصلاً من عادل إمام، إنه الفزع والرعب الذى زرعته الكنيسة فى قلوب الفنانين منذ فيلم "بحب السيما " ومسلسل "أوان الورد "، الرعب الذى كبل العقول ولجم الألسنة، وجعل أسامة فوزى مخرج "بحب السيما" يعتزل الفن، ووحيد حامد يقسم بألا يكرر التجربة، إنها السطوة الديناصورية الكاسحة التى أسقطت الفيلم جماهيرياً ومنعت المسلسل من إعادة عرضه، وأعطت درساً لكل المبدعين كانت الحصة الأولى فيه هى " إضرب المربوط يخاف السايب ".
[مشهد زيارة عادل إمام الدراماتيكية إلى البابا، يذكرنى بمشهد آخر مازال محفوراً فى ذاكرتى، وهو مشهد ممدوح الليثى وهو واقف مرتعداً أمام شيخ الأزهر جاد الحق الجالس أمام سيناريو مسلسل "العائلة "، كان يوقع بإمضائه على التعديل الذى أضيف إلى سيناريو وحيد حامد الذى أصيب بأزمة قلبية حادة وقتها، وأمر ممدوح الليثى بعد مباركة شيخ الأزهر بإحضار الفنان حمدى غيث ليجسد دور شيخ يهاجم ويفند ماقاله الفنان محمود مرسى بطل المسلسل عن عذاب القبر!، وقع الفنان بين فكى الكماشة الكهنوتية، وأصبحت المؤسسة الدينية الإسلامية والمسيحية رقابة فوق الرقابة الفعلية التى يحكمها قانون الدولة، وإنفتحت شهية رجال الدين إلى إقتصاص وإقتناص وإستلاب إختصاصات ليست لهم، فصادروا الكتب وراقبوا المسلسلات والأفلام، وأقاموا دعاوى الحسبة ومحاكم التفتيش للمثقفين والفنانين، وأصيب الجميع مسلمين ومسيحيين بأرتيكاريا درامية من أى عمل فنى، وأصبح هناك دراما قبطية ودراما إسلامية، ورفعت لافتة ممنوع اللمس والتصوير والإقتراب، وعاد الأقباط ثانية للخروج من عالم الدراما، الذى حاول البعض إدخالهم إليه على إستحياء، ولكن كانت الثورة أكبر من طاقتهم على الصمود، والعاصفة أقوى وأخطر من قدرتهم على المواجهة.
[إحترامنا لرجال الدين لايعنى القدسية، لهم كل الإحترام والتبجيل والتوقير، لكن ليست لهم الربوبية أو الألوهية، ولايعنى أن يمتد هذا الإحترام والتبجيل والتوقير إلى مفهومهم وآرائهم عن الفن، ولايعنى بالضرورة أن تكون أشعار البابا شنودة عظيمة من الناحية الفنية، أو قصائد الشيخ الشعراوى رائعة من حيث المعنى والمبنى!.
[بالنسبة لموضوعنا الذى نتحدث فيه عن دراما الأقباط، لابد أن نتعرف عن قرب على أمثلة من إبداع البابا شنوده فى الشعر، حتى نعرف ويعرف الفنان عادل إمام حدود البابا فى الإبداع الفنى، ولايعيب رجل الدين أن يكتب شعراً أقل مايوصف به أنه شعر عادى جداً، ولكن العيب فى من يطلب اللجوء الفنى إليه طالباً منه أن يفرض مقاييسه، فيقزم الفن ويطاطى رأس الإبداع حتى تمر من تحت سقفه المنخفض جداً، وكما قلنا من قبل عن قصيدة الشيخ الشعراوى فى مدح الملك فهد بأنها قصيدة محدودة فنياً، عندما قال:
يابن عبد العزيز يافهد شكرا دمت للدين والعروبة ذخرا
أنت ظل الله فى الأرض تحيا بك تلك البلاد أمنا ويسراhellip; الخ
فإننا نطلق نفس الوصف على قصائد البابا شنودة، فبرغم تمكنه من اللغة العربية، إلا أن هذا لايعنى بالضرورة أنه يكتب شعراً جميلاً، وهذا سر الفن الذى يجعل من أشعار المتنبى متفجر الموهبة وأبى نواس الصعلوك المتمرد قمة الشعر العربى، ويعطى حسان بن ثابت شاعر الرسول مكانة متأخرة عنهما برغم تقواه وورعه ودوره فى الترويج للدين، وهو نفس السر الفنى المراوغ الذى سيجعل شعر نزار قبانى ومحمود درويش وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين أكثر خلوداً وتألقاً عن شعر البابا شنوده، ويكفى أن نقرأ تلك الأبيات لنتأكد من صدق هذا التحليل، يقول البابا شنوده:
أنا فى البيداء وحدى ليس لى شأن بغيرى /لى حجر فى شقوق التل قد أخفيت حجرى /وسأمضى منه يوما ساكنا ما لست ادرى/سائحا اجتاز فى الصحراء من قفر لقفر/ليس لى دير فكل البيد والأحكام ديرى/ أنا طير هائم فى الجو لم أشغف بوكر / أنا فى الدنيا طليق فى إقامتى وسيرى / أنا حر حين أغفو حين امشى حين أجرى / وغريب انا أمر الناس شىء غير امرى.
[ماسبق وغيره من الأشعار هى سقف البابا الفنى، والذى لايمكن بأن نصفها إلا بأنها أشعار من ناحية اللغة والنحو صحيحة، ولكن من ناحية الجدة والحداثة والثراء والموهبة فهى محدودة بل محدودة جداً، فماذا ينتظر الفنان الكبير، ولهذا أقول لعادل إمام إنك قد خبطت على الباب الخطأ فى الزمن الخطأ، وهذه هى المشكلة الرئيسية، فمتى دخل رجل الدين من باب تقييم الفن هرب الإبداع من الشباك!.
[ماذا يعنى صعود القبطى على خشبة مسرح الدراما؟، إنه يعنى الكثير، وأهم هذا الكثير كسر الحواجز المعرفية بين القبطى والمسلم، إنه ليس مجرد سد خانة وثرثرة درامية، فالكارثة أن المجتمع المصرى صار يشجع الجيتوهات الدينية، فنرى مدارساً لاتقبل الأقباط، ونعرف مصايفاً لايرتادها إلا الأقباط، وأصبحت هناك مفاهيم ثابتة ومغلوطة يعرفها كل طرف عن الآخر، فمازال هناك بعض المسلمين الذين يلخصون الأقباط فى أكليشيهات غريبة وعجيبة، وكما قال الكاتب والباحث سامح فوزى حين طلب من باحثة مسلمة أن تتقصى تلك الأكليشيهات، فوجدت منها مفاهيم شاذة وعجيبة مثل رائحة بيوت الأقباط التى توصف بأنها غريبة، والأكل الذى يرفض تناوله البعض عند المسيحيين، وإشاعات الفتيات المسيحيات على المصايف التى تغرى الشباب الملتحى...إلى آخر تلك الخرافات والأساطير المنسوجة حول مجتمع الأقباط الذى يقوم هو الآخر برد فعل عدوانى ساخط ومكتوم أحياناً ويغلى بخاره أحياناً أخرى على مجتمع المسلمين الذين لايفهمونه، ومن هنا نشأت الأرتيكاريا من ظهور الأقباط درامياً على الشاشة، وتجريدهم من ثوب الملائكية الذى لاينفع فى الدراما، والتعامل معهم كبشر يصيبون ويخطئون، حتى لاتحدث أوهام وضلالات مثل التى حدثت مع والدة الشاب الذى تسبب فى فتنة الإسكندرية الطائفية بخنجره الشهير، فقد إتهمت صديقه المسيحى بأنه شربه حاجة غريبة تسببت فى جنونه!.
[حاول بعض الفنانين والمبدعين القفز على الصورة النمطية للقبطى فلتأوس أفندى الصراف العجوز، وتقديم صورة مغايرة ونموذج فنى مختلف غير ماريكا فى " فاطمه وماريكا وراشيل"، ومرقص فى "حسن ومرقص وكوهين "، فقدم أسامه أنور عكاشة الضابط كمال خله فى ليالى الحلمية والذى أدى دوره الفنان شوقى شامخ، وتجاوز عاطف بشاى فقدم نماذج قبطية من لحم ودم فى مسلسله " النساء قادمون " وثارت الدنيا عليه وهاجت وماجت، وهاجمته الكنيسة، وجاء دور وحيد حامد ومسلسله أوان الورد الذى أحب فيه المسلم قبطية وتزوجها، وهذه النقطة بالذات تثير الأقباط وتزعجهم، لأنه وهذا حقيقى لايحدث العكس على الشاشة ويتزوج المسيحى من مسلمة، وقدم منير راضى نموذج القبطى فى فيلم هندى والذى أدى دوره الفنان صلاح عبد الله، وظلت النماذج السينمائية تقدم على إستحياء إلى أن جاء الثنائى هانى وأسامه فوزى وقدما درتهما السينمائية "بحب السيما " الذى ناقش قضية الحرية وقمعها بواسطة السلطة، أى سلطة، من سلطة الأب والمدرسة إلى سلطة الحاكم والكنيسة، وحدث ماحدث من ثورة فى الكنيسة وأيضاً فى الشارع المسيحى على الفيلم، وبرغم وقوف الفنانين الأقباط مثل داود عبد السيد وعاطف بشاى وفايز غالى بجانب الفيلم إلا أن صوتهم ضاع فى ضجيج الزحام الطائفى والتوتر الدينى، ومات الفيلم بالسكتة الكنسية.
[إشتبك السياسى مع الدينى فى قضية دراما الأقباط، وإختلط الفرز الطائفى وإحساس الإضطهاد الذى له جذور ضاربة فى تربة الحاضر المصرى مع أرتيكاريا عرض الأقباط على الشاشة خارج أسوار الأفلام الكنسية على قناة السات سفن، وأصبحت قضية الأقباط ليست وجودهم الدرامى على الشاشة، ولكن وجودهم فى المجتمع نفسه، وهذا يحتاج مقالات ومقالات أخرى لفك الإشتباك بين هذا وذاك، والتعامل بمنطق الفن مع الجميع عند عرضهم على الشاشة، فلايكون هناك خيار وفاقوس فى سوق الدراما والفن والإبداع، وأيضاً لايكون هناك صكوك غفران ومحاكم تفتيش ودعاوى حسبة، لأن الفن هو السلاح الفعال ضد التطرف، ولذلك أنادى فناننا عادل إمام كما كان ينادى يوسف وهبى، "إلى عادل إمام الساكن فى قصر الفن لاتتناول صكوك الغفران الفنية فإن بها سم قاتل "!!.
khmontasser2001@yahoo.com
أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقة قانونية