كتَّاب إيلاف

كلنتون... معضلة اقتصاد الصحة والتجربة اليابانية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

كلنتون... معضلة أقتصاد الصحة..والتجربة اليابانية
من مفكرة سفير عربي في اليابان

تعتبر "خبيصة" اقتصاد الصحة من أصعب المعضلات الأقتصادية في الألفية الثالثة، وذلك للتزياد المستمر في تكلفة الرعاية الطبية العلاجية. ويرجع ذلك للتطور السريع والمكلف في التكنولوجية الطبية والدوائية والعمليات الجديدة المعقدة، مع استمرار الزيادة السكانية. فسيزداد عدد سكان العالم الثالث والصغير سنا، في عام الفين ومائة، لأحد عشر مليارا. وسيكون عدد سكان العالم المتطور أقل من مليار، وسيمثل نسبة المسنين فيه خمسين في المائة، وسيحتاجون لرعاية علاجية مكلفة. والسؤال المطروح بين رجال اقتصاد الطب ما الحل؟ فهل سنراجع من جديد المقولة القديمة مثقال وقاية خير من قنطار علاج، لنحافظ على صحة المواطن وسعادته وانتاجيته وبثمن زهيد؟
لنتذكر عزيزي القارئ بأن كلمة الصحة، تعني المحافظة على صحة المواطن كفرد مجتمعي سعيد ومنتج عليه واجبات أولا وله حقوق، وذلك بتوفر حاجياته المادية والنفسية والروحية. وتتمثل الحاجيات المادية في الاكل والشرب والجنس والملبس والمسكن والامان. وتشبع غرائزه النفيسة بتوفر عمل منتج يتناسب مع تعليمه وخبرته وكفائته، ليشعر بأهميته ويؤدي واجبه نحو وطنه، فيبدع ويخترع ليشارك بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وترافقها حاجياته الروحية، بتواجده بمجتمع مترابط، ذو ثقافة متميزة وبتاريخ مشترك في الأدب والشعر والفن، وبتناغم جميل مع القيم والمفاهيم الإنسانية الأخلاقية والدينية والروحية. وتكملها حقوقه وواجباته الفردية في الحرية والديمقراطية، مع مسئولية التعبير عن الرأي بشكل متزن وبعيد عن الاثارة العاطفية، وموجه للبناء والتطوير، مع واجبه الوطني نحو قياداته ومسئوليه.
والمحافظة على الصحة مسؤلية عظمية يلعب دورا كبير في نجاحها المواطن والادارات الحكومية والشعبية. فمثلا نحتاج للوقاية من الجلطة القلبية، السبب الاول للوفاة في مجمعاتنا اليوم، تجنب البدانة والتدخين، وعدم تناول الدهون المشبعة، وكثرة تناول السلطة والفاكهة، وممارسة الرياضيه المباشرة والغير مباشرة. بالإضافة لنشر الوعي الصحي من خلال التعليم المدرسي والإعلام والقراءة المنتظمة. ويكمل كل ذلك تنفيذ التشريعات الصادرة من مجالس الشورى والبرلمانات التي تمنع استيراد الشحوم المشبعة، وتحدد نوعية الزيوت النباتية المستخدمة.
وتحتاج الرعاية الصحية لتوفر مراكز صحية موزعة في القرى والمدن، وبهاعدد مناسب من أطباء العائلة، لمتابعة الحوامل، وتطعيم الاطفال، والفحص الدوري للموطنين لقياس الضغط والسكر وللأكتشاف المبكر للسرطانات، بالاضافة لعلاج الأمراض الحادة والمزمنة الغير مستعصية. وتحتاج الرعاية الطبية لمستشفيات متوفر بها أطباء متخصصين وتكنولوجية علاجية متقدمة. ولنتفهم تحديات معضلة أقتصاديات الصحة سنحاول أن نتدارس هذه المعضلة في الولايات المتحدة، الدولة الأغنى والأكثر تقدما تكنولوجيا في العالم.
حينما أنتخب بل كلنتون رئيسا للولايات المتحدة في بداية التسعينيات أهتم بمعضلات الخدمات الاجتماعية. وقد كانت من أولويات خطة إدارته هي التعامل مع المعضلات المتزايدة لاقتصاد الصحة. وقد شكل في عام 1992 لجنة لإصلاح نظام الرعاية الصحية برئاسة المحامية القديرة السيدة هليري كلنتون. وقد وصت اللجنة بعد دراسات مستفيضة بخطة للرعاية الصحية الشاملة لكل أفراد الشعب الامريكي. وقد تلخصت هذه التوصيات بتنفيذ قرار يوفر من خلاله أصحاب العمل خطة شاملة للرعاية الصحية للعمال والموظفين، ومن خلال مؤسسة ضمان صحي "للمحافظة على الصحة"، تكون منافسة وتحت رقابة حكومية دقيقة.
وقد كتبت البروفيسورة مارثا درثك، الأستاذة بكلية الطب بجامعة فرجينيا، معلقة على مشروع السيدة كلنتون للرعاية الصحية، في جريدة الوشنطون تايمز، وفي عام 1993 تقول، "خلال السنوات الطويلة التي درست فيها الانظمة الاجتماعية الأمريكية، لم أقراء وثيقة رسمية متعدية على حقوق الاخريين وساذجه سياسيا، وبوصفة متطرفة للسيطرة على الحكومة وصانعي الادوية والاطباء والمستشفيات، وطبعا أنت كمواطن وأنا، كهذه الوثيقة." فقد حست الشركات الطبية، وشركات التأمين، ومصانع الادوية، والاطباء، والمستشفيات بتهديد أرباحها. فلم تريد السماح بصدور قوانين قد تتضارب مع مصالحها، فماتت خطة الإصلاح الصحية الأمريكية. وفي عام 2006، صدرت إحصائيات الحكومة الأمريكية، والتي وضحت بأن هناك ستة وأربعين مليون مواطن أمريكي بدون تغطية تأمين للرعاية الصحية خلال عام 2005. وقد أعلن في نفس السنة الدكتور أي جي امانيول المسئول بالمركز الوطني الأمريكي للرعاية الصحية بأن " نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة يعتبر خبيصة مختلة وظيفيا."
وكتب الصحفي الأمريكي بل مور بمجلة النيوز ويك في الرابع من شهر يونيو عام 2007 يقول، "ترتيب الولايات المتحدة الامريكية ليست الاولى الا في جبروتها الحربية ومليارديراتها المملوئين. فمثلا تعتبر فرنسا الاولى في الرعاية الصحية، بينما تصنف منظمة الصحة العالمية الولايات المتحدة بأنها الدولة السابعة والثلاثين بين الدول، فتتوسط كوستريكا وسلوفينيا...ومتوسط الحياة فيها لا تتعدى الثامنة والسبعين بترتيب الخامسة والأربعين، أي بين البوسنيا والاردن. وحسب تقارير المخابرات الامريكية والبنك الدولي فنسبة وفيات الاطفال الرضع في الولايات المتحدة هي ستة ونصف لكل الف ولادة حية، وتعتبر أسوءا بكثير من دول العالم الثالث، وحتى كوبا نسبتها 6.33 أفضل. وقد قدرت متوسط نفقات الرعاية الصحية للفرد الأمريكي في العام الماضي بستة الاف وستة وتسعين دولارا، بينما قدرت بفرنسا بثلاثة الاف واربعمائة واربعة وستين دولارا. ويعقب مور فيقول "بأنه ليس من الغرابة أن تكون فاتورة المصاريف الطبية هي السبب الرئيسي لافلاس العائلات الامريكية."
ومن المعروف بأن الولايات المتحدة تملك أفضل تكنولوجية طبية وصناعة دوائية، مع خيرة العلاجات الباطنية والجراحية، ولكن يمثل كل ذالك نصف خدمات الرعاية الصحية. ويمثل النصف الآخر توفر خدمات الرعاية الوقائية مع الرعاية العلاجية وبتوزيع عادل وبمستوى أداء جيد وبأسعار مناسبة. وتؤكد التجربة اليابانية والاروربية الغربية بأن الضمان الصحي الشامل المراقب والمنظم من خلال الدولة هو خير وسيلة لتوفير الرعاية الصحية المتميزة.
والتحدي الآخر لاقتصاد الصحة هو زيادة الأخطاء الطبية بالمراكز الصحية والمستشفيات، والتي تضيف لمصارف الفواتير الطبية مبالغ خيالية تقدر بالمليارات. وتقدر المؤسسات التأمنية بأن الاخطاء الطبية في الولايات المتحدة الامريكية تتجاوز المليون والنصف إصابة سنويا. فتصور عزيزي القارئ المعاناة والتكلفة المرافقة لهذه الاخطاء. وقد بينت دراسات إحصائية في السنوات الماضية بأن هناك مائة وثمانين ألف وفاة مواطن أمريكي سنويا بسبب الأخطاء الطبية، أي ما يعادل بتحطم ثلاثة طائرات جمبو ووفاة جميع ركابها كل يومين. فنتصور كمية الأموال التي يصرفها العالم لمنع إرهاب الطائرات بينما يموت الكثيرون من الأخطاء الطبية.
وقد كتب الصحفي الأمريكي الدكتور سيزر شيليلا في جريدة اليابان تايمز في التاسع والعشرين من مايو عام 2007، معلقا على الأخطاء الطبية في الولايات المتحدة يقول، "ومع أن رجل السياسة الأمريكي مغرم بتكرار القول بأننا نملك أفضل رعاية صحية في العالم، ولكن يتناسى إضافة العبارة الهامة، الأفضل للمواطن الذي يستطيع دفع الثمن. وأما لباقي المواطنين فتعتبر مضار الرعاية الصحية أكثر بكثير من فوائدها."
يكرر الشعب الياباني مقولة صينية تقول، " الطبيب الصغير يعالج المرض، والطبيب المتوسط يعالج المريض، والطبيب الكبير يحافظ على صحة المجتمع." وهذا ما نسمية بالرعاية الصحية المجتمعية الوقائية. والهدف منها المحافظة على صحة المواطن لا الانتظار حتى أن يمرض. فالوقاية رخيصة الثمن، أما العلاج فتكلفته ومعاناته وأخطاءه لا حدود للحسابات، فالمريض يفقد أنتاجيته وسعادته وسنين عمره، بالإضافة للتكلفة المادية والمعاناة العلاجية. وللتعامل مع تحديات الرعاية الصحية نحتاج للتعاون والتعاضد بين المواطن والحكومة والبرلمان والقضاء والمؤسسات البلدية والشركات الصناعية ووزارات الصحة. وتعتقد منظمة الصحة العالمية بأن مسئولية الحكومة تتمثل في 30% من المسؤلية الكلية للرعاية الصحية، أما باقي 70% فتحتاج لمشاركة المجتمع بجميع افراده ومؤسساته للمحافظة على صحة المواطن. والسؤال الذي يطرح نفسه لعزيزي القارئ هل نحن مقتنعين بفلسفة أجدادنا الصحية بأن درهم وقاية خير من ملايين دنانير علاج، ومتى سنبداء بتطبيقها في وطننا العربي؟

سفير مملكة البحرين في اليابان

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف