كتَّاب إيلاف

النظام السوري... النظام العراقي .. الحقيقة الغائبة؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لعل واحدة من أكبر العقد الستراتيجية في الشرق الأوسط تتمثل في شكل و صيرورة و وضعية العلاقات العراقية / السورية المرتبكة التي ظلت على مدار عقود طويلة إلتهمت نصف القرن العشرين و تتهيأ لإلتهام الربع الأول من القرن الحادي و العشرين في حالة تراجع حادة لم تنفع معها كل المقويات و لا المشاريع القومية و لا حتى عقيدة و تفكير الحزب الواحد أيام كان نظام البعث البائد في العراق يطرح المشاريع الوحدوية و يوزع بالمجان مواثيق العمل القومية!! و يعلن عن نظرياته الوحدوية الفاشلة التي كانت للإستهلاك المحلي و الترويجي فقط لا غير ؟ فقد ظلت الطريق بين دمشق و بغداد معطلة على الدوام و تنهل بشكل واسع من أعباء التاريخ و من خلفيات الصراع الأموي/ العباسي وإن أستحدثت أسبابه و موجباته العصرية لتتوائم و تتناسب مع شعارات المرحلة و تطوراتها ، و لن نوغل بعيدا في التاريخ لسبر الخلافات كما لن نعود للحقبة القريبة جدا وهي حقبة دموية حافلة بدأت معالمها منذ الثمانينيات و حيث إشتد الخلاف البعثي/ البعثي و خرج عن أطره العقائدية و الفكرية ليتحول في الصميم لحرب إرهابية شاملة أتبعت فيها كل الوسائل و الأدوات لشل الخصم قبل إسقاطه بالضربة القاضية ، فكان الدعم البعثي العراقي لجماعة الإخوان المسلمين ، و كان الدعم البعثي السوري لحزب الدعوة و للمجلس الإيراني الأعلى! و لبقية الجماعات و الأحزاب الدينية و الطائفية العراقية ، عنوانا لتدني و سقوط الشعارات القومية و العلمانية التي سقطت في شراك الطائفية و التوجهات الدينية ، و كان ذلك الصراع البعثي العبثي إعلانا صريحا عن فشل النظامين السياسيين في دمشق و بغداد و عن مسؤوليتهما المشتركة و الفاعلة في تدمير النظام الإقليمي العربي و خلق التوتر في المنطقة و فشل ما كان يسمى بجبهة الصمود و التصدي التي لم تكن صامدة في شيء و لا متصدية لشيْ سوى لحرية و كرامة الإنسان العربي .

والصراع الجديد بين النظام السوري الحالي و النظام العراقي الحالي أيضا لا يحمل في مفرداته عناوين جديدة و لا متغيرات كبرى أيضا ، لأن نظام دمشق و هو يدعم الإرهاب في العراق ينطلق من دوافع دفاعية محضة تتمثل في ضرورة تخريب الصيغة السياسية الجديدة في العراق لأن في نجاحها نهاية حقيقية للنظام السياسي في دمشق!! و ذلك من طبائع الأمور ؟ لا بل أن المراهنة على دور سوري إيجابي في تحسين الأمن في العراق لم يكن في أساسه إلا حرثا للريح و ضحكا على الذقون ؟ لأنه ببساطة متناهية لا يوجد أحد يفكر بحفر قبره بيده!! لذلك فإن المراهنة السابقة على نجاح زيارة الرئيس العراقي جلال الطالباني لدمشق كانت خطوة متعجلة و توضح أيضا طبيعة الفوضى السياسية و الإدارية و حالة عدم الإنسجام في النظام العراقي الجديد ، و هو نظام ينظر إليه النظام السوري و خصوصا أجهزته الأمنية و الإستخبارية نظرة إستصغار لواقع و حقيقة أن ملفات و مسارات الحاكمين في بغداد اليوم كانت في الماضي القريب تحت رعاية و مراقبة ضباط صغار في المخابرات السورية!! و النظام السوري الذي لم يكن مستعدا للتصالح و التفاهم مع النظام البعثي البائد رغم التقارب الفكري و المنهجي و السلوكي سوف لن يكون مستعدا لدعم من كانوا بالأمس القريب بمثابة رعاياه و منفذين لأوامره!! و هنا أتذكر حكاية شخصية بسيطة حدثت لي في الشام أوائل عام 1984 ، فقد كنت أتردد وقتها على مكتب السيد الحكيم في حي الأمين الدمشقي و الذي كان تحت رعاية السيد عامر الحلو وقتئذ ، و تعرفت هناك على شاب خجول كان يعمل في المكتب و يبدو هادئا و منزويا ولكن كان من الواضح أنه من رجال العمل السري و التنظيمي ولم يكن ذلك الشاب سوى ( أبو محمد ) وهو الذي عرف فيما بعد بالسيد ( باقر جبر صولاغ الزبيدي ) وزير الداخلية الأسبق و المالية الحالي!! وقد فهمت وقتذاك من أن دوره كان ينحصر في التنسيق المخابراتي بين جماعة الحكيم و المخابرات السورية على صعيد تجنيد العناصر لتنفيذ العمليات الخاصة داخل العراق! و التي شهدت في ذلك الوقت تزايدا نوعيا كجزء من حملة إستعمال المعارضات العربية لتصفية حسابات الأنظمة ، و كذلك الحال مع حزب الدعوة الإسلامية الذي ركز نشاطاته في دمشق بعد أن ضعفت علاقاته مع إيران بسبب محاولات المخابرات الإيرانية للهيمنة على القرار و رفض الدعوة الذوبان في الجسم الإيراني!! و هو الأمر الذي وفر مدخلا لإنشقاق كبير في حزب الدعوة كان من نتيجته ولادة ( الدعوة / تنظيم العراق )!! و المشارك أيضا في السلطة الحالية رغم أنه تنظيم يدين بالولاء التام لإيران و لوليها الفقيه!! وهي من عجائب و مفارقات السلطة العراقية الحالية ، المهم في القضية أن النظام السوري الحالي لا يمكن أن يقوم بأي خطوات حقيقية لوقف التدفق الإرهابي نحو العراق خصوصا و أن أجندته الحالية تهدف لتقديم الدعم لبقايا حزب البعث العراقي من خلال عناصره القيادية الهاربة هناك و التي تحظى بالدعم و الرعاية السورية رغم رفض النظام السوري الإعتراف بذلك!! و هو رفض لا يعبر إلا عن الحقيقة الخبيثة لنوايا نظام و دولة المخابرات السورية ، فالمؤتمر القطري الأخير الذي إنتخب محمد يونس الأحمد و غزوان الكبيسي و مزهر مطني الدليمي و غيرهم و الذي وجد رفضا من جماعة عزة أبو الثلج الدوري و صلاح المختار في اليمن هو تأكيد على أن نظام المخابرات السوري قد عقد العزم على دعم جماعته من بعث العراق و الذين هم في النهاية تنظيم إرهابي مسؤول عن غالبية جرائم الإبادة البشرية في أسواق و مدن العراق الفقيرة و بالتنسيق مع الجماعات التكفيرية من عصابات السلف المتوحشة ، و لكن النظام العراقي لن يذهب بعيدا في تصفية الحسابات مع نظام دمشق لأسباب عديدة لعل أهمها أن جميع ملفات و أسرار و تحركات كثير من قادة العراق الراهن هي تحت تصرف المخابرات السورية و التي تتصرف بعنجهية و عدم مبالاة يضاف لذلك كله الضعف البنيوي في القرار العراقي ، فرئيس الجمهورية يتصرف بمعزل عن رئيس الحكومة ، و رئيس البرلمان يغني نشاز و لا يوجد من يستمع!! و ميوعة السلطة و القرار السيادي في العراق قد أعطت لكل من يخالف النظام العراقي الحالي إشارات واضحة عن الترهل في الجسم القيادي العراقي ؟ تصوروا أن رئيس الوزراء نوري المالكي كان قد أصدر قرارا بتعيين السيد ( حمودي جمال الدين ) بمنصب مستشار عسكري لشؤون المنطقة الجنوبية!! ولكن لم يتمكن المستشار العتيد حتى اللحظة من إستلام موقعه لتنصل جميع الإدارات من مسؤولية التنفيذ!!! يحدث هذا على مستوى القرار الداخلي ؟ فكيف ستتصرف الحكومة العراقية أمام تحديات السياسة الخارجية و أمام التحدي الإرهابي القادم من نظام دمشق ، و هو تحدي جدي يمتلك السوريون كل أدواته و يقف العراقيون عاجزين إلا من تصريحات فارغة سرعان ما يتم سحبها في لحظات عاطفية عابرة ، سياسة النظام العراقي الحالي للأسف هي سياسة مرتجلة و غير عملية أو جدية لأنها تتسم بالميوعة و عدم القدرة على إتخاذ القرار و السبب الأول و الأخير هي سياسة المحاصصة الطائفية لعنها الله و التي فتحت كل صناديق الشياطين العراقية!!! و الإرهاب لا يقاوم بالنوايا الحسنة وحدها ولا بالتصريحات المطاطة بل عبر ستراتيجية واضحة لا وجود لها في العقل السياسي العراقي الطائفي الراهن....أنها الكارثة وقد أطلت بقرونها..!.

dawoodalbasri@hotmail.com


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف