كتَّاب إيلاف

تاريخٌ من نارٍ و فِصام حضاري!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
"علينا أن نبدّل بنيان مجتمعنا، مظالمه، مناقبيته الفظيعة، التقسيمات التي اصطنعها بين الإنسان والإنسان، الحروب، الافتقار التام الى المودة والمحبة الذي يدمر العالم " كريشنامورتي خلال تطور البشرية في مسيرتها عملت الأيديولوجيات ومؤسسات الدين والمرجعيات الروحية على تطويق رقاب الافراد والجماعات وجعلت الشعوب عرضة للاستكانة الى يقينيات وافكار أدت الى انقسامات حادة، تحولت بموجبها الارض الى تجمعات تقتنها كائنات عدائية، تمارس الفوقية تجاه بعضها البعض وتستخدم العنف وتسوغه، بل وتجعله أولوية وسببا لاستمرار وجودها وحقًَا مقدّسًا دائمًا من حقوقها المشروعة.
والعنف بكل انواعه ومستوياته، يكتنز "طاقة سلبية " مدمرة، ورغبة عارمة بالانتقام، والعمل على تطويع الآخر وتأديبه وإذلاله وادخاله في دائرة الخضوع والإذعان، هذه الطاقة ترتدّ بعنفٍ "مضاد" وطاقة سلبية مرتدة، قد تتدخل فيها عوامل أخرى محيطة بها تجعلها أكثر او اقل تدميرًا.
هذه التفاعلات تدخل البشرية في "دوامة عنف حقيقية " تعمل "السياسات الدولية واستراتيجيتها "على التخفيف من حدّتها في مكان أوازكائها من مكان اخر، وفق ما تقتضيه مصالح الدول التي تكرس تحركها دورة رأس المال والاقتصاد، حيث ان السلطة والمال متلازمان، وممارسة السلطة تقتضي استخدام العنف، وبين ثالوث السلطة والمال والعنف تُطْحَن الشعوب ويستعبد الانسان. فهل هناك من يتحمل مسؤولية هذا العنف دون سواه؟؟ وهل هذا الاستبداد سببه حضارة بعينها دون سواها؟؟ او سببه شعب معين؟؟؟ او سياسات اقليمية ومحاور دولية؟؟
بداية يجب ان نقبل ونقرّ اننا ككائنات بشرية مازلنا نمارس العنف ونعتمد أساليب عاجزة عن حل صراعاتنا، وان الاوضاع المتفاقمة تضعنا أما خيار جديد مغاير للمعهود وللمقبول المُتعارف عليه في حل النزاعات، فهناك حاجة انسانية حقيقية لاحداث نقلة "نوعية" نغادر بموجبها "مستوى الواقع العنفي المستمر "الى مستوى انساني"، اننا نحتاج الى تغيير جذري في البنى النفسية المحركة للسلوك الانساني، فالانسان هو محورالتغيير وتحقيق حريّته هي السبيل الى السلام، وحرّية الإنسان التي أعنيها هي حرية عارية عن اي شروط واشراطات، انها حرية تؤدي الى انفلات الكائن من قيود يرزح تحتها ابناء البشرية اليوم على اختلاف ألوانهم وألسنتهم. كيف السبيل؟
الخطوة الاولى ربما تكون عبر "وعي" ما يدور حولنا، و تحقيق الانتباه واليقظة الى الشروط التي تتحكم بنا وتقودنا الى النزاعات والصراعات كلها، بدءًا من الصراعات الشخصية وصولا الى الحروب المدمرة، وذلك عبر جلاء "الرؤية"، التي لا تتحصل ونحن نحمل في اذهاننا صورًا جاهزة معدة سلفًا عن الاشياء والامور؛ وهنا يكمن دور "وسائل الاعلام" السلبي، التي تعمل ليل نهار على "تكريس الصور النمطية الجاهزة " عن الاشياء.
ان يقظة الوعي تعني مغادرة واقع الصورة المتخيلة في الذهنية المثقلة بالاحكام المسبقة الى رؤية ماهو موجود فعلا. ذاكرة العنف بين السيرورة التاريخية والذات الحضارية:
ان "رؤية" الصراعات الحالية يقودنا بسهولة الى معرفة ان هناك رغبة عارمة عند الفرقاء المتنازعين نحو مزيد من "الأنوية الحضارية "، فهذا شيعي والاخر سني، وهذا مسيحي والاخر يهودي، وهذا كردي والآخر عربي، وهذا كاثوليكي والآخر أرثوذكسيّ... والعقلية التجمعية مثقلة بالاحكام الجاهزة المعدة سلفًا لإدانة كل طرف للطرف الآخر، ان عقلية كهذه لا يمكن ان تكون سلمية على الاطلاق وان اتخذت من الشعارات انبلها! اننا كأفراد شاءت الأقدار ان نكون ابناء منطقة تُعد الأكثر سخونة في العالم، بل واكثرها استقطابًا للعنف وتوليدًا له، نحتاج لان نضع ايدينا على جراحنا النازفة بعيدا عن اية نماذج ترقيعية عبرحلول متكاملة تعبر فينا من واقع الصراع الى واقع الانسان ومنها:
اولا:الخروج عن جلد الذات المجتمعية والمقارنة الحضارية: فنحن لسنا خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس ولسنا أسوأ أمة عرفتها البشرية، ولسنا شعبٌ مختارٌ كما اننا لسنا شعوبًا " سائمة"، اننا ببساطة "نحن على ما نحن عليه"...
ان المقارنة الدائمة بين الذوات والحضارات التي لم تهدف سوى لاثبات تفوق مجموعات بشرية على اخرى، أوقعتنا في "عقد دونية "مقيتة وانتماءات وعصبيات، اتخذت من ردود الفعل العُنفية سبيلا لها للدفاع عن "ذات منجرحة" خائفة على هويتها وصيرورتها، المشحونة بالانفعالات الغريزية، التي تعكس غطرسة البشر تجاه بعضهم البعض، وقسوتهم من أجل ارضاء تفوقهم الذاتي، وغرورهم بحجة انهم ابناء الله واحباؤه، وبحجة انهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!
ان "العرب" على سبيل المثال لا الحصر اعتادوا بشكل دائم على مقارنة حضارتهم بحضارة الاخرين، الامر الذي اوقعهم اما في "نرجسية مرضية قاتلة " او في "عقدة دونية مميتة"، بحيث أدانوا أنفسهم بشكل مبالغ فيه، اورفعوا من قدر أنفسهم لدرجة التأليه، واليك المقالات اليومية مثالا ينهال اما "جلدًا للذات حضارية " او دفاعا عنها"....
اننا ككائنات انسانية لا نحتاج لهذه الدوامة أبدً!ّ بل الاجدى ان نصمت ونعمل بشكل بناء ونكون أكثر فعالية في اثراء الحضارة الانسانية ككل. ثانيا: نقد الذات ومغادرة الذاكرة : انّ عدم ادانَة انفسنا والتوقف عن جلدنا للذات، لا يعني ان لا نتنقد ذواتنا الحضارية؛ بل لا بد من تفكير نقدي هادئ وعميق يخلصنا من ذاكرتنا التاريخية المثقلة بالجراح؛ ان مغادرة الذاكرة تحدث يقظة في انسانية الحضارة، وهي خروج عن مألوف الثقافة ومغادرة الماضي المستمر الى غير رجعة.
ثالثًا: التحررمن الفصام الحضاري: ان غالبية شعوب المنطقة، بكل مذاهبهم واثنياتهم يدينون بأديان توصف بأنها "سماوية "، وهي التي كانت في معظم الاحيان محرك الحروب والغزوات ووقودها! فهل المشكل في "جواهر الاديان"الداعية للمحبة وسلام الارواح ؟؟ ام في الممارسات القائمة على محاكمة الآخرين الخاضعة لشروط الذاكرة التاريخية الدامية؟؟
اننا نجد انفسنا امام تعقيدات حقيقية ولا منطقية، غير اننا نستطيع ان نستخلص ان حضارات واديان الأرض تعاني من "فصام حضاري" بالغ بين "الدين كحقيقة وجوهر" و"الدين" كممارسات وسياسات خاضعة للاحوال والازمنة ولشروط الذاكرة الحضارية المثقلة بعداء الامم تجاه بعضها البعض. فالحضارة لا يمكن ان توصف بأنها إنسانية، مالم يكن الانسان فيها حرّا متساميًّا خارجًا عن توترات وازمات التناقض والصراعات، بحيث لا يكون نتاجًا رخيصًا لضلالات الامراء والحكام ورجال الدين ولتفاهات المتحاربين، وليس الباحث عن تفوق ذاتي أنوي....
فهل هذا الطرح مجرد "كلام بكلام "؟؟
لا،إنه بكل بساطة خطوة نحو "انسان حرّ" ينتمي لكون يشع سلامًا!
وان أول الحكمة أن نعي "انسانيتنا"!
ولا يَظُنن أحد ان بقاء الانسان يكون بزوال سواه!
ولن تبقى أجسادنا وقود تاريخٍ من نارٍ!
Marwa_kreidieh@yahoo.fr
http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
العنف والاستغلال
عمر -كردستان/العراق -

حقاً تاريخ من النار وفصام الحضاري، التاريخ البشري مليئة من الظلم والاستبداد والاستغلال، الانسان هو الكائن القدير، باستطاعته ان يتحول الارض الى رقعة الحياة الى السلام والمحبة والعيش المتساوي، والبشرية لها تجارب كثيرة في الحروب والعنف والدمار، ولو ان البشرية صنعت الحضارة وايضاً نفسه هو ايضاً دمر الحضارة وشوهت الحياة و تجلبت للبشرية الدمار والفوضى، بإعتقادي ان كل ذلك نتيجة الصراعات الطبقية والقومية والمذهبية وانعكس كل ذلك في مجتمع اللامساوات بين أفراده مادام ذلك فان هناك الاستغلال والعنف وفصام وغير الى ذلك.

بارك الله في امثالك
اشور بيث شليمون -

بارك الله عز وجل من امثالك ايتها الاخت المحترمة مروة - ان العرب والمسلمين تقدمهم يقع على كاهل المراة وتحررها من قيودها وعدم مساواتها بقرينها الرجل حيث من خبرتي الشخضية ارى المراة من امثالك وجب قيادة هذه الثورة الاجتماعية البيضاء وكم هم كثيرون هذه الايام ونطلب مزيدا من الاخوات من امثالك ان يقودوا هذه الحملة التحررية الانسانية

حلقات
خوليو -

عندما نعطي دوراً طبيعياً وعادياً لأنفسنا وحضارتنا مثل بقية الشعوب القديمة، بشقها الإنساني الأرضي الذي أنتج الحرف والكتابة وبشقها المسمى سماوي الذي استند على الخيال والوهم ولعب دور المترجم للحضارات القديمة ،نكون قد فهمنا أننا حلقة من سلسلة الحضارة البشرية، لعبت دورها قديماً وعلينا بالتجديد لندخل نادي العلم الحقيقي الحالي، أما وأن نعتبر أنفسنا أننا مميزون ومختارون وأن الدنيا كانت قبلنا بضلال وأن الآخرون حالياً لايزالون على هذا الضلال، فهذا ما سيزيد من عزلتنا وتنبيه الأنظار نحونا ليكتشف هذا الآخر عيوبنا التي لانقر بها،ومن لايقر بفشله لايستطيع أن يحرز نجاحاً.مقالة جيدة من السيدة الكاتبة تلامس مواقع الألم في مجتمعاتنا.

إلى أين..إلى هنا؟
واغد محمد -

حين غزا الأوربيين القارة الأمريكية وهم في أوج حضارتهم في ذاك الوقت وجدوا فيها قبائل من البشر يميل لون بشرتهم إلى الأحمر، تعيش في أدنى الظروف المعيشية وببساطة تقارب الإنسان البدائي التي تدفعه الحاجة وتحركه الغريزة إلى الاقتتاء والتكاثر، دشنوا حضارتهم هنالك بحملة تطهير وإبادة جماعية قامت على أشلاء هنودها في ما بعد الحضارة والإمبراطورية الأمريكية التي هيمنت على كل شيء حتى صارت الانجليزية هي لغة العالمية بين الشعوب لتكتمل بذلك صورة الهيمنة والسيطرة على العالم.أظن أن هذا خير دليل وأوضح مثال يحتج ويتغن به دعاة التحرر من عبودية الدين والقبيلة والعائلة للوصول إلى قمة الحضارة، التي من شروط مقوماتها الأولى في تصورهم الانسلاخ والتخلص من كل ما يجمع وتلتف حوله التجمعات البشرية، لتبدوا بذلك حجة دعاة التمسك بالدين والعادات والثقافات والمحافظة على الهويات والخصوصيات الشخصية المختلفة باختلاف ألوان و ألسنة البشر ضعيفة جدا، بل أحوالهم تشهد على ما هم عليه وفيه من تخلف وعجز على مسايرة الرتم الحضاري لنصف العالم الشمالي.لنستبعد قليلا الديانات منها الإسلام ولنبعد فكرة أننا خير امة أخرجت للناس، ولنحاول أن نتعمق في هذا النموذج الغربي الناجح ولننظر في نهاية المطاف أهذا هو النموذج الأنجع لبلوغ واللحاق بالركب الحضاري أم لا، ونقول أولا من الصحيح أن التطور العلمي والتكنولوجي ما كان ليكون في الغرب لولا تحرر العقل والفكر من السلطة والعبودية الدينية الذي حجرت عليه لعقود طويلة من القساوسة ورجالات الكنيسة، لتترسخ عند الغرب فكرة التخلف عند التمسك بالدين الذي يهيمن على العقل ويشل الفكر ومنه توقف أو تباطؤ الزمن كما حدث عند الهنود الحمر.فبرزت العلمانية كفكرة ووصفة شافية لمن أرادوا أن يسابق الزمن، فنجحت إلى دفع الشعوب إلى التحضر الاقتصادي وإلى التخلف الاجتماعي أين يصبح الفرد من حيث هو إنسان بلا هوية بلا انتماء بلا ماضي بلا جذور بلا أسرة بلا مشاعر، آلة بقدر ما تُدخل بقدر ما تُخرج إن قل قل وان كثر كثر، فيدخل الفرد في دوامة الربح والخسارة لتتجرد منه الإنسانية وتنعدم فيه شيئا فشيئا المشاعر والأحاسيس إلى أن تبرد وتتبلد الروابط الأسرية والقبلية والقومية، لتحل محلها المصلحة والفائدة المرجوة من وراء كل علاقة مع الآخرين فتتفسخ بذلك روابط النسيج الاجتماعي ليصبح المجتمع مهددا وعرضت عند أول انهيار اقتصادي إلى التح