كتَّاب إيلاف

تعليق أدبيّ يناسب عبد الملك نوري: انتقاد الظرف غير الأصليّ

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خضعت المجموعة القصصية "نشيدالارض -1954" ومعها كاتبها "عبدالمللك نوري -1921-1998" الى التصنيف المبكر لسرديات القصة القصيرة في العراق، اما المؤلف فقد وصفه البعض برائد السرد الشاعري، او ما شابه ذلك، مع زميله "فؤاد التكرلي" في كتابه "الوجه الاخر". ولقد حلت "نشيد الارض" في الموروث القريب للادب العراقي باعتبارها منعطفا قصصيا ( = ريادة )، (يمثل عام 1954 لحظة تاريخية في السياسة الداخلية للعراق الملكي فقد تم الغاء نتائج الانتخابات البرلمانية وبدأ العمل بسياسة المراسيم وذلك لشعور السلطة بالقوة التي امدّها به النفط،واستمرت تداعيات الطابع الانتقالي في الجمهورية مع كل مصاحبات الاستبداد في المراحل الانتقالية...) لكن المؤلف لم يدفع بانتاجه التالي "خشب ومخمل -مسرحية- 1972" و "ذيول الخريف -قصص قصيرة -1980" الى المستوى الذي بشرت به "نشيد الارض"، بل ان

فؤاد التكرلي

كتابيه الاخيرين ربما كانا في الحلقة التي تقع بين كتابه الاول "رسل الانسانية -1946" وكتابه الثاني "نشيد الارض"، وكانت نتيجة المقارنة لصالح الثاني، سواء مع قصص المؤلف نفسه، السابقة والتالية ام مع قصص الكتاب الذين سبقوه من الجيل الاول او الذين رافقوه من الجيل الثاني او اولئك الذين تلوه من الجيل الثالث في الستينيات. وهكذا تارجح اولئك الكتّاب في التاريخ الضيق والمتسارع للادب القصصي العراقي، ومع ذلك فما زال ذلك التاريخ برهانا على امكانية الانتقال في التاريخ الحديث للقصة العراقية.
ان ما يعيدنا الى هذه المجموعة من الناحية الرمزية هو موت " عبد الملك نوري" مفككا بين الشيخوخة القصصية المبكرة التي صارعته في الزوايا الصغيرة من حياته، وبين الاحساس الدفين الذي عاناه من كونه متروكا بين الاقدار لا يستطيع الا التماشي معها لاهثا الى المصير البارد. ومن الناحية غير الرمزية فالذي نعود بموجبه الى "نشيدالارض" هو ما تشكله ثلاثة اعتبارات معاً، الاول: الاهتمام بها لانها شاهد فني قليل الالتقاء بالظروف المساعدة التي كان ضغطها على الفن في اربعينيات وبداية خمسينيات العراق مساويا للموهبة او حوافز الفنان المستقلة.
الثاني: كان التحليل القصصي - نفسيا ثم اجتماعيا - للشخصية والحادثة متبادلا في اثناء السرد والحوار ولم يكن تخيل الشخصية ونموها في الحادثة وهميا. لقد بدا "عبدالملك نوري" اكثر تعلقا بنصه وما وراء النص من مبادئ واقعية، ولم تنتقص ارادته - من حيث كونه مؤلفا - من عفوية مايراه لنقله الى مستوى قصصي.
الاعتبار غير الرمزي الاخر، وهو الاعتبار الموضوعي،اننا بحاجة الى اعادة التعريف بالموروث القريب لقياس التدخل الذي اضافه الاخرون على التراكم، والمعنى الضمني والصريح لما يسمى بالتجاوزعلى نحو ملموس (الذي اقصده من التجاوز هو إبطال مفعولات الموروث والابقاء على خير ما فيه،بالمعنى الهيغلي للتجاوز).
بعد الحرب العالمية الثانية كانت المملكة العراقية تقيس قوتها محليا بافراغ المجتمع من التطلعات العالمية واضعاف المؤسسات غير الرسمية وتفسير الحياة الاهلية بمضامين عشوائية. وكانت - بغداد- حقلا مباشرا لخطط الدولة وللتبعات الاجتماعية. فالعاصمة هي المملكة (وقد صارت فيما بعد هي الجمهورية ايضا) وهي كذلك نقطة المفارقات التي كانت تتزاحم في الدلالات اكثر مما تتصارع على النتائج؛ فيما كانت تسترد انفاسها وتتاكد من سلامة مفاصلها، لاحت بغداد للمهاجرين من الضواحي والارياف نعيما اقتصاديا وصعودا نحو الحصانة الاجتماعية من سُلّمها المأمون.

عبدالملك نوري

في هذه اللحظة من الازمة النوعية التي تتلاعب بها حيرة الذهاب والاياب ويؤجل عدمُ التاهيل نضجَها في مؤسسات غير حديثة، التقط "عبدالملك نوري" شخصياته وديكوراته وشحن بها نثره المتروّي الذي كان يجرّبه مرارا الى ان يضمن اعتداله الاسلوبي، وليس بالضرورة ان تكون قصصه نتاجا للمفارقة التاريخية بشكل مباشر، ولكنها (اي القصص) مستوعبة لاطار الحياة العامة حيث تؤخذ بعض النتائج وتبنى لها ماهيات على الطريقة الوجودية احيانا، او على طريقة الواقعيين النقديين.
ان قصة "الرجل الصغير" على سبيل المثال مكتوبة برغبة الام المعدمة في ان ترى التمرين الرجولي لطفلها المفكر فيه على انه مشروع لرسالات الرجل في الاسرة (الحماية، الكفالة، الاعالة) لكنه يقع بين امال الام وبين حدود قابلياته التي لا تصمد للاعباء، ففي طريقه الى بيت اخته؛ البيت الذي رآه مرة واحدة؛ يضل الاتجاه، وكلما تقدم في الطريق المجهول ازداد شعوره بضياع الدليل وحين يقترب الليل من النهار تكون فكرته عن ضلاله اكثر من شك، انها حقيقة متثاقلة لا يقوى على عنادها، فيلوذ بنفسه ويتوقف عن الجري ولن يكون للوقوف تاثير اطمئنان، سيواجه ما يفرضه التوقف من رعب الحركة حوله، الحركة المشبوهة للاغتصاب اوبلبة الالقاء في "الغابة" لئلا يكون ثمة طريق الى بيت الاخت.انه قلق من مؤامرة مفروغ من تدبيرها.
اوقف "عبدالملك نوري" هذا الطفل الهمام بعد ان اتعبه في ازقة عرجاء ومتهالكة من ازقة بغداد، فلم يكن له مكان الا البيت الذي خرج منه، ولا قرين الا الام، وبعد ان قام بتعريضه لعدم الاكتراث (ما اشد قسوته على طفل) واساءات المارة وارتيابهم، اوقفه في الحقيقة امام نفسه العارية حيث يمكنه الانطلاق باتجاه الرجولة. وبدلا من بيت الاخت وجد شخصه الضائع. فالرجولة كما تستحثها الام في ظروف الاستعجال؛ رجولة يشوهها التعسف.
لا يمكننا فهم قصة "الرجل الصغير" خارج فكرة التوازي بين الازقة التي ساقه حافز الام الى الركض فيها ولحظة التوقف التي عرضت عليه نفسه كما هي. او خارج التعويض الذي اعقب ضياعه في الطريق حيث داهمه الخوف من ضياع كل شئ منه: البيت والام والاخت، فوجد نفسه لصيقة ببحثه او هي موضوع بحثه المفاجئ الذي اطلّ عليه في التوقف العصيب.
ان الازقة لا تعادلها الا الحاجة، في حين تعرض الرجولة مشروعها على صورة جهاد قاصر من اجل التغلب على بيت الاخت. طفولة متورطة امام تعجيز الام القاسي في أحقيته مع انه في الامومة حصة للاستبداد والاستحواذ وحصص لاخلاق الواجب والعاطفة.
وخلف كل ذلك: هنالك النقود؛ عقمها في غياب ما تشتريه؛ وانجذاب الاشياء الى سلطتها المحيرة؛ مسكوكة للحاجات وللمحتاجين، كانت الام تختبر كرامتها بوساطة ابنها ولاجله من خلال بلادة الحاجة والعلاقة المعتوهة بالنقود وبسببها ايضا.
النموذج الآخر لليقظة من تجربة المفارقة الموصوفة قبل قليل هي قصة "نشيد الارض" فالريفي العراقي كان مدعوّاً الى المدينة لاسباب كثيرة من بينها: محاصرة النمو اللامتساوي - اذا جاز لنا استعمال هذا التعبير هنا- له ورغبته في الخلاص من حياة لا يمكنه، حسب تقديره، الاستمرار فيها، ياتي الريفي مثقلا بالاسرار والمحاذير والوصايا والتزلُفات، فهو بخيل في علاقاته، متكتم، مرغم على تكريرطلاسمه، ويجعل من عبوديته لايديولوجيا الريف واقعا معاشا ومع ذلك فهو يريد البقاء هنا الان، مُكرَها ًوبطلافي الوقت نفسه!. لابد انها اوهام في طريقها الى التهتك والتبخر. هذا احد المهاجرين الذين سيمتثلون للحظوظ: فبعد وصوله الى المدينة يعمل مصححا في احدى الجرائد، ويؤسس له عمله في الصحافة حصانة خارجية مظهرية، لكن هذه الحصانة لا تتجاوب في داخله، فهو مهزوز بأجره القليل ومسكنه الرث، مما يستدعي فضلات ذكرياته من الريف. تقع الازمة الاقتصادية، فيضطر لترك العمل، وفي حالة من القنوط تتبلبل اسراره ويفسد تماسكه،وينفجر تحت ضغط الازمة: النقود تفقد هيبتها وقدرتها على تمثيل الثروة، وتصرّفه لم يعد قناعا متينا لوقار مقدس وكاذب،يتدفق شريط ذكرياته المتواضعة.. يندم على كل شئ.
حتى الان ظل الريفي ريفيا، لكن شعب المدينة لا ييأس: تحدث المظاهرة فيبدأ الريفي بتسليم ضميره للجماعات، فكل شيء في الحشد مخصص له، بل ان ابناء الريف هم المتظاهرون في تصوره، فيكفّ الفرد الريفي عن عزلته ويظهر له: الريفي الجماعي.
كان الرجل الصغير (ابن المدينة) قد استيقظ وهو يتوقف. اما إبن الريف فيستيقظ في حركة المجموعات.
تناولت مجموعة "عبد الملك نوري" الرائدة "نشيد الارض" نقد الضعف الذي تسببه الظروف غير الاصلية. ان اشخاصها غير راضين عن حياتهم، غير مناسبين. يعرفون المسافة الحساسة بين رغباتهم وبين تحققها الفاشل. لا يمكن النقاش عن مصائرهم التي لا تقبل الاستئناف فهي مخططة اجتماعيا ونفسيا ويلزمهم الحل من خارجهم: طفل ينذر طفولته للرجولة، ريفي تثيره المدينة وتصطاده، رجل يحكم المبغى حياته الجنسية بدون تلطيف، نادلة مقهى متهيبة من انوثتها، مدمن خمرة يجمع اسباب ادمانه بولع، رجل متعطل اجتماعيا يحفر ثغرات جديدة في عطالته. ضحايا ضعفاء يقيس بهم النظام قوته.
كان القاص يرفع هؤلاء الى مستوى وثائق الواقع ومتاحفه وصِدق الوجدان الادبي آنذاك.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف