كتَّاب إيلاف

الطائر الحبيس وحرية الرأى

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

بسم الله الرحمن الرحيم

(1)
كان عام 1991 من أشد الأعوام العجاف التى مرت بى، أحس صديقى الدكتور فرج فودة بما أعانيه فاقترح أن أؤلف كتابا عن الصلة بين العلمانبة والاسلام ليتوسط لدى اصدقائه فى الحكومة التونسية لنشره، فكتبت كتاب (القران والعلمانية).
قبيل الانتهاء من الكتاب جفّ ريق القلم الجاف الوحيد الذى أملكه، حاولت الضغط عليه فكتب سطرين شاحبين بكل ما تبقى فيه من دماء، ثم لفظ أنفاسه تماما بين أصابعى. لم يكن فى جيبى خمسة قروش أشترى قلما اخر،انتظرت يومين إلى أن جاء الفرج واشتريت قلما وانهيت الكتاب.
كان ما تبقى من معى يكفى لواحد من أمرين : إما أن أركب الميكروباس من المطريه الى مكتب فرج فودة ؛ وإما أن اقوم بتصوير نسخة إحتياطية من الكتاب. إستحييت أن أطلب من الدكتور فرج فوده تصوير الكتاب. لم ينشر الكتاب فى تونس وضاعت أصوله هناك. تأكدت من هذا بعد خمس سنوات حين ذهبت الى تونس مدعوا من وزير الاوقاف وقتها الدكتور على الشابى، وسألتهم عن مخطوطة كتابى (القرآن والعلمانية) فقالوا انها ضاعت.

(2)
فى عام 1992 طلبت منى المنظمة المصريه لحقوق الانسان اعداد بحث عن حرية الرآى بين الاسلام والمسلمين لاشارك به فى ملتقى فكرى كانت تعده عن حرية الرآى والفكر والعقيدة. كتبت من الذاكرة فصلا عن حرية الرأى فى الاسلام، وكان جزءا مكتوبا من قبل فى الكتاب الضائع (القرآن والعلمانية) وأضفت له دراسة تاريخية تتناول مصادرة حرية الرآى ـ بالتدريج ـ فى عصر الخلفاء. وكان البحث الجديد أبرز البحوث التى ناقشها الملتقى ؛فقد فوجئت بالمستشار الدمرداش العقالى احد المشاركين فى الملتقى ؛ يتحدث عن ورقتى اكثر مما يتحدث عن ورقته.
وجاء موعدى فى الحديث ؛ وكان المشرفون على الملتقى قد اختاروا اربعة للتعليق على ورقتى البحثية ؛ هم الدكتور محمد سيد سعيد والدكتور اسامة الغزالى حرب ؛ وكل منهما يمثل ناحية من الاتجاه العلمانى والاستاذ جمال بدوى رئيس تحرير الوفد عن الاخوان واليمين؛ والاستاذ خليل عبد الكريم ممثلا عن اليسار.
تركز نقد الدكتور محمد سيد سعيد والدكتور اسامة الغزالى حرب على اننى انتقى من الآيات ما يتفق مع وجهة نظرى فى اثبات ان الاسلام دين حرية الرآى والعقيدة ؛ وقالوا ان من يخالفنى فى الرأى ينتقون ايضا الآيات التى تتفق مع وجهة نظرهم لأن (القرآن حمّال أوجه). ورددت عليهما بنقد اسطورة أن القرآن حمّال أوجه مثبتا تناقضها مع كون القرآن محكما لا عوج فيه، وقلت إننى لا أنتقى الآيات مطلقا وانما منهجى هو تجميع كل الآيات المتصله بالموضوع واستقراؤها جميعا ؛ وقلت لهم اننى اتحدى ان يستشهد اى انسان بآية قرآنية فيها مصادرة الرأى والعقيدة.
مفاجأة التعقيب جاءت من الاستاذين جمال بدوى وخليل عبد الكريم، فمع تناقضهما الفكرى والسياسى فقد اتحدا ضدى تأكيدا لإنتمائهما معا الى نفس الدين الأرضى (التصوف السنى) مع اختلافهما السياسي. جلسا متجاورين، وبالصدفة جلس خلفهما ابنى محمد - وكان صبيا فى هذا الوقت - وحكى لى كيف كانا يتآفقان معآ ويحوقلان وينتفضان حين كنت القى نبذة فى الملتقى عن ورقتى. وجاء دورهما للتعقيب.
هاجمنى جمال بدوى قائلا إننى عدو السنة النبوية، وقال انه لا يوافق على أن حرية الرأى فى الاسلام مطلقة ؛ ويرفض وجود حرية للمنافقين ضد النبى محمد عليه السلام لانه كان حاكما يستمد سلطته من الله تعالى. ورددت عليه باننى استشهد بآيات القرآن الكريم وهى التى تضمنت تقريرآ كاملآ عن حرية المنافقين القوليه والفعليه، وقلت له ان النبى حين كان حاكما لم يستمد سلطته من الله تعالى وانما كان يستمد سلطته من الناس ؛ وهذا معنى قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران 159) اى جعله الله تعالى هينا لينآ معهم ولو كان فظآ غليظ القلب لانفضوا من حوله، ولو انفضوا من حوله أصبح وحيدا بلا حول و لا قوة، وماقامت له دوله وما اصبحت له سلطه لأنه يستمد منهم السلطة، لذلك امره الله تعالى بالعفو عنهم اذا اساءوا اليه والاستغفار لهم اذا أذنبوا فى حقه ؛ وان يشاورهم فى الامر لأنهم اصحاب الأمر ومصدر السلطة.
وجاء دور خليل عبد الكريم فاعترض على كل ماقلت واتهمنىأيضا بانكار السنة وانكار الاحاديث التى تشرع قتل المرتد ؛ اى رجع (الشيخ) خليل عبد الكريم الى (صباه)أى أصله الأول أزهريا منغلقا وواعظا فى الجمعية الشرعية ؛ثم استشهد بالحديث القائل ان النبى محمدا عليه السلام قام بتحريق مسجد الضرارـ وهو المسجد الذى اقامه المنافقون فى المدينة، ونهى الله تعالى رسوله أن يقوم فيه ـ وقد استشهدت بهذا على الحرية التى كانت يتمتع بها المنافقون حتى فى التآمر على النبى والمسلمين. ورددت عليه بانه حديث كاذب ذلك الذى يزعم ان النبى محمدآ عليه السلام قام بتحريق مسجد الضرارلأن الله تعالى أخبر بأن ذلك المسجد ظل قائما: (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) (التوبة110)؟فأيهما نصدق ؟ الله تعالى ؟ أم ذلك الحديث ؟.
وانتهى الملتقى بنجاح عظيم.
ولكن لم تنته عداوة الاستاذ خليل عبد الكريم لى ؛ اذ لم يغفر لى أننى غلبته فى الحجة ؛ فاستمر ـ يرحمه الله تعالى ـ يهاجمنى فى مقالاته فى الاهالى وفى القاهرة ؛ مما اضطرنى الى الرد عليه فى القاهرة بمقال ساخر موجع زاد من أوار خصومته ؛ فقام بنشر سلسلة مقالاته الهجومية فى كتاب نشرته له دار سيناء للنشر. والمضحك انه نشر كل مقالاته ضدى ؛ ولم ينشر الرد الوحيد الذى رددت به عليه.
ولقد نشرت المنظمة المصرية لحقوق الانسان هذا البحث ضمن ابحاث الملتقى الفكرى الثالث فى كتاب خاص سنة 1994 ؛ وكنت وقتها عضو مجلس الامناء للمنظمة والمسئول الفكرى فيها ؛وبعدها قمت باسم المنظمة بعقد الملتقى الفكرى الرابع (المصادرة) والملتقى الفكرى الخامس عن (القمع الفكرى).

(3)
بعد انتهاء الملتقى الثالث ببضعة اسابيع أخبرنى بعض الاخوة القرآنببن ان لى بحثا منشورآ بعنوان (حرية الرأى بين الاسلام والمسلمين) فى مجلة القاهرة. كان رئيس تحريرها الدكتورغالى شكرىأحد أعلام الثقافة المصرية، تقابلنا وتصادقنا، وصارت مجلة القاهرة تنشر لى باستمرار.
حكى لى الدكتور غالى شكرى عن المتاعب التى أثارها بحثى (حرية الرأى..) فالمصحح فى مطابع وزارة الثقافة أرعبه المكتوب عن أبى هريرة وغيره فحاول شطب المكتوب، ثم كتب تعليقات تهاجمنى وأراد إضافتها للبحث، ثم حاول تصعيد الشكوى لوقف نشر البحث، فأوقفوه عند حده وصارت حديث المجالس وقتها.
مجلة القاهرة بمستواها العالى وقتها كانت ملتقى المثقفين المصريين برغم أن صدورها كان شهريا و بغير انتظام. وحين نشرت (القاهرة)هذا البحث وما بعده من ابحاث لى اسهمت فى معركة التنوير وفى مواجهة التدخل الازهرى فى مصادرة الفكر. ودفع الثمن شيخ الازهر الحالى، ففى احدى الجلسات السنوية للرئيس مبارك مع المثقفين فى افتتاح معرض القاهرة الدولى للكتاب أثير تدخل الازهر فى الحرية الدينية والفكرية فانطلق شيخ الازهريرد عليهم لأنهم تعدوا على اختصاصه، فقام (الأفندية المثقفون) بالرد علي الشيخ مستشهدين بالايات القرآنية التى جاءت فى هذا البحث (حرية الرأى..) والتى تؤجل الحكم فى الاختلاف الدينى والعقيدى الى الله تعالى وحده يوم القيامه وانه ليس فى الاسلام كهنوت بل حرية مطلقة فى الدين والعقيدة.وقع الشيخ طنطاوى فى حيص بيص وتلعثم وتلجلج فآثار شفقة الحاضرين. بعدها اصبح يتكلم ـ أحيانا ـ عن حرية العقيدة فى الاسلام.

(4)
مع زيادة طفيفة ينشر موقعنا اهل القرآن
http://www.ahl-alquran.com/arabic/main.php
بحث (حرية الرأى بين الاسلام و المسلمين) فى قسمين، يتناول القسم الأول
جذور حرية الرأي في عقيدة الإسلام ؛ ثم تشريعها في القرآن الكريم، وكيف طبق الرسول محمد عليه السلام فى سنته الحقيقية القرآنية وفى حكومته حرية الرأي.ويتناول القسم الثانى: حرية الرأي في عصور الخلفاء من خلال العناوين التالية : (قريش و الخلفاء ـ بين مدرسة النبي محمد ومدرسة قريش ـ بدء الفجوة بين الاسلام و المسلمين فى عهد أبى بكرـ خلافة عثمان تمهد للدولة الأمويةـ حرية الفكر فى الدولة الأموية ـ مدى حرية الفكر في خلافة معاويةـ مصادرة الفكر بعد معاوية ـ الكهنوت الأموي: الجبرية والقصص والأحاديث.الكهنوت العباسي ـ عناصره ـ الجبرية،الأحاديث..)
ومن المنتظر ـ بعونه تعالى ـ ان تظهر ترجمة لهذا البحث فى موقعنا فى القسم الانجليزى
مشروع النشر المجانى فى موقعنا يطمح بعون الله تعالى فى نشر كتاب جديد كل اسبوعين. هذا هو الكتاب الثانى وقد سبقه كتاب (المسلم العاصى) وسيليه بعون الله تعالى (رعاية الطفل فى الاسلام).
والله تعالى المستعان

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف