كتَّاب إيلاف

القانون والنشر

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فى قانون الجزاءات (العقوبات) المصري، وفي كل قانون مماثل، فصل عن جرائم النشر، وهى النشر بطرائق خاصة فيها علنية و تتضمن جنحة قذف او سب فى حق آخر، أو جرائم أخرى من هذا القبيل، وليس هذا الموضوع المقال، ذلك أن موضوعه هو النشر الدارج في الصحف والمجلات عن جرائم وقعت أو أحداث تمت أو إجراءات اتـُّخذت، سواء من جانب السلطة أو من جانب شخص أو أشخاص بذواتهم. وهذا النشر يحدث عادة باعتباره حقا للمجتمع فى معرفة كل ما يجري فيه، من السلطة أو من الشعب، وهو بهذه المثابة لابد أن يلتزم الدقة والحياد والموضوعية، فلا يتسرع ولا يبتسر، ولا يهوّل ولا يهوّن، ولا يجمح ولا يجنح، لكنه يستقصى الموضوع من كل جوانبه ويقدمه فى توازن بين كل عناصره، بحيث يكون حقيقة ترمى إلى إعلام الشعب بما يجرى فيه، دون أية محاولة للتأثير عليه، على نحو أو آخر، وهو أمر بالغ الصعوبة - إن لم يكن مستحيلاً - لأن كثيرا من الصحفيين يتسرع فى تحرير موضوعاته، ولا يكون على التزام كامل بأجلاقيات المهنة، فيقدم ما يكتب من زاوية خاصة أو رؤية معينة أو اتجاه بذاته، خدمة لجهة أو مؤسسة أو سلطة، أو نفعا لشخص ذا مال أو ذا منصب أو ذا مطمع، والمقابل معروف طبعا، وإن تخفىّ تحت أوضاع عامة أو تسمى بأىّ اسم خاص.
وحتى لا يكون الأمر تجريدا بلا تحديد، يقدم المقال أمثلة من الواقع المصرى، والتى تجد ما يقابلها أو يدانيها فى كثير من البلاد العربية:


(أzwnj;)ففى فترة سابقة انفجرت الصحافة فى مصر بالكتابة عما سُمّى تنظيم عَبَدة الشيطان، وأفاضت فيه الصحافة بما يفيد أن جماعة من الشبان والشابات أقاموا تنظيما لعبادة الشيطان، وهم من ثم وتحقيقا لأهدافهم يرتدون ملابس سوداء، ويضعون تمائم غريبة (كالجمجمة مثلا) ويقيمون حفلات صاخبة فى ظلام لا نور فيه، وتجرى فى هذا الظلام محرمات من الجنس وغيره.
ظل النشر يتواتر بصورة ملفتة، وهو يذكر اسماء الأشخاص الذى قـُبض عليهم وهم يمارسون هذه العبادة، وينشر صورا لبعْضهم، ويتابع ما حدث لهم من تحقيق أجرته نيابة أمن الدولة العليا، وأوامر الحبس الاحتياطى (التوقيف) التى صدرت بحقهم. وتطوع فضيلة المفتى - آنذاك - وصرح بأنه لابد من إعدام هؤلاء المجرمين فى مكان عام، دون أن يلتزم وقار المنْصب وهدف الدين وحداثة أعمار المتهمين، فيدعوا إلى حسن توجيههم أو يتطوع هو إلى عرض التوجه إليهم حيثما كانوا لهدايتهم بالكلمة الطيبة.
ظل كثير من الناس يتصل بي، كأني المسئول عن السلطة القضائية وما يصدر عنها، وهم يشكون من الظلم الذى حاق بأبنائهم والتشهير الذى طال أسماءهم، بينما هم أبرياء، شباب يقيم حفلات بلا هدف إلا التسلية، وإن ارتدى بعضهم أزياء خاصة، فهو أمر يتعلق بهم وبأذواقهم، وليس اتجاها عاما لدى كل مجموعة.
من كثافة النشر، وكثرة اتصالات الناس بى، اتصلت بدورى بالنائب العام وتحادثت معه فى أن ما نشر فى الصحف ليس إلا تشهير بشباب برىء وإن ضل السبيل، وأنى لا أجد فيما نـُشر جريمة، وأنه لا يصح التشهير والتشنيع بشبان عابثين، لكنهم لم يأثموا ولم يُجرموا، ومنهم فتيات قد تقف الواقعة فى مستقبلهن فلا يستطيعون الزواج أو يضطرون إلى التبرير لذويهن وأصدقائهن وأولادهن طوال الحياة، لمسح وصمة عار لحقت بهن، وأضفت أن الشرطة تحتجز الشخص لمدة 24 ساعة قد تمتد إلى 48 ساعة بأمر من النيابة العامة، وذلك لتجمع أدلة الإتهام، أما الحبس الإحتياطى (التوقيف) الذى يصدر من النيابة العامة فمشروط بأن تكون الأدلة كافية ضد المتهم، لكنه لا يجوز أن يحدث أبداً لجمع الأدلة، وإلا حّول النيابة العامة إلى جهاز للشرطة، يجمع الأدلة بدلا من أن تلتزم أحكام القانون فتقف عند تقديرها لكافة الأدلة المقدمة لها، ولا تتعدى.
وبعد أيام قليلة، بدأت نيابة أمن الدولة العليا تفرج عن الشبان والشابات نفرا نفرا، حتى إذا ما أُفرج عنهم جميعا صّرح المحامى العام (المدعى العام) لهذه النيابة بأنه لم تكن هناك قضية لعبادة الشيطان. فلم كان الحبس والتشهير وهو أمر يمكن أن يحدث لأى مواطن؟


(ب) أتـُّهم موظف قيادى فى التليفزيون المصرى بالاختلاس وغيره، وقـُدم إلى المحاكمة ولم يتوقف النشر طوال المحاكمة غير أنه لم يكن نشرا محايدا، فهو إما أن يعرض الوقائع بصورة تفيد المتهم أو بطريقة تسىء إليه، مع أن المتهم برىء حتى تثبت ادانته. وذات صباح كنت أتصفح جريدة قومية شهيرة فقرأت عنوانا كبيرا على صفحة كاملة نصه (براءة فلان الفلانى وهو المتهم المذكور). ولما قرأت الموضوع تبينت أن الحكم لم يصدر بعد وأنه كان سيصدر يوم نشرت الصحيفة القومية اعلانا ببراءة المتهم، تابعت الموضوع فى اليوم التالي فتبين أن المحكمة قد حكمت بإدانة المتهم وقضت بمعاقبته بالأشغال الشاقة المؤبدة، ولم يحدث أي اجراء من المحكمة فيما نشر ولا اهتمّت النيابة العامة به ولا انتفضت الشرطة له، مع أن الخطأ فيه واضح وثابت، فإن كان النشر قد صادف الحكم لكان دلالة على أن الصحفى الذى نشره قد علم بالحكم قبل صدوره، وهذه جريمة فى ذاتها، وإن خالف الحكم ما كان قد نشر بشأنه لكان معنى ذلك أن الصحيفة القومية حاولت التأثير على المحكمة ليكون الحكم موافقا لما كتبته. وفى الأمرين جريمة محققة لم يهتم بها أحد.


(ج) كان قد صدر لى حكم بافلاس ناشر، ولتنفيذ هذا الحكم سددت الأمانة المقدرة فيه لوكيل الدائنين، وطالبت بتنفيذه، لكن وزير العدل الأسبق ومساعده (الذى توفاه الله بصورة مؤلمة) وقفا (أوقفا) تنفيذ الحكم بإجراءات غير قانونية ومخطئة. فأبلغت رئيس الجمهورية عن هذا العبث المخالف للقانون، وكتب رئيس تحرير صحيفة قومية كبرى عن خطأ وزراة العدل فى ذلك. ولمصالح متبادلة، ظهرت فيما بعد وطرحت أمام المحاكم، فقد تغير رئيس التحرير وتحول إلى النقيض، فعاب مسْلكى، وأفسح المجال لوزير العدل المذكور ولمساعده ولمن أدّعى أنه وكيل الدائنين بل وللتاجر المفلس فى حملة ضدى تدّعى زورا وبهتانا، أنه كان يوجد حكم افلاس ضد الناشر وانتهى بالتصالح، وأنى أطالب المحكمة - استنادا إلى سمعتى وشهرتى - بأن تحكم لي حسب ما أطلب،مع ان الحقيقة عكس ذلك تماما، إذ كنت أطالب بتنفيذ حكم ولم أكن اطالب بالحكم لي في شىء. وكان الهدف مما فعلوا التشهير بي وإدخال الغش على رئيس الجمهورية زعما بأن المسألة غير ما ذكرت وأنها متروكة للقضاء، وهو قذف فى حقى محل دعوى لم يفصل فيها حتى الآن ضد وزير العدل الأسبق وورثة مساعده ورئيس مجلس ادارة الصحيفة والناشر. وقد حاولت فى حينها تصحيح الخطأ فكتبت إلى رئيس التحرير (الذى كان يدّعى صداقة واعجابا بى وبما أكتب) فأغلق باب النشر فى الموضوع، لعِلـّة في جيب يعقوب، كما امتنعت كل الصحف عن نشر الحقيقة خوفا من وزير العدل الذى يشرف بحكم القانون على النيابة العامة، ومنها نيابة أمن الدولة العليا. ولم تنشر ردى إلا صحيفة الوفد - بحكم صلتى بفؤاد سراج الدين (باشا). ولم تجد العصبة المخالفة إلا رئيس نادى القضاه آنذاك، فأرسل كتابا منه إلى كل رؤساء تحرير الصحف يطلب منهم عدم نشر أى شىء يتعلق بقضية مطروحة أمام المحاكم وإلا فإنه سوف يبلغ النيابة العامة ضدهم (وما هو إختصاصه فى ذلك؟). ولم يقف النشر إلا فى طلب التنفيذ المذكور إضرارا بي. واستمر بعد ذلك بصورة مبالغ فيها، فى كثير من الصحف، وحتى اليوم، فإنما رَفعٌ الى أعلى عليين وإما خفضٌ إلى أسفل سافلين.
إن النشر والشهادة فى مصر والبلاد العربية لا تلتزم الصدق ولا تتبع الحق، لكنها تكون غالبا مجاملة لشخص أو هيئة أو مخاصمة لشخص أو هيئة، مع أننا نردد فى اليوم ألف مرة، القول الشائع (لعن الله قوما ضاع الحق بينهم).
مثل النشر مثل أى اتجاه أو مسلك آخر فى البلاد العربية، ولن ينصلح الحال وتعتدل الأمور ويسير كل شىء في سبيل مستقيم، إلا إذا التزمنا جميعا كلمة واحدة نحْيا بها ولا نرددها أو نكررها على الظاهر ومن الشفاه، تلك الكلمة هى " الصدق ".
saidalashmawy@hotmail.com

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقة قانونية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
انتقاد احكام القضاء
د. رأفت جندي -

لا افهم حتي الآن كيف لا تكون هناك حرية انتقاد حكم قضائي في مصر. افهم ان الخوض في نقد حكم قضائي مدني عمل غير حكيم لعدم المام الناقد بكل ملابسات القضية, ولكن كيف لا يحق لاي كاتب ان لا ينتقد حكم بعدم احقية محمد حجازي بتغير بينات بطاقته من مسلم الي مسيحي. اليس من حقنا ان نقول ان القاضي ضرب بالقانون عرض الحائط؟

لماذا الترجمة؟
جمشيد -

لماذا تترجم لنا العربية للعربية:الجزاءات (العقوبات)... الحبس الاحتياطي (التوقيف)... المحامي العام (المدعي العام)... هذه ليست لغة رجل قانون. نحن نعرف العربية ونفهم العربية ولسنا بحاجة إلى ترجمتها إلى العربية.الشي الوحيد الذي لا نفهمه هو كلمة المستشار... فما ترجمتها يا استاذ؟