كتَّاب إيلاف

الدولة بعد التغيير: محاسبةُ الجريمة أم عقابُ الهوية؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تواجه الدول الخارجة من الاستبداد سؤالًا حاسمًا: كيف تُقيم عدالةً انتقاليةً تُحاسب المسؤولين عن الجرائم دون أن تنزلق إلى عقابٍ جماعي يطال الموظف والمثقف والفنان لمجرّد انتماءٍ وظيفي أو حزبي؟ في العراق بعد 2003، وفي ليبيا وتونس واليمن، وحتى سوريا مؤخرًا، تحوّل هذا السؤال إلى اختبارٍ عملي لكفاءة الدولة وحدود القانون.

لا تُصنع الأمم من شعاراتها، بل من مؤسساتها الحيّة: مدارسها، جامعاتها، مسارحها، وصحافتها. ومع ذلك، ما زالت مجتمعاتنا تتعامل مع الثقافة بوصفها ملحقًا سياسيًا يمكن قصّه وإلصاقه وفق تغيّر الحكّام، لا بوصفها رصيدًا وطنيًا يجب حمايته من تقلّبات السلطة. ومن هنا تتولّد معضلة تتكرّر في العراق والمنطقة: حين يسقط نظام، فهل نسقط معه الناس جميعًا؟

في العصور الماضية كان المدح السياسي جزءًا من تقاليد البلاط؛ شعراء وكتّاب اقتربوا من السلطان طلبًا للحماية أو المكافأة أو الشهرة. ومع أن كثيرًا من أولئك السلاطين كانوا مستبدّين، لم تُحاكم الذاكرة العربية الشعر كلّه باعتباره جريمة، ولم تُلغَ المكتبات لأن قصيدةً قالت ما لا نحب، كأن الحسّ الجمعي أدرك أن الإبداع يعيش أحيانًا في منطقةٍ رمادية بين الإقناع والخوف، وبين الحِرفة والنجاة.

لكن العراق الحديث، خصوصًا بعد 2003، جعل المنطقة الرمادية نفسها سببًا للعقاب. فسياسة اجتثاث الحزب بدأت عنوانًا لحماية النظام الجديد من عودة أدوات القمع، غير أن الخلل يبدأ حين يتّسع المفهوم أو يسوء تطبيقه، فيتحوّل من محاسبةٍ على فعلٍ محدّد إلى عقابٍ على الهوية أو السيرة الوظيفية، ومن تحصينٍ للمؤسسات إلى تفريغها من الخبرة.

هنا تظهر أسئلة الفن والمعرفة بحدّة، فالمطرب الذي غنّى في مهرجانٍ رسمي قد يكون مارس دعايةً بالفعل، وقد يكون أيضًا حاول أن يجد منفذًا لعمله في دولةٍ كانت تحتكر المنابر. والباحث الذي حمل بطاقة الحزب في زمن (الدولة-الحزب) قد يكون انتهازيًا، وقد يكون مضطرًا كي يحافظ على موقعه المهني ويُجنّب أسرته العوز. الخلط بين هذه الحالات يفتح بابًا للظلم، والظلم في العدالة الانتقالية ليس تفصيلًا؛ إنّه بذرة دورة انتقامٍ جديدة. والثمن الأكبر لا يدفعه السياسيون وحدهم، بل تدفعه الدولة نفسها حين تُستنزف نخبتها. ففي سنوات ما بعد 2003 تدهور الإحساس بالأمان المهني، وتعرّضت الجامعات لمناخ تهديدٍ وعنف، وتوسّعت موجات الهجرة. وما إن تُستهدف النخبة التعليمية حتى تصبح الدولة أقلّ قدرة على إصلاح نفسها، ويُستبدل معيار الكفاءة بمعيار الولاء، ومعيار الإنتاج بمعيار الاصطفاف.

من هنا تبدو محاسبة العلماء والكتّاب والمغنّين لمجرّد انتمائهم الوظيفي أو الحزبي خطأً مزدوجًا: خطأ أخلاقيًا لأنه يُعاقب الناس على الصفة لا الفعل، وخطأ سياسيًا لأنه يضرّ الدولة أكثر مما يُطهّرها. فالعدالة الانتقالية الرصينة تقوم على قواعد بسيطة: تجريم الأفعال لا الأسماء، وفصل النقد الثقافي عن العقوبة السياسية، وإعادة الاعتبار للخبرات التي لم تتورّط في جرائم.

1. تجريم الأفعال لا الأسماء: المسؤولية تُبنى على مشاركةٍ مُثبتة في قتلٍ أو قمعٍ أو فسادٍ منظّم، لا على الانتماء الشكلي.

2. قضاء مستقل وإجراءات عادلة: لا قرارات إدارية جماعية تحكم حياة الناس، ولا قوائم تتحوّل إلى بديلٍ عن الدليل.

3. فصل النقد عن العقوبة: من حقّ المجتمع نقد الدعاية وفتح الأرشيف وتفكيك خطاب السلطة، لكن دون تحويل الإبداع إلى تهمةٍ تلقائية.

4. برنامج لاستعادة العقول: حماية الأساتذة والباحثين، وتسهيل عودة من هاجر، وإغلاق باب التشهير والإقصاء الذي يطرد الكفاءات.

وتُقدّم تجربة إقليم كردستان نموذجًا لنهجٍ مغايرٍ في إدارة ما بعد الصراع. فبدلًا من توسيع دائرة الاشتباه، اتّجهت قيادة الإقليم منذ أيّام التحرّر الأولى في ربيع 1991 إلى مقاربة المسامحة والعفو العام بوصفها مدخلًا لإغلاق ملفات الثأر. وشملت تلك المقاربة فئاتٍ من المتعاونين مع النظام السابق، بمن فيهم عناصر من التشكيلات الرديفة المعروفة محليًا بـ (الأفواج الخفيفة). وفي كثيرٍ من الحالات، جرى ربط العودة إلى المجتمع بمسارات صلحٍ ومراعاةٍ لحقوق ذوي الضحايا، ما ساعد على تثبيت أمنٍ مجتمعي وتعايشٍ إنساني، وتحويل الصراع من حرب هويات إلى دولة مؤسسات.

السؤال الحقيقي ليس: من كان مع النظام السابق؟ بل: كيف نبني دولةً بعد التغيير لا تستبدل الاستبداد بثأرٍ دائم؟

الانتقام لا يُنتج إلّا المآسي، لأنه يُعيد تدوير المظلومية ويؤسّس لعداواتٍ مؤجّلة. أمّا دولة القانون فتبدأ حين يصبح معيارها هو الفعل المُجرَّم لا الهوية، وحين تُقدَّم العدالة على أنها حمايةٌ للمجتمع لا أداةٌ لتقسيمه.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف