كتَّاب إيلاف

الوباء الفلسطيني!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حادثة مخيم نهر البارد وما يجري فيه من كوراث وأرواح تُزهق، هو دليل جديد على ما أُصيب به العرب وما أُصيب به الشعب الفلسطيني مما يطلق عليه الآن في الصالونات السياسية العربية بـ "الوباء الفلسطيني".
وهذا الوباء متأتٍ بالدرجة الأولى من القيادات السياسية العلمانية والقومية والدينية الفلسطينية التي ابتلي بها الشعب الفلسطيني، منذ أن انفجرت القضية الفلسيطينية في الثلاثينات، وبعد الثلاتينات.
وهذا "الوباء الفلسطينيي" المتمثل في القيادات السياسية الفلسطينية بمختلف تكويناتها واتجاهاتها، لا ينفصل عن وباء معظم الأنظمة العربية. إلا أن ما يميز "الوباء الفلسطينيي" عن أنواع الأوبئة العربية الأخرى، أن الأوبئة العربية الأخرى ظلت محصورة داخل أقطارها وضمن شعوبها الأقليمية، ولم تنتشر كثيراً إلا في حالات نادرة خارج اقطارها، التي ظهر فيها هذا الوياء السياسي. في حين أن "الوباء الفلسطينيي" انتشر في فلسطين وخارج فلسطين، بل كاد يعمُّ معظم دول وشعوب معظم المشرق العربي.

ماذا فعلوا بالأردن؟
فكلنا يعلم تمام العلم بماذا فتك "الوباء الفلسطيني" في الأردن في الخمسينات والستينات، ثم في بداية السبعينات، حين لم يتم القضاء على هذا الوباء كليةً إلا في أيلول الأسود 1970، بعد أن خسر الشعب الفلسطيني والشعب الأردني الخسائر الجسيمة في الأرواح والمال والاقتصاد والسمعة السياسية. وبدا الشعب الفلسطيني منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة في نظر العالم والرأي العام العالمي شعباً ارهابياً لا يستحق الحياة، ولا يستحق الوطن الموعود. وإن كانت بعض دول العالم ومنها الدول العربية قد فرشت سجادها الأحمر واستقبلت زعماء فلسطينيين بعد ذلك، فهذا راجع الى الخوف من المنظمات الفلسطينية الارهابية التي كانت منتشرة في كافة أنحاء العالم آنذاك، واتقاءً لشرها مرة بالمال ومرة باظهار الاحترام المزيف لها، وليس احتراماً وتقديراً لهذه الزعامات التي نشرت الرغب والخوف في كافة انحاء العالم، بدل أن تفرض احترامها، وشرعية قضيتها.

ماذا فعلوا بالخليج؟
وكلنا يعلم ماذا فعل "الوباء الفلسطيني" ممثلاً بالزعامات الفلسطينية في الخليج، وخاصة أثناء حرب الخليج. فدول الخليج وخاصة الكويت التي فتحت ذراعيها للعمال والموظفين والمعلمين الفلسطينيين منذ الخمسينات، واحتضنت فلسطين كلها في الكويت، الى درجة أن تشكيل منظمة "فتح" انشيء في الكويت وبزعماء فلسطينيين كانوا يعملون في الكويت وعلى رأسهم ياسر عرفات وأبو جهاد وابو أياد، ومعظم الأبوات الكبار. كذلك فتحت دول الخليج الأخرى أبوابها لعمل الفلسطينيين. وكان عدد الفلسطينيين العاملين في الخليج يفوق عدد أكبر جالية عربية عدا المصريين. ورغم هذا، فعند أول امتحان لضمير الزعامات الفلسطينية بمختلف توجهاتها أثناء حرب الخليج 1991، كان "الوباء الفلسطيني"، أول الأوبئة التي فتكت بأهل الخليج وخاصة الكويت والسعودية، حين وقفت الزعامات الفلسطينية العلمانية والقومية والماركسية والدينية الى جانب صدام حسين، واعتبرت ما فعله بالكويت وشرق السعودية فتحاً وليس غزواً، وهو الطريق المؤدي الى القدس؛ بمعنى أن الطريق الى القدس يمر بالكويت، ويمر بالاحساء السعودية، كما كان يُعلن في نهاية الستينات بأن الطريق الى القدس يمر بعمّان، وكما كان يُعلن كذلك بأن الطريق الى القدس يمر ببيروت، واليوم بنهر البارد.

ماذا فعلوا بسوريا؟
النظام الحديدي الديكتاتوري الشمولي السوري، كان أكبر وأقوى من قدرات "الوباء الفلسطيني" الفتاك الذي ما حلّ بقطر عربي إلا وفتك به وبنظامه الاجتماعي والاقتصادي.
ولكن لم يعجز "الوباء الفلسطيني" في سوريا من أن يكون له ذلك الدور الفتاك، بأن أصبح سلاحاً من أسلحة الدمار والارهاب السوري كما هو حاله الآن. فاستعمل النظام الحاكم في سوريا هذا "الوباء" كسلاح فتاك يخيف به أعداء النظام السوري. فكان نظام الحكم السوري يستعمل بعض التنظيمات الفلسطينية الارهابية المعروفة ضد النظام الأردني في السبعينات والثمانينات، وضد النظام اللبناني في الفترة ذاتها، وضد النظام العراقي، وكذلك ضد أنظمة غربية، وضد امريكا في بعض الأحيان. وكانت مصالحه ومكاسبه والحفاظ على مواقعه هي الهدف الأول والأخير من نشر هذا الوباء خارج سوريا. واحتضن النظام السوري وما زال يحتضن مجموعة من التنظيمات الفلسطينية الارهابية كسلاح وبائي فتاك ضد خصومه خارج سوريا أينما وجدوا، وكيفما وجدوا.

ماذا فعلوا بلبنان؟
أما ماذا فعل "الوباء الفلسطيني" في لبنان فحدّث ولا حرج.
فلا داعٍ لاعادة شريط الأحداث منذ أن خرجت القيادات الفلسيطينية من الأردن الى لبنان وأسست هناك ما أُطلق عليه "جمهورية الفكهاني" وسط بيروت، وكان ياسر عرفات يطوف ليلاً نهاراً مع (زعرانه) في شوارع بيروت وأزقتها ويلوح بالكلاشيكوف الذي لا يجيد التصويب به، والذي لم يطلق منه طلقة واحدة على اسرائيل، بأنه هو حاكم بيروت الفعلي. ثم دخل حرباً أهلية مع اللبنانيين، وكانت مأساة الاقتتال اللبناني - الفلسطيني المعروفة، ثم مأساة الاقتتال بين الفلسطينيين وحركة أمل بقيادة نبيه بري التي راح ضحيتها أكثر من ستة آلاف فلسطيني بريء كما سبق وكتبنا. ثم كان الاجتياح الاسرائيلي للبنان 1982 بسبب "المواسير" التي كان يطلقها "المقاومون" الفلسطينيون من جنوب لبنان. وهي نفس المواسير والألعاب النارية التي تطلقها حماس والمنظمات الفلسطينية الإسلامية من غزة على بعض المستعمرات الاسرائيلية الآن، وتجرّ مزيداً من الكوارث على الحياة اليومية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية عموماً.
المهم، أيها السادة، ظل لبنان منذ 1970 والى الآن "رهينة فلسطينية" بطريقة مباشرة بواسطة المنظمات الفلسطينية، ودكاكين الارهاب الفلسطيني، أو بطريقة غير مباشرة بواسطة حزب الله، والنظام السوري، ومؤيديه داخل لبنان.
وها هو لبنان يحترق مرة أخرى بالوباء الفلسطينيي، بفضل "فتح الظلام". فهذه الفئة (يقال أنهم 200 عنصر) جاءوا من سوريا محملين بالأموال الإيرانية، ودخلوا مخيم نهر البارد، وتزوجوا أكثر من زوجة لكل منهم من أهالي المخيم، دافعين مبلغ خمسين ألف دولار لكل عروس، وأستاجروا بيوتاً من التنك والصفيح والطوب بمبلغ خمسة آلاف دولار، كما روى السفير اللبناني في باريس ومدير الاستخبارات اللبنانية السابق جوني عبدو ( برنامج "كلام الناس" بمحطة إل بي سي 24/5/2007)، وقتلوا أكثر من ثلاثين عنصراً من الجيش اللبناني "المحتل" للبنان، وحاولوا احراق لبنان وربما نجحوا في ذلك مع من أرسلهم، وهو النظام السوري، الذي ما زال منذ أكثر من 35 عاماً يستعمل "الوباء الفلسطيني" للفتك بأعدائه في الخارج، كما كان يفعل في الماضي. وما زالت معظم القيادات الفلسطينية القومية والدينية المتطرفة محتضَنَةً في الحفظ والصون في الحضن السوري الدافيء، ترضع من ثدي الارهاب السوري، وتُستخدم لنشر وباء الارهاب في أي مكان يراه نظام الحكم السوري.

وماذا بعد؟
أما القيادات الفلسطينية فهي لاهية عن قضيتها.
فحل قضيتها عند الدول الكبرى وليس عند سوريا أو ايران أو أي نظام في هذا الشرق.
فهذا الشرق ليس بيده شيء. إنه شرق تعيس قاصر، ومتخلف، وضعيف. وهو بحاجة الى المساعدة، وليس لديه ما يساعد به الآخرين، خاصة في قضية معقدة تعقيداً شديداً كالقضية الفلسطينية. ورغم هذا، فالقيادات الفلسطينية ترتمي في أحضان الأنظمة العربية الديكتاتورية، وتعادي الأنظمة الغربية حيث مفاتيح الحل الفلسطيني هناك، ولا غيرها يملك هذه المفاتيح.
ولكن القيادات الفلسطينية القومية والدينية قيادات جاهلة وقاصرة وفاسدة. وهم شلل من الحرامية، والارهابيين، وقطّاع الطرق، والجواسيس. ويأكلون يومياً لحم بعضهم بعضاً. وتستعملهم الأنظمة العربية الديكتاتورية للضرب على قفا بعض الأنظمة الأخرى. بمعنى أنهم "مماسح زفر" و "مطارق" مرتزقةلهذه الأنظمة.
كان الله في عون الشعب الفلسطيني المسكين، الذي يرى قضيته وأرضه ووطنه يذوب كل يوم ذوبان قُمع الايسكريم في فم الأطفال، بفعل عصابات سياسية هي كالفيروس، ناقل الداء الفتاك. وها هو الداء يحاول الفتك بلبنان الآن من جديد من خلال مخيم نهر البارد.
أما فلسطين فعليها السلام.
السلام عليكم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف