كتَّاب إيلاف

الشمولية والتعددية والتمرد

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
هل التنوع في الكيانات السياسية نور أم نار، نعمة أم نقمة، مصدر ثراء للكيان أم عامل تفتيت وهدم؟
ما الفرق بين الوحدة والأحادية، وبين التوحيد والهيمنة.. متى نكون بصدد عمليات دمج للأقليات في محيط الأغلبية، ومتى يكون الأمر محواً وتعسفاً بها؟
ما العلاقة بين عصر العولمة، وبين انتشار وتفاقم الأزمات الطائفية على مستوى العالم، وهل يتجه العالم للتوحد أم التشرذم، وهل تشكل الظاهرتان العولمة والطائفية تيارين متضادين أم مترافقين؟
تقوم الكيانات السياسية الحديثة على نظرية العقد الاجتماعي، التي جاء بها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632 -1704م)، والسويسري جان جاك روسو (1712 - 1778م)، الكيان السياسي وفقاً لهذه النظرية يقوم على اتفاق المجتمع على 'حد أدني' من القواعد والقيم والمبادئ المشتركة، تقوم الدولة على رعايتها وتفعيلها، على أساس أنها كافية لضبط حركة وعلاقات الأفراد داخل المجتمع، بما يتيح لأفراده ومكوناته الحد الأقصى من الحرية وتحقيق الذات، في ظل مبدأ أن 'لا حدود لحرية الفرد إلا تلك التي ترسمها حدود حريات من حوله'.
بعبارة أخرى يفرض المجتمع على نفسه، أو تفرض الدولة عليه 'حداً أدنى' من الاتفاق، ليكون ما عدا ذلك أساسه الحرية المطلقة، فإذا ما انتقص هذا 'الحد الأدنى' عن القدر المطلوب لضبط حركة المجتمع، كان هذا مؤشراً على تداعي سلطة الدولة وتفكك المجتمع، فما يمكن أن نسميه 'فائض حرية' هنا يدخل في بند الفوضى، من حيث هو انتقاص من حجم السيطرة المطلوب لحفظ المجتمع متماسكاً بالقدر اللازم لاستمرار تواجده وحيويته.
في المقابل إذا زاد هذا 'الحد الأدنى' من التوافق أو التحكم من الدولة، سواء بضغط من السلطة في سعيها باتجاه الاستبداد، أو بضغط قوى مجتمعية تنحو للشمولية، فإن 'فائض القمع' هنا - كما يمكن أن نسميه- يتجه إلى تنميط الأفراد والجماعات ومحو خصوصيتهم، فعندما تحاول جماعة داخل المجتمع -مستعينة بما تملكه من قوة عددية أو مادية- أن تفرض رؤاها على باقي مكونات المجتمع فيما يتجاوز 'الحد الأدنى' المتفق عليه، ليمتد التوحيد إلى حياة الأفراد الخاصة ومجال حريتهم، كما ينحو البرنامج السياسي الذي عرضته جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بمصر، مدعومة ببارانويا تصور الكمال والعظمة المطلقة لمقولاتها، فإن هذا السعي يصنف كمحاولة لمحو هوية وخصوصيات الأفراد والجماعات المنتظمة في المجتمع، ولا يمكن في هذه الحالة أن يعد من قبيل التوحيد الضروري لبقاء المجتمع متماسكاً.
فالفارق الأساسي بين محاولات دمج الأقليات في المجتمع، وبين الهيمنة عليهم ومحو خصوصياتهم، لا يكمن فقط في طبيعة الأسلوب المستخدم، بمعنى أن يكون استخدام الوسائل الناعمة مثل التأثير عبر الثقافة وقوانين ضبط السلوك هو من قبيل الإدماج، فيما التأثير بالعنف والاضطهاد والقمع هو من قبيل المحو والتعسف، فرغم أهمية الأسلوب الذي قد يحسم الأمر إذا كان عنيفاً، فلابد أن يصنف كقهر مهما كانت المبررات، إلا أن الأسلوب الناعم أيضاً يصنف كقهر للأقليات، إذا كان يسعى إلى تجاوز 'الحد الأدنى' الضروري للاتفاق بين المجتمع، ليمتد إلى خصوصيات الأفراد والجماعات، لتحقيق 'فائض قمع' يسخر لصالح الطغيان، وليس لصالح تنظيم حياة المجتمع.
من نفس هذه الرؤية يمكننا تقييم ما يجري من حراك مجتمعي، فإن كان باتجاه توفير 'الحد الأدنى' الضروري من التوافق، يكون اتجاهاً توحيدياً، وإن كان يسعى لتجاوز هذا 'الحد الأدنى' يكون سعياً لترسيخ الأحادية والهيمنة، بالمقابل إذا كان سعي البعض للحرية أو الخصوصية ينتقص من 'الحد الأدنى' الضروري للتوافق، فإنه يعد تمرداً وسعياً لزعزعة استقرار المجتمع، وربما جاز هنا أن نضرب أمثلة على مثل تلك الحركات بمنظمة 'إيتا' الانفصالية في إقليم الباسك بأسبانيا، وحركة 'أبو سياف' في الفلبين، وسائر الحركات الأصولية الدينية في الدول ذات الأغلبية المسلمة، في حين أن السعي لتخفيض وتحجيم مساحة الهيمنة بالمجتمع، لتقتصر على 'الحد الأدنى' الضروري، يصنف سعياً للتحرر، ويمكن أن نضرب هنا أمثلة بالأكراد في العراق وإيران وتركيا وسوريا، وكذا الأمازيغ في الجزائر، وقبائل جنوب السودان ودارفور، كما يمكن أن ندرج هنا أيضاً سعي الأقباط في مصر للحصول على المساواة وحقوق المواطنة، رغم خصوصية وضع الأقباط واندماجهم العضوي في النسيج المصري فائق التجانس، ولا نستنكر أو نستبعد هنا ما قد يثار من اعتراضات على ما أوردنا من أمثلة عملية وتصنيفاتها، كما نقر بعدم التجانس في طبيعة هذه الحركات، وبالتالي تعسف إدراجها باطمئنان داخل تصنيف محدد.
نفس تلك الرؤية تنطبق على ما نعرفه بعصر العولمة، فالعولمة ليست محاولة للهيمنة ولتسييد ثقافة واحدة على العالم، على حساب هويات وثقافات الشعوب، العولمة اتفاق وتوحيد للشعوب على 'حد أدنى' من القيم والمبادئ المشتركة، التي تكفل علاقات حرة وقوية بينها جميعاً، وتسعى في الوقت نفسه إلى تحرير ما زاد عن هذا، ليكون مساحة مضافة لصالح حرية الشعوب والطوائف والأفراد.
يقتضي التوفيق في عصر العولمة محاصرة وتأديب الدول والمنظمات المارقة، أي التي ترفض قبول 'الحد الأدنى' للاتفاق الإنساني، كما يقتضي شق التحرير في العولمة إتاحة الفرصة للأقليات والأفراد لممارسة خصوصياتهم ووجودهم الأصيل authentic، وضمان عدم تعرضهم للقهر والهيمنة، ويجيبنا هذا التصور عن تساؤل تصاعد مشاكل الأقليات في زمن العولمة والتوحيد، فهنا تجد الأقليات المغلوبة على أمرها من يمد لها يد العون، للتخلص من نير فائض القمع، الذي فرضته عليها حكومات مستبدة، أو أغلبية فاشية وشمولية الفكر.
إذا تساءلنا عما إذا كان التنوع نعمة أم نقمة، نجد أكثر الإجابات مباشرة على هذا السؤال، هو أن التنوع في أي مجتمع ثراء، من حيث أنه يتيح بدائل وخيارات متعددة، وهو ما لا يوفره النمط الواحد والفكر الواحد، هذا بالطبع إذا ما أدرنا ظهورنا لوهم الحقيقة المطلقة، والأيديولوجية الواحدة الوحيدة الصالحة صلاحية مطلقة لكل زمان ومكان وبشر، لكن ما يعنينا في هذه المقاربة هو ما يمكن اعتباره 'رسالة الأقليات التحريرية'، ذلك أن هناك فيما يبدو في طبيعة الإنسان والتجمعات البشرية نزوعاً للأحادية والتنميط أو القولبة، والسلطات الحاكمة قد ترى أن الأحادية والنمطية تسهل لها مهمة السيطرة، كما تنحو الجماعات إلى التقليد ومحاربة التفرد، وهنا بالتحديد يكون وجود الأقليات بصفتها عنصراً مختلفاً في الجنس أو العقيدة أو الفكر بمثابة ضمان بألا تتفاقم نزعة التوحيد أو الأحادية، فتتجاوز ما اتفقنا على تسميته 'الحد الأدنى' الضروري، وإلى هنا يكون التنوع نعمة.
لكن النعمة يمكن أن تنقلب إلى نقمة إذا ما امتد الخلاف بين مكونات المجتمع إلى المنطقة التي لابد من الاتفاق عليها ليحتفظ المجتمع بكيانه، هنا تستحق الجماعات المسببة للانشقاق تسمية جماعات متمرد أو خارجة على القانون، كما تقع النقمة أيضاً إذا ما كانت الأقلية قد تطبعت بالروح الشمولية والأحادية السائدة بالمجتمع، فلا تكون الأقلية قوة تسعى للتحرير، وإنما تكون بمثابة شمولية صغرى تتصارع مع شمولية كبرى، وهذا ما يجري من صراع طائفي بالعراق حالياً بين السنة والشيعة، ففي مثل تلك الحالات نجد أن للجانبين المتصارعين ذات النهج في التفكير والسلوك، وذات الاعتقاد في امتلاك الحقيقة المطلقة، ونجد الأمر كما لو كان صراعاً على اقتسام كعكة، كل يحاول الاستحواذ على أكبر جزء منها، ويسود اللعبة منهج المجموع الصفري zero sum game، فيتصور كل طرف أن ما يحصل عليه الطرف الآخر لابد وأن يكون خصماً من رصيده الخاص، وهو المنطق السائد في معظم المشاكل الطائفية، كما نلمحه جلياً في خطاب مناهضي العولمة في بلادنا، وفي مقولاتهم عن نظرية المؤامرة، والتي يتهمون بموجبها الدول الكبرى بالسعي لتحقيق مصالحها، تحت تأثير تصور أن مصالحها لابد أن تكون خصماً من مصالح شعوب أخرى، وهذا بالطبع مختلف تماماً عن ذهنية اللعب التنافسي competitive game، والذي يمكن أن يحقق فيه الجميع أرقاماً قياسية بالتفوق على أنفسهم.
عوامل عديدة تدخل في توجيه التفاعلات داخل المجتمعات القائمة على أساس التعددية، قد يصنف بعضها كعوامل مادية، مثل الصراعات على اقتسام الثروة، سواء في ظروف الوفرة أو الندرة، لكن يبقى دائماً دور جوهري للصفوة في تلك المجتمعات، ومدى وعيها واستنارتها، ودور لا يقل جوهرية لطبيعة الثقافة والأيديولوجية والعقائد المسيطرة والمتوطنة، فمن أصعب الأمور تعايش التعدد والتنوع في ظل توطن فكر شمولي وسلطوي مهيمن.
kghobrial@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
نقد ضرورى
د0 ياسر العدل -

لأن الكيانات السياسية بطبيعتها كيانات انسانية ولأن الوجود الانسانى متعدد فى عوامل تكوينه ، هكذا تصبح نظرية العقد الاجتماعي هى احدى النظريات لتفسير وجود الدولة، هناك نظريات أخرى تطرح تفسيرات أخرى لوجود الدولة ، انا شخصيا ارى نظرية حب الحياة هى الاساس لوجود الأشكال المتباينة من صور العائلة الأسرة القبيلة الدولة، هذه النظرية تراعى حركة الجدل بين العوامل المحتلفة والحاكمة للوجود البشرى. نظرية حب الحياة لا تقيم وزنا لذلك الفصل التعسفى بين حرية الجماعة على حساب حرية الفرد ولا تضع حدا تعسفيا لملصقات نظرية تحتاج الى تعريف موضوعى مثل فائض الحرية وفائض القمع ، الذى يضع حد التوازن هو جدل الانسان، وعليه يصبح للشمول الفكرى تمارسة الجماعة الغالبة فى حالة جدل مع التكلس الفكرى تمارسة الأقلية، جدل الانسان هذا يترك الباب مفتوحا للتخلص من الشمول والتكلس.