كتَّاب إيلاف

إنه زمن الحجاب

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الذي يحدث في هذي البلاد، وفي هذه الأيام شيء غريب عجيب يحار المرء في سره وفهمه. فهذه امرأة من زميلاتنا عرفناها منذ عشرين عاما سافرة الوجه مرتبة الشعر، تفاجئنا اليوم جميعا بحجابها الوردي الجديد، كما فاجأتنا قبلها ليلى وسلوى وعشرات الزميلات. والحال على هذا المنوال منذ أكثر من عشرة سنوات، إذ لا يكاد يمر شهر إلا وتتحجب واحدة ممن عرفناهن شكلا أو اسما أو زمالة أو صداقة.
ولسن هؤلاء السيدات من النساء العاديات العاميات! بل إنهن جميعا من الجامعيات المميزات المنتجات، اللواتي يعتمدن في عملهن على النظريات والأبحاث العلمية والمخترعات والفنون، ويرفضن رفضا قاطعا الغيبيات. فمنهن الطبيبة، ومنهن المهندسة، ومنهن المحامية، ومنهن الناشطات سياسيا واجتماعيا، وفي مجال حقوق الإنسان عامة، والمرأة بشكل خاص. ومنهن أيضا الأديبات، والرسامات اللواتي يرسمن صورا بشرية وحيوانية وطبيعية. وكذلك الشاعرات الرقيقات، فتحسبهن لم يقرأن إلا الآن: (والشعراء يتبعهم الغاوون- الشعراء 224).
ما سر تلك القوة التي تفرض ارتداء الحجاب على امرأة أمضت نصف عمرها أو يزيد سافرة الوجه مطلقة الشعر؟
أي سلطة تلك التي أقنعت، ولا نقول أجبرت امرأة أن تتحجب بعد طول سنين؟ وهي طبيبة تعرف جنس الجنين في رحم أمه، وتعالج بالأدوية لا بالأدعية. أو محامية تعتمد القوانين الوضعية، أو رسامة أو شاعرة لم يمنعها تحجبها من متابعة هوايتها، أو أنها ناشطة حقوقية تطالب بتعديل قوانين الأحوال الشخصية لمساواة المرأة بالرجل في الأجر والعلم والعمل، وفي الإرث والشهادة والوصاية والسَفَر والخلع والطلاق.
أي قوة تلك التي بدلتها- وهي على المذهب الحنفي- وأقنعتها أن مصافحة الزملاء والأقرباء من المحرمات اللواتي يعاقب عليها الله، وبالأمس لم تكن لهذه القناعة مكانا في عقلها، بل كانت تجادل فيها عكس ذلك؟
تحليلات الناس كثيرة بخصوص هذه الحالات. فمنهم من يرى أن الحجاب يعطي المرأة قوة أكبر، وسهولة أكثر في تعاطيها مع الناس، فتصبح أعمالها ميسّرة مرزوقة، وآراءها مقبولة، وكلماتها مسموعة، وكتاباتها مقروءة أكثر من ذي قبل. ومنهم من يقول أن للمحيط تأثيرا كبيرا على الإنسان الذي من طبعه أن يسعى للتشابه مع محيطه، والتعايش معه والاندماج فيه، ولا يسعى للاختلاف معه والانعزال عنه. ومنهم من يقول أن الحجاب ما هو إلا رد فعل تجاه الغرب الذي بدأ يتخذ منذ تفجيرات كينيا وأحداث سبتمبر مواقف صريحة من الإسلام والمسلمين. ومنهم من يقول أنه شعار سياسي يرمي أصحابه من ورائه إلى إظهار معارضتهم لأنظمة الحكم في بلادهم. ومنهم من يدعي أنه تعبير عن مدى الظلم والقمع والكبت اللاحق بالناس. ومنهم من يقول أن غاية أصحابه كسب الدنيا والآخرة معا. ومنهم من يقول أنها انعكاس لحالة اكتئاب، سبّبها الوضع المأساوي البائس الذي نحن فيه، ونتيجة لفقدان الأمل بوجود أي بصيص ضوء في آخر النفق الذي دخلت فيه المنطقة العربية والإسلامية. ودليلهم عل ذلك، الانتشار المتزايد لتدخين (الأركيلة) وخاصة بين الشباب، والصبايا اللواتي في مقتبل العمر، كوسيلة للتنفيس عن الغضب والاحتقان، وفش الخلق.
ولكن مهما قيل وقيل، فمما لا شك فيه أننا نعيش زمنا إسلاميا جديدا. زمنا يدعى زمن الولاء والبراء، ونشوء الدويلات. زمن التكفير، ومنع التفكير. زمن القمع والكبت الفكري والعاطفي والإكراه وازدياد قائمة الممنوعات. زمن اللون الواحد، والزي الواحد، والرأي الواحد، والفكر الواحد، والقراءة الواحدة، والفهم الواحد، والتفسير الواحد، والفرقة السياسية والدينية الواحدة. إنه زمن الهجرة نحو البلاد الآمنة. زمن يتذابح فيه أصدقاء الأمس، وأبناء الحي الواحد، وزملاء الدراسة والعمل. زمن يقتل فيه الولد خاله، والجار جاره، والصهر حموه، والزميل زميله. زمن لم تعد فيه الكنائس والمساجد والحسينيات ودور العزاء آمنة. زمن لم تعد فيه المدارس ولا المستشفيات ولا روضات الأطفال آمنة من التفخيخ والتفجير، إنه زمن الخطف والقتل والفدية والمال الحرام. زمن النقل لا زمن العقل ولا زمن التنوير. إنه زمن الخراب.
وعلى سيرة العقل والتنوير أود أن أسأل إن كان ثمة أية علاقة بين التعصب الديني وما يحاول فرضه على الناس من شعائر، وبين العقل والتنوير والإبداع، وأحب أن أستشهد بهذا الخصوص بنص من إيلاف، للكاتبة المستنيرة، والباحثة في الأنتربولوجية والفنانة التشكيلية والشاعرة السيدة مروة كريدية، والتي تقول في مقال لها بعنوان "جدليات السياسة": (إن العقل الديني الأصولي يعتبر، أن الحقيقة هي وقف على الألوهة، ولا يحق للبشر أن يتطاولوا عليها، ولكن إذا اعتبرنا أن كنه الظاهرات وفهمها مرتبط بالدرجة الأولى بالتجربة العملية المتوقفة على ملكة الفهم والتحليل، فإن ذلك سيتيح صعود العقل العلمي من جديد ويفتح الأفق أمام قراءة رشدية جديدة). ورشدية نسبة لابن رشد.
وعن العقلية الدينية التي تلغي الآخر، وأثرها المدمر في المجتمع، تقول السيدة كريدية: (لا شك في أن المشاعر الدينية الإلغائية، هي الوقود الأمثل للحروب وديمومتها، وهي غالبًا ما تعود من حراكها العشوائي بين أهل الأديان المتنوعة لتتحرك بعنف أشد داخل الدين الواحد و الطائفة الواحدة)
أما عن عقيدة الولاء والبراء التي يعمل على انتشارها المتشددون الإسلاميون، فإن السيدة كريدية تسأل أو تتساءل: (هل إن المسلمين المعاصرين ما زالوا مصرِّين على تقسيم العالم دارين دار حربٍ ودار إسلام؟؟)
وأنا بدوري أسأل هل الحجاب فريضة على كل مسلمة؟ أم أن آراء العلماء اختلفت فيه؟ وهل ترتديه النساء العلمانيات، وإن شئت العلميات، قناعة أم تقية أم تسليك أمور؟ أم لسبب من الأسباب المذكورة آنفا؟
في مقال يتطرق للحجاب، نُشر في إيلاف، بعنوان "العدل والإنسان" تقول الفنانة التشكيلية والكاتبة المستنيرة والأديبة السيدة نادية سلطان: (فالحجاب لم تذكر فيه آيات صريحة، واختلف فيه الأنام بين مؤيد ومعارض). وعن العلاقة بين العدل والدين، ودور المرأة في إرساء العدل، تقول أيضا السيدة سلطان في المقال نفسه: (فكان للمرأة فضل تدشين العدل في جزيرة العرب قبل الإسلام).
أما عن العدل ذاته، ومن الذي يقيمه في الأرض، أو من المؤهل لذلك؟ فإن السيدة نادية سلطان ترشح العلمانيين لهذه المهمة، فهي تقول في مقالها إياه: (والبلد الإسلامي (تركيا) يسعى اليوم لدخول الإتحاد الأوروبي، القائم تحت راية العدل، (حلف الفضول الجديد) الذي حرر الممرضات البلغاريات (النسوة امتداد المرأة القرشية القديمة)، من يد الحاكم الجاهلي العربي الجديد، بعد تأبط شرا والشنفرى).
إنه الزمن الذي اصطبغت فيه بالأحمر مياه الرافدين. زمن الحر والقر، والذبح والنحر، والشقاق والنفاق، زمن التفخيخ والتفجير في جزائر المليوني شهيد، زمن الجثث التي تسد أزقة الصومال الضيقة، وتتعفن في ساحاتها الترابية، زمن ملايين الفقراء الذين هُجّروا، وعشرات الآلاف من الرؤوس الذين دُحرجوا، والأرحام التي بُعجت، من المسلمين، بأيدي المسلمين، في بلد اللاءات الثلاث. زمن القات والخناجر والرؤوس التي تتطاير في شعاب وجبال اليمن السعيد، زمن دويلة غزة، ودويلة الضفة الغربية، زمن الصلاة الممنوعة والمسموحة- حسب المفتي- في الساحات العامة، زمن السحل في شوارع فلسطين، زمن الذين يقتلون الأطفال انتقاما من ذويهم. زمن لبنان الذي تفتت على نار هادئة، ويرقص الآن محموما رقصة الموت الأخيرة. إنه زمن الخرافة والجهل والأميين الذين تتضاعف أعدادهم، زمن التسول ممن نتهمهم بالكفر والزندقة. زمن الأحزمة الناسفة والشاحنات المفخخة والانتحار. زمن الفساد الذي يزيف التاريخ وينهش النفوس ويشوه الأجنة، والذي يكتسح كل البلدان الناطقة باسم الله والأنبياء والضاد.
Saadkhalil1@hotmail.com

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونيه

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف