كتَّاب إيلاف

حزيران، أزمة الشعارات والهزيمة المستمرة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
تحية لرائعة "كاسك يا وطن" تشكل الشعارات في العالم العربي أحد جذور أزمة الاغتراب التي يعيشها المواطن العربي إزاء دولته الحديثة وموقعه فيها. ويمر شهر حزيران كل عام ومعه ذكرى المأساة الأليمة التي عاشتها الشعوب العربية غداة ما سمي بحرب الأيام الستة (5-10 حزيران 1967) وانكشاف الهزيمة السريعة للجيوش العربية وأنظمتها أمام إسرائيل وضياع الضفة الغربية والجولان وسيناء، إضافة الى أعداد القتلى والجرحى والمعوقين. وهكذا خسرت هذه الأنظمة ما تبقى من شرعيتها في عيون شعوبها وسقطت شعاراتها البراقة التي روّجت لها طيلة السنوات الماضية وظهر زيفها بحيث يمكن أيضاً اعتبار نكسة حزيران كهزيمة لشعارات الأنظمة العربية وثقافتها. والمفارقة هو أن هذه الثقافة أعادت كما يقال إنتاج نفسها على يد أصحابها عندما دفعوا الجماهير المصرية الى مطالبة عبد الناصر بالعودة عن استقالته وحصلت انقلابات هنا وهناك لاستبدال بعض الحكومات بمثيلاتها أو بأسوأ منها كما حصل في العراق. لذلك ورغم أن وفاة عبد الناصر فتحت الباب لسياسة تفاوضية أدت الى استرجاع سيناء مقابل تبادل السفراء وعلاقات تعاون كان آخر فصولها بيع الغاز المصري، فما زالت شعوبنا العربية بشكل عام تعاني من استخدام المشاعر القومية والدينية في الاتجاه الذي يخدم مصالح هذه الدولة أو ذلك الحزب من خلال الشعارات القائمة على التحريض ودغدغة العواطف بعيداً عن الواقع. ويمكن تسميتها بشعارات الهزيمة لأنها أحد أسباب الجمود والضعف وبالتالي الهزيمة التي لم تزل ملازمة لدولنا الحديثة التي تفرض على شعوبها الفقر والقمع والتخلف وتؤخر انطلاق الطاقات الواعية والخلاقة في عملية البناء التي ينشدها الجميع.
دور الشعارات في الثقافة السياسية:
يستخدم السياسيون بشكل عام الشعارات لتأجيج المشاعر وتجنيد الطاقات ودفع الجمهور في اتجاه الأفكار والأهداف المعلنة وغير المعلنة. ويمكن للشعارات أن تلعب دوراً معقولاً في اتجاه التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو أن تستخدم لتضليل الجمهور وتخديره أو لتوجيه طاقاته نحو التخريب والتدمير، ويحفل التاريخ العالمي بأمثال هذه الممارسات في الاتجاهين وبدرجات مختلفة طبعاً. وبشكل عام، كلما ارتبطت الشعارات بأهداف غير واقعية تميزت باللاعقلانية وركزت أكثر على إثارة العواطف وانضمت بالتالي الى النوع المضلل والمخرب. وفي عالمنا العربي والاسلامي، نشأت الدولة الحديثة وهي مثقلة بتركة القرون الطويلة من ممارسات الجهل وتخدير العقول من قبل السلطات السابقة لها (عثمانية أو صفوية/ قاجارية، أو مملوكية، الخ) وترعرت هذه الدولة في ظل السيطرة الغربية وفي سياق نمو تيارات فكرية حديثة مثلت أيديولوجية الحداثة بدون انصهار حقيقي بواقع المجتمع وبدون الدخول في صراع جدي وتاريخي مع التركة الثقافية للأوضاع السابقة والتي صرنا نسميها بالرجعية أو البالية وبالتقاليد القديمة رغم وجودها القوي على مساحة واسعة من الفضاء الاجتماعي. فقامت الثقافة الحديثة إذن على أرضية انفصام اجتماعي واضح بين شخصية قديمة لم يتم التخلص منها على المستوى الاجتماعي وحتى الفردي وشخصية حديثة اتسمت خصوصاً بكونها فوقية أو حتى سطحية نسبة إلى تجذّر الشخصية الأولى. وفي سياق هذه الأزمة بالمعنى الغرامشي والمتسمة بالتمزق الفكري والثقافي الذي تكرس في ظل الدولة أي بعد تأسيسها، تبنت النخب الحاكمة سياسات وشعارات تحمل بالبداهة طابع الغربة التي ذكرتها. وجاء تأسيس دولة إسرائيل وما رافقها وأعقبها من سياسات ومواقف عربية خاطئة، ليعمق ظاهرة الشعارات البعيدة عن العقلانية وغير الواقعية التي تبناها الفاعلون الاجتماعيون في الحكومة وأحياناً في المعارضة. وشكلت هذه الشعارات مظهراً لحقيقة الاغتراب الثقافي ونوعاً من الانفصام بين الواقع والطموح في ذهنية المردد والمتلقي لهذه الشعارات. وساهم هذا الواقع في تزييف مجمل المعارك السياسية والثقافية التي عاشتها بلداننا في النصف الثاني من القرن العشرين. مهزلة العقل الثوري
عانت الشعوب العربية ردحاً من الزمن تتحمل صعوبات الحياة والخدمات المتدنية في ظل الخطط التنموية والشعارات المعلنة، حيث ادعى الأفذاذ من قادتها أن تحرير فلسطين هو أهم هدف بالنسبة لنا كعرب وصار من يختلف معهم في سياستهم خائناً وعميلاً. واستخدمت هذه اللغة الاقصائية مع أبناء الشعب وحتى بين القادة أنفسهم وعلى أعلى المستويات. وبالتالي ومع تعاقب الانقلابات والأشخاص والأسماء، استطاعت النخب الحاكمة في البلدان "الثورية" الاستمرار بسلطتها الدكتاتورية، وكان أهم أدواتها في الحكم بناء شرعيتها على استخدام قضية فلسطين وعلى التعظيم بشعوبنا العربية مع إذلالها يومياً وفي مختلف مرافق الحياة، لا سيما في مجالات التعبير عن الآراء وحرية التنظيمات الحزبية والنقابية وغيرها. وهذا ما دفع دول الخليج الى المحافظة أكثر على ملكياتها التقليدية، ولم تنفتح الا بعد زوال هذه الأخطار "الثورية" التي لم تغن ولم تسمن من جوع بل دمرت البلدان التي خضعت لها، وها نحن اليوم نطالب دون جدوى بمجرد العودة الى حدود عام 1967. كانت الشعارات في تلك الفترة تنهمر في كل مكان في الخطب واللافتات لتبرير سياسات الأنظمة الدكتاتورية وتبديدها لثروات شعوبها في تقوية الجيوش وعسكرة المجتمع. وأهم شعار هز الشعوب العربية هو الذي وعدنا (برمي إسرائيل في البحر) ثم (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) و(الوحدة العربية من المحيط الى الخليج)، ثم شعار (الوحدة والحرية والاشتراكية) ونسخته المعدلة (حرية اشتراكية وحدة)، وأذكرها بدون نسبتها الى هذا الحكم أو ذاك لأنها تدل على نفس الحقيقة. واستمرت نفس الأوضاع كما قلت بعد نكسة 1967، ففي المجال الاعلامي ابتليت هذه الشعوب بسيادة أحادية الطرح على أخبار الاذاعة والتلفزيون وطغيان صورة الزعيم وخطبه على مختلف الواجهات والشاشات. وأتذكر هنا السكيتش المصري (سو سو، سو لالا لو سو) حيث يبحث المواطن عن برنامج مختلف على القنوات وإذا به يقع على نفس الأسطوانة ولكن بمظاهر ورقصات مختلفة. وفي الحياة اليومية قام الكثيرون بعكس شعار (الشرطة في خدمة الشعب) كما هو معروف. ولكن تظل مسرحية دريد لحام (كاسك يا وطن) عملاً فنياً رائعاً عن ما يمكن تسميته بمهزلة العقل الثوري، حيث يمارس المسؤولون الشعارات الثورية والخطاب المزيف ويكرروا في خطبهم على التلفزيون (سوف)، أي سنعمل، مع بقاء الخدمات المختلفة في حالة يرثى لها. وحيث يتبنى الإنسان المقهور من دون وعي لبعض مقولات الخطاب الرسمي المكرر كتقديس غوار المغلوب على أمره لنيكاراغوا (أيام صراع الساندنيين مع الكونتراس في الثمانينات من القرن الماضي). وأخيراً، ما زال مثال الكهرباء حياً في الذاكرة عندما يتعرض "المواطن" غوار لتعذيب الأجهزة الأمنية له بالكهرباء، بينما يفتقد التيار في بيته... دون الكلام عن معالجة المسرحية لتحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين كشعارات زائفة وبعيدة عن الحقيقة. صحيح أن السلطة الدكتاتورية قبل الشعار هي المسؤولة عن الهزيمة، ولكن الشعارات تشكل إحدى الوسائل المهمة لتثبيت هذه السلطة بالتغطية على غربتها عند الغالبية الساحقة لشعبها، رغم انكشاف واقع الهزيمة واستبدال الذهنية العامة صورة "الأمة العربية" التجريدية بواقعها الطبيعي، أي في انتماءاتها الجهوية والقبلية والدينية بل وحتى الطائفية. إن احترامنا للأغراض السياسية المرتبطة بالمثاليات الأخلاقية لا يفرض علينا موافقة البعض عندما يريد أن يستمر في فرض منهج الغوغائية في العراق ولبنان وفلسطين من خلال ترويج منطق الشعارات القومجية والاسلاموية التي تتحدث، كما قال أحد قراء إيلاف في تعليق له، وكأن أصحابها هم الذين يحتلون إسرائيل، بينما تقف بلداننا رغم ثرواتها الهائلة في مؤخرة الدول في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية. ألم يحن الوقت ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين لترك الشعارات والمغامرات الدونكيشوتية واتخاذ القرار الواقعي الذي اتخذته الأمم الأخرى قبلنا بالبدء في عملية البناء الوطني وما يعنيه ذلك من توفير الشروط السياسية والثقافية وبناء المؤسسات اللازمة لحل مشكلة الحكم والمشاركة الشعبية وتقوية المجتمع وتنظيم مشاركته الواعية في النهضة المرتقبة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
الديك الرومى
. -

رغم ما ازيح الستار عن اصطياد الامريكان لعبد الناصر ( )فى عدوان 67 ....اِلا البعض لايذكر تلك ابدا وما كتب عنها ومنها خديعه الطلب من مصر ارسال زكريا محى الدين لامريكا للتباحث يوم 7 يونيه ولقد كان فى طريقه ورجع من المغرب ...وحتى ما اعلنه ملك راحل انه كان عميلا للمخابرات...وما نشر عن تورط ملك راحل بسلامه نيه لاشغال عبد الناصر بسيناء بدلا من اشعال ثوره باليمن ....حتى سقطت الجولان والقدس !والى متى لايمس طرف امريكا ومؤمراتها ومصالحها ؟ وهل للتمويه عن جرائم امريكا ومؤمراتها ؟ ....وبالثوريه بنينا السد العالى ...والان محتاسين فى توشكى

اكبر هزيمة
محمد -

ثورة 23 يوليو وجيشها الجبار وقائدها الخالد جمال وضباطها الاحرار ومجلس قيادة الثورة ينهزمون امام اسرائيل في ساعتين فقط عندما تحطمت الطائرات الحربية على مدارجها ويهرب الجيش الجبار وبدون قتال من سيناء وتصبح الطريق الى القاهرة مفتوحة اليس هذة اكبر هزيمة تصاب هذة الثورة الهزيلة والمصنوعة من ورق .