عورة الأخلاق حين تسقط الأقنعة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ليست الأخلاق ما نُتقنه في اللغة، ولا ما نُجيده في الظهور، فالأخلاق تُختبر حين تضيق المساحة، ويسقط القناع، ويُترك الإنسان وحده مع ضميره. فهناك فقط تظهر عورة الأخلاق، لا بوصفها فضيحة، بل بوصفها حقيقة.
فنسير طويلاً متشابهين في المجاملات، نوزّع الابتسامات كما نوزّع بطاقات التعارف، ونُتقن لعبة &"الوجه المناسب للمكان المناسب&". لكن ما إن تتبدّل المصلحة، أو ينحرف مسار الفعل، حتى تتساقط الأقنعة واحداً تلو الآخر، وتنكشف هشاشة القيم التي كنّا نظنّها صلبة. فليس كل من تكلّم عن المبادئ آمن بها، وليس كل من ارتدى ثوب الفضيلة حافظ على دفئه حين اشتدّ البرد.
فعورة الأخلاق لا تظهر في الفقر ولا في الضعف، بل في لحظة القوة، حين تميل الدفّة إلى صاحبها، ويتّسع له الهامش، ويغريه الامتياز. هناك فقط يُختبر الضمير، هل يبقى وفيّاً لجوهره، أم ينحاز لما يربحه سريعاً. وكثيرون نجحوا في التظاهر طويلاً، لكن القليل فقط ثبتوا حين زالت دائرة الضوء.
والمؤلم أن سقوط الأقنعة لا يكون صاخباً دائماً، فأحياناً يحدث بهدوء مخيف، في تبرير صغير، في صمت عن خطأ واضح، في تفريط هادئ في قيمة جوهرية. وهكذا تتعرّى الأخلاق دون أن يشعر أصحابها، ويُرتكب الخلل باسم الحكمة، ويُبرَّر التفريط باسم الواقعية.
ولأن الأخلاق ليست كلمات محفوظة، بل سلوكاً متكرّراً، فإن أخطر ما يهدّدها هو الاعتياد على التنازل. فكل تنازل غير مبرّر يُسقط جزءاً من القناع، حتى يصل الإنسان إلى لحظة لا يعود فيها متأكّداً هل ما تبقّى وجهه الحقيقي، أم مجرّد عادة متقنة.
وعورة الأخلاق حين تسقط الأقنعة ليست دعوة لفضح الناس، بل دعوة لمواجهة الذات، بأن نسأل أنفسنا بصدق من نكون حين لا يرانا أحد؟ وماذا نفعل حين لا نخسر شيئاً إن صمتنا، ولا نربح شيئاً إن تكلّمنا؟ فالأخلاق الحقيقية لا تحتاج جمهوراً، ولا تزدهر تحت الأضواء، بل تعيش في تلك اللحظة الخفيّة التي لا يشهدها إلا الضمير.
وفي النهاية، الأقنعة تسقط دائماً.
ويبقى سؤال واحد معلّق في الفضاء:
هل ما تحت القناع وجه نرضى أن نراه؟