كتَّاب إيلاف

مصطلحات من رحم الواقع نحت لغوي لتحليل تعقيدات السياسة والإعلام

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لا تنفك العلاقة بين الإعلام والسياسة تفرز تعقيداتها في عالمنا، خاصة في الفضاء العربي والثالثي حيث تشتبك الخطوط وتتداخل الأدوار. في هذا المشهد، يبرز دور المفكرين في نحت مصطلحات جديدة تستطيع الإمساك بجوهر الظواهر المستجدة، فالكلمات وليدة السياقات، والمصطلحات الجديدة ضرورة لفهم التحولات المعقدة.

عبر سنوات من البحث والمراقبة، وجدتُ نفسي مدفوعاً إلى صياغة مفاهيم تترجم تشابكات الواقع، وتعبّر عن حقائق قد لا تجد ألفاظاً دقيقة لها في القاموس التقليدي. هذه المصطلحات ليست مجرد كلمات، بل هي أدوات تحليلية تساعدنا في فك شفرات العالم السياسي والإعلامي.

البترو بوليتكس (Petro-Politics) السلاح السائل

في سبعينيات القرن الماضي، وأنا أغوص في أطروحة الدكتوراه، استشعرت الحاجة إلى مصطلح يعبر عن تحويل النفط من سلعة اقتصادية إلى أداة ضغط سياسي في الصراع العربي الإسرائيلي، فكان مصطلح تسييس النفط، أو البترو بوليتكس (Petro-Politics)، شاهداً على مرحلة تاريخية تحولت فيها أنابيب النفط إلى خطوط نار دبلوماسية، وعقود النفط إلى أوراق ضغط في المعارك السياسية. المصطلح يشير إلى تلك اللعبة الخطرة حيث تمتزج الجغرافيا بالجيولوجيا بالسياسة، لتخلق معادلات قوة إقليمية وعالمية متغيرة.

الردحيولوجي (Radhology) سياسة الصراخ

وفي سياق تحليل الخطاب السياسي العالمي، استوقفني ظاهرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ابتكر نمطاً خطابياً جديداً يعتمد على الردح والتحدي العلني والخطاب الانفعالي عالي النبرة، محولاً تغريداته إلى قنابل إعلامية. فصغت مصطلح الردحيولوجي (Radhology) لتحليل هذه الظاهرة التي تمزج بين الإهانة العلنية والتهريج الإعلامي والتسييس المباشر للعواطف. إنها منهجية متعمدة تهدف إلى تفجير المعايير التقليدية وإرباك الخصوم، عبر التحويل المستمر للانتباه والاعتماد على الصدمة بدلاً من الحوار. الردحيولوجي ليست مجرد أسلوب خطابي، بل هي فلسفة سياسية كاملة تعيد تعريف العلاقة بين القائد والجمهور، حيث تحل العواطف الجياشة محل البرامج الواضحة.

ولاد الكامب التطبيع كهوية

في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، برزت فئة جديدة من المطبعين مع إسرائيل، أولئك الذين لا يكتفون بالتطبيع السياسي بل يتحولون إلى دعاة له. فكان لا بد من مصطلح يعري واقع التطبيع مع إسرائيل بعيداً عن لغة الخطاب الرسمي أو الشعارات الجوفاء. فجاء مصطلح ولاد الكامب، الذي يحمل في طياته سخرية مرة وتوصيفاً دقيقاً لأولئك الذين يولدون وينشأون في كامب المصالح الضيقة والتبعية، فباتت علاقاتهم مع الكيان المحتل جزءاً من هويتهم ونسيج حياتهم اليومي بعيداً عن روح الأمة وقضاياها الجوهرية. وحمل المصطلح في طياته نقداً لظاهرة التحول من التطبيع كخيار سياسي إلى التطبيع كثقافة وهوية.

التبعيض اغتيال المعنى

ولم يكن الخطاب الديني والثقافي بمنأى عن هذه التحليلات. فرأيت آفة جديدة تنتشر كالنار في الهشيم، أسميتها التبعيض أو البعبضة الفكرية. وهي عملية مركبة تختزل الخطاب العريض في تفاصيل هامشية وحرفية ضيقة، تحت شعارات التحري الدقيق أو النصيحة الوعظية، لكن هدفها الحقيقي هو الإقصاء الذكي للمخالفين بصمت آمن، دون حاجة إلى استخدام سيف التكفير الصارخ، بل تتحكم بخيوط العقول بخفة الإشارة وتأويل النص، لتفريغ الخطاب من مضمونه وتحويل السجالات إلى معارك وهمية على كلمات مجتزأة.

الإنفو بوليتيكس (Info-Politics) حرب المعلومات

إذا كانت المصطلحات السابقة تحلل ظواهر محددة، فإن التطور الأحدث في العلاقة بين السلطة والخطاب يتطلب مصطلحاً أشمل. مع تصاعد وتعقيد العلاقة بين الإعلام والسلطة في عصر التدفق المعلوماتي اللامحدود، لم أعد أرى مصطلحات مثل الإعلام السياسي أو البروباغندا كافية لوصف هذا الاشتباك العضوي. فجال في ذهني منذ ساعات مصطلح جديد هو الإنفو بوليتيكس (Info-Politics) ليعبر عن العلاقة المعقدة بين الإعلام والسياسة. في عالمنا العربي والعالم الثالث، تصل هذه العلاقة إلى ذروة التعقيد، حيث تتحول وسائل الإعلام من نوافذ إخبارية إلى أدوات صراع، ومن منابر حوار إلى ساحات معارك. الإنفو بوليتيكس يصف تلك الشبكة المعقدة حيث تصبح المعلومات سلاحاً وهدفاً وميدان معركة، حيث تذوب الحدود بين نشر الخبر وصناعة القرار، بين كشف الحقيقة وترويج الرواية. إنه مصطلح يفسر كيف تختزل السياسة في إدارة الانطباعات، وكيف يتحول الإعلام إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت ستار التغطية المهنية.

هذه المصطلحات ليست مجرد ثراء لغوي، بل هي أدوات تشريح لواقعنا المعقد. إنها محاولة لاستعادة زمام المبادرة في فهم عالمنا وتسمية ظواهره بلغتنا ومن منظورنا. فالأمة التي تستهلك مصطلحات غيرها، تستهلك في العمق رؤى غيرها وتخضع لإطار تحليل غيرها. إن الابتكار المصطلحي هو خط الدفاع الأول للحفاظ على القدرة على الفهم والتوصيل، وهو شكل من أشكال المقاومة الفكرية في زمن العولمة الثقافية.

في النهاية، هذه المصطلحات ما هي إلا إشارات على الطريق، دعوة للحوار والنقد والتطوير. لأن الكلمة، حين تكون دقيقة وجريئة، تصبح فعل تحرير.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف