كتَّاب إيلاف

هالة والملك... أزمة الأقنعة وإشكالية الوجه الثاني؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
اقر واعترف بان سيدة النشوة العربية، جارة القمر " نهاد حداد" الشهيرة بفيروز هي وهي وحدها فقط التي تملك المقدرة على أن تأخذني بين أحضان أغنياتها ومسرحياتها الغنائية وألحان الأخوين رحباني وتحلق بي في أعلى عليين بعيدا عن القرءات السياسية والتحليلات الاستخبارية والرؤى النقدية ونادرا ما تفشل في اختطافي من الحاضر بألمه ودائما ما تلقي بي إلى المستقبل بأمله سيما في اعمالها التي تتخفى فيها المعاني السياسية والاخلاقية بل والانسانية في ثوب من الفن الراقي الرفيع الذي قل ان يتواجد على خشبات لامسارح وفي دور العرض في حاضرات ايامنا.
من بين تلك الاعمال والتي اعلن مؤخرا انها ستتحول الى فيلم سينمائي كانت مسرحيتها الغنائية الخالدة هالة والملك والتي كانت قد قدمتها في وقت المحنة من عام 1967 وشاركها البطولة وقتها الفنان الكبير نصري شمي الدين وها هو المخرج حاتم علي يستعد لاخراج المسرحية في اطار ربما يختلف مظهرا لكن يبقى متفقا جوهرا مع ما ابدعته العظيمة فيورز من قبل وقد كان الخبر مدعاة لان اشاهد المسرحية عبر الاقراص المدمجة للمرة الاولى بعد المائة ومن جديد.
وفي الحق إنها عوضا أن تحلق بي هذه المرة في سماوات النغم وجمال وعذوبة الأداء وروعة الألحان جذبتني في غير رحمة إلى الواقع المرير الذي تعيشه الشعوب العربية والتي تسعى الأمم للتكالب عليها لتقسيمها من جديد حسب مفهومها المانوي بين معسكري الخير المطلق والشر المستطير.
في مسرحية هالة والملك تدور الأحداث حول الصراع بين الصوت الصارخ في البرية الذي ينبه الناس ويرفع الالتباس والذي يفكر بحزم ويعمل بعزم وبين الفساد والرياء وما يستتبعهما من فقر وفساد وأزمات وتخلف.
القصة تدور حول احتفال مدينة سيلينيا بعيد سنوي هو عيد "الوجه الثاني" أو عيد الأقنعة" وويل لأمة كثرت فيها الأقنعة وقل فيها ظهور الوجوه على حقيقتها.
في العيد يلبس مواطني سيلينيا أقنعة ويمثلون أدوارا في السهرة لكن هذه السنة يطلب الملك أن يلغي الاحتفال بسبب نبؤة متنبئ قال له إن أميرة ترتدي قناعا سوف تحضر هذه الليلة إلى العيد وهذه الأميرة قدرها أن تصبح عروسا للملك وعليه فقد طلب من الجميع أن ينزع قناعه حتى يتمكن من معرفة الأميرة غير المقنعة.
وتشاء الأقدار أن تصل هالة مع أبيها هب الريح إلى سيلينيا قادمة من ضيعة درج اللوز كي يبيعا الأقنعة في العيد وتفاجأ بأنه قد الغي فيذهب الأب لأقرب حانة ليسكر تاركا ابنته بمفردها في الساحة.
ولوهلة ظن أهل المدينة أنها الأميرة المنتظرة فأخذوها إلى القصر في حالة من الاضطراب وألبسوها ثيابا تليق بالملك وبمقامه وعبثا حاولت إخبارهم قصتها الحقيقية وحينما استدعى الحراس هب الريح ليشهد على ما تقوله ابنته كانت المفاجأة الأكبر أن الرجل أنكر عليها ابوته بدافع أن ما يعرض عليها فرصة لا تعوض في أن تصبح زوجة الملك والمتحكمة في مصائر البلاد والعباد، فقط يلزمها أن تقبل بارتداء القناع وتعيش حياة الوجه الثاني كما يعيش معظم من هم حول الملك عادة.
غير أن هالة وعبر أربعين يوما عاشتها في قصر الملك لم تكن لتقبل وجها مزيفا مغايرا لحقيقتها فالحق عندها أحق أن يتبع وفي رفضها للقناع أطلقت صرختها التي تعبر عن واقع حال أهل سيلينا عندما جالت في وسطهم " وجوهكن العارية خوفتني ".
رفضت هالة استغلال الملك في الحال والاستقبال، قالت لمن سألوها الاستمرار في تأدية دورها المغشوش " بدون الحب لا معنى لأي شيء في الحياة ".
وبدون تطويل ممل يجئ يوم العرس ويأمر الملك أن تحضر الأميرة، اخبروه أنها تعد نفسها للاحتفال غير أن شحاذ المدينة يقدر له أن يصارح الملك بما لم يقدر عليه احد، إذ يخبره أن هالة ترفض الزواج منه فلا يكون من الملك إلا أن يتنكر في ثياب الشحاذ ويلتقي هالة على قارعة الطريق ليعرف سبب الرفض.
هالة كعادتها ذات وجه واحد لا يبرئ المذنب ولا يذنب البرئ لان كلاهما مكرهة في النواميس الأدبية والروحية والطبيعية، تصدم الملك بحديثها عن أحوال الرعية، تخبره عن الفقر في المدينة،عن غش مساعديه، عن الفساد الذي ضرب في جوانب المملكة، عن رفضها لارتداء القناع والزواج منه واستغلاله، ولم تكن هالة تعلم أنها تتحدث مع الملك ذاته غيران الأخير في حكمة بالغة استوعب ما قالته فالأقنعة كثيرا ما تخفي عليه حقائق الأمور وكما يقال في الأدبيات السياسية أن من يوسوس في أذن الملك اخطر من الملك.
في ختام "هالة والملك" نرى بطل المسرحية ملك سيلينا " نصري شمس الدين " يستمع إلى نصيحة هالة الحقيقية لا المنحولة " لا تحاكم ولا تسجن كل المخادعين الذين يحيطون بك لأنك عندها لن يبقى هناك من تحكمه ".
والشاهد أن الربط الذي دار في ذهني بين رواية الأخوين رحباني وبين واقع حال غالبية المجتمعات العربية اليوم دعا لتساؤلات مريرة عديدة فهل نحن على هذه الدرجة بالفعل من الزيف والخداع حتى انه إذا أراد الملك أن يخلع عنا الأقنعة لحكم علينا بالسجن أو النفي بسب ما نحن عليه من ثنائية بغيضة؟ أم أن أعمال الحاشية هي التي دعت جماهير سيلينيا لهذا الشكل من أشكال " التقية " إن جاز التعبير؟
معادلة مزعجة تلك التي تثيرها هالة التي تصمم على الخروج من المدينة مع والدها هب الريح غير متزوجة فقيرة من المال غير أنها أغنى أهل الأرض بما تملك " إذ تملك الحب وقادرة على أن تغني لوطنها وتحب من تشاء. تملك ما لا يملكه المتجبرون، تملك نفسها ورؤيتها وتملك الحقيقة وتملك قناعاتها وتقبض بأسنانها على خيوط كرامتها لكي تحميها من السقوط ".
وفي رفض هالة لارتداء قناع مملكة سيلينيا تدرك أن الأرض الصلبة الوعرة الشديدة الانحراف تعلم النفس الآبية أن تزرع حتى في الحجر كي لا تكون هناك منة من احد ولان الحرث في الحجر أبقى من الحرث في الكرامة والخلق وجمال النفس وبساطتها كما يقول الكاتب العربي المبدع الاستاذ سمير عطاالله غير مرة..
سامح الله جارة القمر التي قلبت مواجع وأحزان حياتنا ومجتمعاتنا العربية في زمن تعقدت فيه أحوالنا من جراء القناع الثاني ولم تعد هي تلك الحياة البسيطة التي كنا نحياها في الماضي والتي كانت تحكمها أعراف تنطوي على قيم جليلة كالتواد والتراحم والحرص على احترام إنسانية الآخرين حين كان المجتمع يطرح عنه الفردية والأنانية والذاتية وحين لم يكن شعار انا ومن بعدي الطوفان قد ارتفع بعد وحين لم نكن نعرف هذا التسيب العارم الذي اجتاح حياتنا المعاصرة.
هالة تدفعنا بين يدي هذا المشهد للاعتراف بان مجتمعاتنا العربية الآن باتت تعوزها القدوة فالأفراد يعرفون ويسمعون بل ويدركون الكثير عن الانحرافات التي تؤرق ضمائرهم بل هم يرونها تقع في أوساط ومستويات كان الأولى أن تتسم بالنزاهة ويفقدون الثقة في كل ما يحيطهم عندما يلحظون أن العقاب قد يلحق بالبعض دون البعض الأخر وعلى حين يناشد الموسرون العامة شد الأحزمة على البطون نرى أن من له يعطي ويزاد ومن ليس عنده يؤخذ منه.
كارثة القناع الثاني على الدوام انه يعطي الفرصة لتغطية الوجوه التي تتمسح بالشعائر الدينية والعبارات الدوجماطيقية المطلقة في بحثها عن الفردوس المفقود والمدينة الفاضلة وتهمل واقع حال الفقراء والمهملين والمعذبين على الأرض فهولاء لا مكان لهم في زمن العنصرية البغيضة والضعفاء لا يرثون الأرض كما يقول المفكر الامريكي الشهير نعوم تشو مسكي .
لم تشاء هالة أن تخدع ملك سيلينيا من خلال الانسياق وراء الشعارات الغوغائية وغير الواقعية، رفضت أن تسكن بين جدران غاب الحب عنها وبين أهليها، لن تخدعه كما يفعل الجميع، ان تنكفئ على ذاتها في ضيعتها الأفقر درج اللوز، أكرم لها من الهتاف بأصوات زاعقة ورفع رايات فاقعة لما يرتئيه البعض انه حلول وفي واقع الأمر ليس بحلول على الإطلاق وإنما مقولات جوفاء كنحاس يطن أو صنج يرن،وإذا أحسن الناس الظن في لون من ألوان الغفلة ما يقال على الملا داهمهم الواقع بما يجرح مشاعرهم لما يجري من وراء الأقنعة ويخبئ مكنونات الصدور لاسيما في ظل منظومة إعلامية عربية أضحت تعني بمفاهيم الربح وحسابات الشطارة بأكثر مما تعني بقيمة العمل ورفعة المثل وندرة القدوة.
هل نحن في حاجة من جديد للتساؤل لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم كما تساءل قبل نحو قرن الأمير شكيب ارسلان؟
ربما تكون أزماتنا في أننا لا نزال نعيش مرحلة تكافؤ الأضداد في الروح العربية أو ما يطلق عليه في الغرب الازدواج الأخلاقي MORAL PARADOX من خلال الإصرار على أن تكون أوقاتنا كلها عيدا " للوجه الثاني ".
وتبقى الحاجة على الدوام إلى هالة والتحية لها واجبة أينما حلت وكيفما ارتحلت ففي حبها وعيدها وإخلاصها لشعبها ووطنها ومليكها وعبر الحب الذي يمتلكها ترفض الخداع والزيف وان تطلب الأمر المغامرة بتعرية الوجوه من زيف الأقنعة غير خجلة أو وجلة فالحب يمتلكها بأكثر مما تمتلكه وفيها يصدق قول الاديب الكبير جبران خليل جبران" أما أنت إذا أحببت فلا تقل الله في قلبي بل قل انا في قلب الله ".


كاتب مصري

emileamen@ yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
Thank you a million
magdi -

EmilI enjoyed reading your article. Can can not agree more with you. I left my country Egypt as a direct reaction to June 1967 disaster. In our innocent youth age we trusted who wer controlled our destiny. All the sudden hundreds of masks and thousands of lies uncovered. Our nation is not the Strongest in Middle East Our leaders are bunch of crooks and the vctims ars the whole generation of Egyptians. God bless you, hoping to see more of your writtings.

سلام
...... -

تحيه حاره استاذ اميل