كتَّاب إيلاف

الدولار القديم يفقد قيمته في سوريا

في سوريا "أُلبس الدولار القديم ثوب الشك والريبة، وكأنه شاهد على زمن لم يعد مرغوبًا فيه"
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في الأسواق المحلية السورية، نشأت ظاهرة غريبة تكاد تكون فريدة في قسوتها وحدّتها: تحوّل الدولار الأميركي من الإصدارات القديمة، تلك الأوراق التي وُلدت قبل عام 2006، إلى ما يشبه &"عملة منبوذة&"، تُعامَل بريبة، وتُنتقص قيمتها، ويُنظر إليها بوصفها عبئًا أكثر منها وسيلة تبادل. هناك، في محال الصرافة وعلى الأرصفة، وبين أيدي الناس المرتجفة، لا يُسأل الدولار الأبيض عمّا يحمله من قيمة قانونية، بل عمّا يثيره من شك. يُرفض أحيانًا بلا نقاش، ويُقبل أحيانًا أخرى بخصم فادح قد يصل إلى 40 بالمئة من قيمته الاسمية، وكأن السنوات التي مرّت عليه صارت جريمة لا تُغتفر.

هذه الظاهرة، في جوهرها العميق، ليست مجرد خلل تقني في سوق الصرف، ولا مجرد اختلاف في تفضيلات التجار أو الصرافين، بل هي مرآة صافية تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تعيشها سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والعزلة. إن ما يحدث للدولار القديم يشبه، في أحد أبعاده المؤلمة، ما حدث للإنسان السوري نفسه: فقدان الثقة، تآكل اليقين، وتحول الأشياء التي كانت يومًا مصادر أمان إلى بؤر خوف وارتياب.

إن أصل التمييز بين الدولار &"الأزرق&" والدولار &"الأبيض&" يعود، في الأساس، إلى اختلافات شكلية في التصميم والألوان بين الإصدارات الحديثة والقديمة للعملة الأميركية. اختلاف بصري بحت، لا يحمل أي دلالة قانونية أو نقدية في المنطق المالي العالمي. لكن هذا الفارق البسيط، حين دخل السياق السوري المثقل بالشكوك، تحوّل إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية معقّدة، تُدار فيها القيم بالهواجس لا بالمعايير، وبالانطباعات لا بالحقائق. أصبح الدولار الحديث رمزًا لأمان هشّ، بينما أُلبس الدولار القديم ثوب الشك والريبة، وكأنه شاهد على زمن لم يعد مرغوبًا فيه.

وتعود هذه الظاهرة إلى شبكة متداخلة من الأسباب، في مقدمتها العقوبات الدولية والحصار المالي الخانق الذي فُرض على سوريا خلال سنوات طويلة. فقد أدّت العقوبات الاقتصادية الأميركية إلى عزلة شبه تامة عن النظام المالي العالمي، وأغلقت أبواب إعادة تدوير العملات عبر القنوات المصرفية الرسمية. ومع الوقت، لم يعد الخوف مجرد إحساس عابر، بل تحوّل إلى سلوك اقتصادي. تسلّل الخوف إلى نفوس الصرافين والتجار، خوفٌ من أن تكون هذه الأوراق مرتبطة بمخالفات محتملة أو شبهات قانونية، في ظل غياب القدرة على تحويلها إلى الخارج أو التحقق من مسارها، فصار الرفض أسهل من المخاطرة، والخصم أيسر من السؤال.

غير أن الأزمة لم تبقَ حبيسة الأطر المالية والنقاشات التقنية، بل تمدّدت ببطء وثقل إلى الحياة اليومية للمواطنين، وخصوصًا أولئك الذين يعيشون على تحويلات أقاربهم في الخارج. فالدولار القديم، الذي يصل إليهم محمّلًا بجهد الغربة وعرقها وحنينها، يتحوّل عند باب الصرافة إلى مصدر خسارة. ورقة نقدية تحمل في طياتها سنوات من التعب، لكنها تُقابَل بنظرة شك، وتُجبر صاحبها على القبول بخصم قاسٍ، أو الدخول في سلسلة تحويلات إضافية تلتهم ما تبقّى من قيمتها، وكأن الفقر لا يكتفي بما أخذ، بل يصرّ على المزيد.

ومن بين الأسباب التي عمّقت هذه الأزمة، انتشار حالات التزوير، وغياب الأجهزة المتطورة القادرة على كشف التزوير في الإصدارات القديمة، إضافة إلى نقص الخبرة لدى عدد غير قليل من الصرافين في التعامل مع هذه الفئات. كما أن احتفاظ كثير من المواطنين بمدخراتهم الورقية لسنوات طويلة، في ظل انهيار الثقة بالأنظمة المصرفية، أدى إلى تدهور الحالة الفيزيائية لبعض الأوراق النقدية، ما زاد من الشكوك حول سلامتها. وهكذا، صارت الورقة التي صمدت في وجه الزمن موضع اتهام، لا تقدير.

لكن ما يميّز هذه الظاهرة، ويجعلها أكثر إيلامًا، هو بعدها النفسي والاجتماعي. فهي تكاد تكون محصورة في سوريا، وتعكس ثقافة عامة تشكّلت تحت ضغط الخوف المزمن وعدم الاستقرار. ثقافة تقوم على الريبة، والحذر المفرط، وتضخيم الخسائر المتوقعة، حتى في الحالات التي لا تستند إلى أي أساس قانوني. ففي معظم دول العالم، بما فيها دول أوروبا، يُتداول الدولار القديم بشكل طبيعي، دون أن يُسأل عن عمره أو لونه، ودون أن يُختبر صبر صاحبه عند كل معاملة.

ويلعب الجهل وقلة الوعي بحقيقة أساسية، وهي أن الولايات المتحدة لا تلغي أي إصدار قديم من عملتها، دورًا مركزيًا في ترسيخ هذه الأزمة. فكل دولار أميركي، مهما كان تاريخ طباعته، يبقى صالحًا قانونيًا، وقيمته لا تسقط بالتقادم. غير أن غياب هذه المعرفة، في بيئة منهكة أصلًا، يجعل من الإشاعة أقوى من الحقيقة، ومن الخوف أكثر حضورًا من القانون.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى نشر الوعي، لا بوصفه ترفًا معرفيًا، بل كضرورة معيشية. الدعوة إلى إنشاء مكاتب متخصصة لفحص واستبدال الدولارات القديمة، وتدريب الصرافين والمواطنين على التمييز بين العملة السليمة والمزوّرة، ووضع ضوابط واضحة للخصم المسموح به، وتوحيد الأسعار بما يحمي السوق من الفوضى والاستغلال، كلها خطوات تخفيفية ممكنة في سياق أزمة أكبر. فمشكلة الدولار القديم ليست سوى عرض من أعراض مرض اقتصادي وسياسي أعمق، لا يمكن الشفاء منه دون تسوية شاملة للأزمة السورية، وإن كان بالإمكان الحدّ من آثاره القاسية على حياة الناس.

الضرورة تقتضي أن يرفض المواطن تصريف الدولار القديم إلا بقيمته الفعلية، وأن يُبلّغ عن أي جهة تمتنع عن قبول ورقة نقدية سليمة بحجة قدم إصدارها. كما أن فتح المجال أمام مزيد من الشاحنين المرخّصين للعملة الصعبة من الخارج قد يُسهم في كسر هذه الحلقة المغلقة، وإعادة الاعتبار للدولار بكل إصداراته، بالتوازي مع فرض غرامات فورية على المخالفين، لوقف تجديد دورة المال الأسود التي تتغذى على الخوف والفوضى.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع. فأي تغيير جذري في البيئة العامة، بما في ذلك إلغاء قانون قيصر، قد يترك أثرًا عميقًا على قيمة الدولار وحركة التجارة، وإن كانت النتائج ستبقى مرهونة بعوامل الاستقرار واستجابة الأسواق، وبمدى قدرة المجتمع على استعادة ثقته بنفسه وبمستقبله.

في المحصلة، تضع هذه الأزمة المواطن السوري في مأزق وجودي حقيقي. فالدولارات القديمة المكدّسة في الجيوب والبيوت ليست مجرد أوراق نقدية، بل هي اختزال لسنوات من العمل والكدّ والانتظار، ووعود مؤجلة، وأحلام أُجبرت على الصمت. خسارتها ليست خسارة مال فحسب، بل خسارة معنى، في بلد تعلّم فيه الناس، على مضض، أن يقيسوا الحياة بما يتبقى لهم في النهاية، لا بما حلموا به في بدايتها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف