كتَّاب إيلاف

"هناي" حين أظلم الكون... وبقيتِ أنتِ الضوء

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

قبل عشر سنوات، وفي مثل هذا اليوم، انطفأ نورٌ لم يُخلق له بديل. رحلت أمي، لا كخبرٍ يُتداول، بل كزلزالٍ صامتٍ غيّر شكل الكون في داخلي. منذ غيابها، لم يعد العالم كما كان، الألوان باهتة، والفرح ناقص، والطمأنينة فكرة مؤجّلة. بقدرها أظلم الكون، وبفقدها تعلّمت أن بعض الغياب لا يُعوَّض مهما طال الزمن.

كانت سيدتي، شفيعتي، حبيبتي، ومدلّلتي. امرأة عاشت لتمنح، لا لتأخذ. جمعت العائلة بطرفيها بين السعودية والبحرين، وحافظت على خيوط الودّ والعلاقات الاجتماعية مع كل أحبابها وصديقاتها، كأن قلبها كان بيتًا مفتوحًا لا يُغلق. علّمتني القراءة والكتابة قبل أن أعرف معنى المدرسة، وغرست في داخلي بذرة التجارة حين كنت أبيع الصبعبلي والجلو والكيك، لا لهوًا بل مشاركةً لها في مصاريف البيت، في أيام غربة الوالد في جدة. يومها تعلّمت أن الكرامة تبدأ من العمل، وأن العطاء لا ينتقص من صاحبه.

تحمّلت الانتقال إلى مدينة بعيدة عن أهلها إيمانًا براحة الوالد، فكانت السند والمعين، لا تشكو ولا تتراجع. فتحت بيتها بالكرم، وكانت عزائم الوالد لا تُذكر إلا ويُذكر معها إشرافها ولمستها وطبخ يديها، دفء لا يُنسى، ونكهة لا تُقلَّد. صبرت على كثرة سفره وانشغالاته وغربته، وهي مدلّلة والدها حسن الجشي، تحمل في قلبها توازنًا نادرًا بين الدلال والقوة.

عاشت سنوات من شبابها في بيروت برفقة والديها، وتعلّمت في شبيه المدرسة التي تبنّاها والدها وأصدقاؤه في القطيف قبل تأسيس المدارس، "أُخذ على والدها تعهّد رسمي حكومي بعدم المطالبة بمدرسة بنات"، غير الرسمية في شكلها، العميقة في أثرها. أجادت الخياطة، لا كمهارةٍ فقط، بل كفلسفة، صبر، ودقة، وجمال يولد من بين الأصابع. كانت شديدة حين يلزم الشدّ، وملهمة حين أحتاج الإلهام.

"سلمانُووه" كان اسمي المدلّل لديها. جلساتنا كانت عاطفية وشيّقة، لا تخلو من كلمات عفوية "بها سفالة" ضاحكة تُخفّف ثقل الأيام. رحيلها أفقدني الدنيا. من لم يذق فقد الأم، لم يعرف معنى المعاناة كاملة. ومع ذلك، يبقى الفخر حاضرًا، فخر بابنٍ تشكّل على يدي أمٍ عظيمة.

أسأل الله لها مرافقتها في العليّين، والقبول والرضا، وأسأله شفاعتها، ومسامحتها لي على أي تقصير. رحمك الله يا أمي، ما زلتِ الحياة، وإن غبتِ.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف