كتَّاب إيلاف

مبدعون في الذاكرة (16)

رياض شابا، حرفة الصحفي القاص

رسم رياض شابا
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في الصحافة العراقية تختبئ أسماء عديدة صنعت ملامح المهنة من دون أن تبحث عن الضوء. أسماء عملت بصمت، كتبت بمحبة، وعاشت الصحافة كما لو أنها قدرٌ لا مهنة.

ومن بين تلك الأسماء التي تركت أثراً ناعماً لكنه ثابت، يبرز رياض شابا بوصفه أحد الأصوات التي صاغت روح الصحافة العراقية في سنوات ماضية، من غير جلبة ولا ضجيج، ومن غير أن يرفع صوته يوماً ليثبت وجوده، كان حضوره يكفي.

وُلد في ناحية &"طق طق&" عام 1947، تلك البلدة الوادعة التابعة لقضاء كويسنجق في أربيل، حيث تلتقي الطبيعة بذاكرة التاريخ. لم يكد يبلغ الرابعة من عمره حتى غادرها، وهو لا يجيد سوى الكردية، إلى قرية &"بارا&" الإيزيدية في قضاء سنجار، ومنها إلى مدينة الموصل، ثم إلى القوش التي ينتمي لها. هناك انفتح على لغة الضاد، فأتقنها بجدارة، وراح يتلذذ بقراءة النصوص الخلدونية، مستوعباً فلسفة الحياة والفكر.

وفي عام 1967، تخرج في كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، حاملاً شهادة أكاديمية، لكنها لم تكن سوى جسر عبور إلى شغفه الحقيقي، عالم الصحافة. اختار أن يسلك طريق الكلمة، مؤمناً أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، وأن القلم يمكن أن يكون سلاحاً يواجه به التحديات، ويضيء به دروب الحقيقة في وطنٍ تتقاذفه العواصف.

بدأت الرحلة منتصف الستينيات وهو ما يزال طالباً في الجامعة، مع جريدة &"كل شيء&" الأسبوعية لعبد المنعم الجادر، ثم تواصلت مع &"الأمل&" الأسبوعية لكاظم الطبطائي، لتتسع التجربة عبر &"صوت العرب&" اليومية التي كان يقودها فوزي عبد الواحد، وتترسخ أكثر في &"المواطن&" اليومية برئاسة تحرير عبد الله الملاح. ومن هناك، مضى القلم ليخط حضوره في &"المنار&" الأسبوعية، متأثراً بأسلوب الصحفي عبد الله الخياط.

ويمتد إشعاعه إلى &"النور&" اليومية التي تمتع خلال عمله فيها بزمالة صحفية في ألمانيا الشرقية، تركت بصماتها على تجربته ونتاجاته، ثم إلى &"الراصد&" الأسبوعية لمصطفى الفكيكي، قبل أن يضيء صفحات مجلة الإذاعة والتلفزيون. وفي النهاية، استقر به المقام في صحيفة الثورة عام 1970، حيث أمضى عشرين عاماً من العطاء المتواصل، جامعاً بين الخبرة والرسالة، ومكرساً حياته لخدمة الكلمة والإعلام.

ومع السنوات، حين صار يُنشر له على نحو مستمر، كانت نصوصه تحمل بصمته، جمل هادئة، أفكار مرتبة، ولمسة عاطفية لا تخفى. شيئاً فشيئاً صار صوته معروفاً، وصارت مقالاته أشبه بنوافذ صغيرة يدخل منها الضوء، حتى في أكثر الصفحات جدية.

وإذا كانت بدايته في الصحافة اليومية قد صقلته مهنياً، فإن انتقاله إلى المجلات منحه مساحة أوسع. هناك، في الصفحات الأسبوعية، اكتشف أنه يستطيع أن يكون أكثر من ناقل للخبر، يستطيع أن يكون حكّاءً.

في مجلة الإذاعة والتلفزيون تحديداً وجد نفسه، لم يعد مطلوباً منه أن يكتب عن الأحداث فقط، بل أن يحكيها، أن يلتقط البشر خلف العناوين، وأن يستخرج القصص التي لا تظهر في القراءة الأولى.

عرفه القراء من خلال تحقيقاته التي مزجت الدقة بالحس الإنساني، فبدت نصوصه كأنها محادثات مع قارئ يعرفه جيداً.

عرفته عن قرب في مجلة فنون وصحيفة الجامعة يوم توليت رئاسة تحريرهما، كان قليل الكلام في غرف التحرير، يختار الصمت مسكناً والزوايا مقعداً. يجلس متأملاً، يخط جمله في هدوء، ويراقب حركة المكان بعين ناقدة لا ترفع صوتها. فإذا طُلب رأيه، جاء حصيفاً، صريحاً، مشبعاً بإنسانية لا تكلف فيها ولا ادعاء.

لم يعرف التكبر طريقاً إليه، ولهذا استطاع أن يعلّم من حوله بأدب العالم، لا بعجب المتعالم.

بعض الأسماء التي برزت لاحقاً تعلمت على يده مبادئها الأولى، كيف تُمسك الفكرة، وكيف تُكتب الجملة الأولى، وكيف ترتفع القصة إلى ما فوق مستوى الحدث.

كان مبدعاً خلاقاً، رشيق الأسلوب، قصصي النفس، حتى ليخيّل للمرء أنه يجمع بين حرفة الصحفي وفن القاص في قلم واحد.

ومع ذلك، لم تخل صفحته الموسيقية في مجلة &"فنون&" التي كان يعدها، خصوصاً تلك التي تتناول الأغنية الأجنبية، من تساؤلات الجهات الأمنية، مرة تُتهم بأنها تحمل إشارات صهيونية، وأخرى بأنها ذات صبغة أممية. حتى وصل الأمر بي أن أفكر في إلغائها، لولا شعبيتها الكبيرة بين القراء، الذين وجدوا فيها نافذة على العالم، وفسحة من الجمال وسط ضجيج السياسة والرقابة.

ومن عرفه عن قرب يقول إنه لم يبحث يوماً عن شهرة، كان يختار البساطة في حياته كما يختار الدقة في عمله. كان يؤمن بأن الصحافة مسؤولية لا مهنة، وأن الكاتب ينبغي أن يترك أثراً لا صدى. ولهذا بقي اسمه حاضراً بين زملائه، حتى حين غاب عن صفحات الأخبار.

كانت روحه الهادئة تجعل منه قريباً من الجميع، يستمع أكثر مما يتكلم، يبتسم أكثر مما يغضب، ويكتب أكثر مما يظهر.

ترك رياض شابا إرثاً يليق بإنسان عاش الصحافة بصدق، إرثاً من القصص، من الصفحات التي تلامس القلب، من الدروس الصغيرة التي لا تُنسى، ومن الكتابات التي احتفظت بعذوبتها حتى بعد عقود من رحيل زمنها. رحل الزمن الذي كتب فيه، لكن كتاباته بقيت، رقيقة، صادقة، دافئة، كأنها جزء من روحه.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف