أربعة خيارات حاسمة لترامب ضد إيران
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عاد ملف إيران بقوة إلى واجهة التداول السياسي الدولي، مدفوعًا بتصريحات أميركية متزايدة اللهجة تتحدث هذه المرة عن ارتفاع حظوظ إسقاط النظام، لا احتوائه أو إضعافه. هذه العودة لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدتها المنطقة منذ انطلاق ما سُمّي بطوفان الأقصى في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وصولًا إلى الحرب التي وقعت في حزيران (يونيو) الماضي، والتي شكّلت نقطة انعطاف مفصلية في مقاربة الولايات المتحدة للملف الإيراني. فبعد سنوات من العقوبات والضغوط الدبلوماسية والاشتباكات غير المباشرة، يبدو أن واشنطن باتت ترى أن لحظة القرار الكبير قد اقتربت.
الحرب التي اندلعت في حزيران (يونيو) لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كشفت هشاشة التوازنات القائمة، وبيّنت حدود سياسة &"إدارة المخاطر&" التي اعتمدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فإيران، بالرغم من الخسائر والضغوط، يبدو أنها لا تزال متمسكة بتطوير برنامجها النووي، وتوسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الوكلاء، إضافة إلى تعزيز قدراتها الصاروخية. في المقابل، بات واضحًا في واشنطن وإسرائيل أن استمرار الوضع القائم يعني استنزافًا طويل الأمد، وتهديدًا متصاعدًا لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
من هذا المنطلق، يتبلور انطباع قوي بأن قرار إحداث تغيير كبير داخل إيران قد اتُّخذ من حيث المبدأ، وأن النقاش الحالي لا يدور حول هل يتم التغيير، بل كيف ومتى وبأي كلفة، خصوصًا أن أوراق القوة الإيرانية التي كانت موجودة قبل عامين، ولا سيما الأذرع العسكرية، لم تعد تشكّل هاجسًا كبيرًا لتل أبيب وواشنطن بفعل الضربات القاسية التي لحقت بها.
على طاولة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، ينظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخيارات والعروض الموضوعة أمامه. فسرعة إنجاز مهمة إقصاء رأس النظام في فنزويلا أعطت زخمًا كبيرًا للإدارة الحالية التي تريد إكمال المهمة دون تأخير، مع انقضاء عامها الأول في قيادة الولايات المتحدة.
يتمثل الخيار الأول، والذي يُعد الأقل كلفة من حيث المخاطر، في موافقة إيران على الشروط الأميركية كاملة. وتشمل هذه الشروط، وفق الطرح الأميركي:
1. الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، بما يعني عمليًا إنهاء أي مسار قد يقود إلى امتلاك سلاح نووي.
2. إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة وإسرائيل.
3. التوقف عن تمويل ودعم الوكلاء في الإقليم، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن أو غيرها.
4. فتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأميركية عبر آليات استثمار واسعة، بما يربط الاقتصاد الإيراني مجددًا بالمنظومة الغربية.
غير أن هذا الخيار، بالرغم من جاذبيته النظرية، يواجه عقبات، إذ يتطلب من النظام الإيراني التنازل عن ركائز أساسية قام عليها منذ الثورة، ما يجعله أقرب إلى خيار &"الاستسلام السياسي&"، وهو أمر قد يصعب على أركان النظام المتشددين قبوله، إلا في حال توسع التظاهرات الشعبية إلى مدى يعجز فيه النظام عن احتوائها أو قمعها، ويترافق ذلك مع انهيار اقتصادي شامل.
الخيار الثاني يقوم على اتباع النهج الفنزويلي، أي العمل على إسقاط رأس أو رؤوس النظام عبر قتلهم أو اعتقالهم أو حتى خروجهم إلى المنفى. هذا السيناريو يكون عادة مسبوقًا بترويض شخصيات عسكرية وسياسية داخل النظام نفسه، تجعلها تنفذ التعليمات الموجّهة إليها، تمامًا كما يحدث في فنزويلا. وفق هذا السيناريو، يتم تشجيع هذه الشخصيات على لعب دور حاسم في إزاحة القيادة العليا، ثم تولّي إدارة البلاد في مرحلة انتقالية.
يتميّز هذا الخيار بأنه يعتمد على أدوات داخلية، ويقلّل من الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر، أو حتى تحمّل مسؤولية أخلاقية عن غياب رأس النظام. لكنه في الوقت نفسه محفوف بالمخاطر، لأن تماسك المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية قد يكون أشد من تماسك المؤسسات الفنزويلية، ولأن أي فشل في هذا المسار قد يؤدي إلى موجة قمع أكبر.
أما الخيار الثالث، فيتجاوز فكرة الإصلاح أو الانقلاب المحدود، ويتجه نحو إسقاط النظام بالكامل، مع تولّي شخصيات أو تنظيمات جديدة مقاليد الحكم. وتقدّم هنا منظمة مجاهدي خلق نفسها على أنها قادرة على إدارة المرحلة الجديدة. هذا الطرح يستند إلى حقيقة أن هذه المنظمة، وعبر مريم رجوي التي تشغل أيضًا منصب رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو تحالف معارض للنظام تُعد مجاهدي خلق أقوى حلقاته، كثّفت نشاطها السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة وأوروبا، ونجحت في بناء شبكة علاقات قوية مع الإدارات الرسمية.
إلا أن هذا الخيار يظل من أكثر السيناريوهات إثارة للجدل، نظرًا إلى غياب إحصاء واضح يدل على مستوى القبول الشعبي لمجاهدي خلق داخل إيران، وبالرغم من ذلك خرجت أصوات أميركية يمينية قريبة من الرئيس ترامب تحذّر من أن هذه المنظمة والنظام الإيراني الحالي وجهان لعملة واحدة، وتحملها مسؤولية قتل جنود أميركيين في سبعينيات القرن الماضي.
ويعود الخيار الرابع ليرمي كرة الحكم إلى حضن نجل الشاه، رضا بهلوي، لتسلّم مقاليد الحكم. أنصار هذا الطرح يرون أن الرجل يتمتع بدرجة من الشعبية، خصوصًا بين شرائح من الإيرانيين في الداخل والخارج الذين يحنّون إلى مرحلة ما قبل الثورة. كما يُعتقد أن هذا الخيار قد يسهّل استمالة ولاء بعض القادة العسكريين الذين يرون في الملكية رمزًا للاستقرار التاريخي.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أبدى موقفًا حذرًا تجاه فكرة عقد لقاء فوري مع ولي العهد الإيراني السابق المنفي، رضا بهلوي، مشيرًا إلى ضرورة التريث قبل اتخاذ خطوات دبلوماسية رسمية بهذا الاتجاه. وأوضح ترامب ردًا على تساؤلات حول إمكانية استقبال نجل الشاه الراحل أنه يراقب نشاطه، واصفًا إياه بـ &"الشخص اللطيف&"، لكنه استدرك بالتأكيد على عدم تأكده من مواءمة مثل هذا اللقاء في المرحلة الراهنة بصفته رئيسًا للولايات المتحدة، مشددًا على أهمية الانتظار لمعرفة من سيبرز كقائد يمثل إرادة الشعب الإيراني.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي في تعاملها مع إيران. فكل خيار من الخيارات المطروحة يحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد، ولا يوجد مسار خالٍ من الكلفة. ما هو واضح أن مرحلة إدارة الأزمة تقترب من نهايتها، وأن ملف إيران عاد إلى التداول ليس بوصفه مشكلة مؤجلة، بل كقضية يُراد حسمها، مهما كانت النتائج.
ويبقى السؤال الأهم: هل سينجح أي من هذه الخيارات في تحقيق الاستقرار، أم أن المنطقة مقبلة على فصل جديد من الاضطراب العميق؟ الإجابة، كما يبدو، لا تزال رهن الأيام القادمة وتوازنات القوة المتغيرة.