ترفيه

المرأة المجهولة في بيروت

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

رائعة جديدة للمخرج الإيطالي جيسيبي تورناتوري
ملصق الفيلم مي الياس من بيروت: بدأت الصالات اللبنانية بعرض الفيلم الإيطالي "المرأة المجهولة" أو La Sconosciuta وهو أحدث أفلام المخرج المبدع جيسيبي تورناتوري المعروف بجمهور السينما عالميًا من خلال فيلمه الشهير Nuovo Cinema Paradiso الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 1988.
أنتج فيلم "المرأة المجهولة" عام 2006، ومن خلاله عاد تورناتوري إلى الشاشة الفضية - بعد إنقطاع دام ست سنوات - منذ أن قدم فيلم "ميلينا" عام 2000، والذي قامت ببطولته الممثلة الحسناء مونيكا بيللوتشي.
وكان تورناتوري قد كرس نفسه طيلة السنوات الماضية للعمل على مشروع ضخم ورثه عن سيرجيو ليوني بعد وفاته، ويتحدث عن حصار ليننغراد، ولا يزال هذا المشروع في طور التحضير ولم يبدأ بتنفيذه بعد.
تدور أحداث "المرأة المجهولة" في مدينة صغيرة تقع شمال شرق إيطاليا، حيث نتابع رحلة إيرينا (Ksenia Rappoport) وهي فتاة أوكرانية شابة وصلت حديثًا إلى المدينة، تبحث عن مسكن، ونراها تستأجر شقة ذات إيجار عال بالنسبة إلى فتاة تسعى للحصول على عمل كخادمة في البناية المقابلة لشقتها، والتي تسكنها مجموعة من العوائل الثرية.
وتنجح ايرينا بإقناع البواب بإيجاد عمل لها في تنظيف البناية بعد أن تعده بمنحه 20% من معاشها مقابل تأمينه هذه الوظيفة، وطيلة الوقت نشعر بأنها لا تعمل لتأمين قوتها، وأنها تملك من المال الكثير، وبأنها تستغل وظيفتها لتحقيق غاية في نفسها.
فاليريا وتيا اداشير فهي تقضي جل وقتها فيمراقبة من خلال نافذتها أحد الشقق في البناية المقابلة، والتي يملكها تاجر مجوهرات يدعى دوناتو اداشير (
Pierfrancesco Favino ) يعيش مع زوجته فاليريا (Claudia Gerini ) وإبنته الصغيرة تيا (Clara Dossena) التي تشكو من مرض نادر يسلبها القدرة على القيام بأي ردة فعل: اذا وقعت مثلاً فهي لا تقوى على النهوض، وإذا ضربها شخص لا تدافع عن نفسها أو تضربه بالمقابل.
العلاقة بين الزوجين سيئة، فهما في حالة شجار مستمرة، والزوجة على علاقة برجل آخر، والطفلة تتخبط وحيدة في مشاكلها.
إيرينا والطفلة تيا تتقرب إيرينا من المربية العجوز التي تعمل في خدمة العائلة، وتقوم بدورها (
Piera Degli Esposti)، لتسرق منها مفتاح الشقة وتنسخ عنه نسخة تحتفظ بها بعد أن تعيد الأصلية للخادمة دون أن تشعر بذلك.
وتدفعنا هذه الأحداث للتفكير في أنها ربما تسعى لسرقة الزوجين، حيث أنها تستغل خروج الجميع لتتسلل الى الشقة في رحلة إستكشاف بحثًا عن شيء نجهل ماهيته.
ونحن نتابع هذه الأحداث تمر بين الحين والآخر لقطات
- فلاش باك - تعود بنا إلى الماضي القريب والمريع الذي عاشته وتحاول جاهدة الهروب منه، حيث كانت تعمل "كبائعة هوى" في إحدى المدن الصغيرة جنوب إيطاليا.
إيرينا ضحية أم جلاد؟! يطاردها ماضيها المليء بالعنف والاستغلال، والقهر والإذلال، عندما كانت أسيرة يستعبدها "قواد" سادي ضخم الجثة، حليق الرأس، بشع الخلق والخلقة (Michele Placido )، لا يكتفي بتشغيلها هي وبقية البنات اللواتي يعملن لديه، وإنما يقوم بمضاجعتها مرارًا وتكرارًا بطريقة سادية، ووحشية لا يمكن إلا أن تترك آثارًا نفسية من الصعب أن تنمحي من الذاكرة.
الذكرى الجميلة الوحيدة التي تمتلكها ايرينا عن شاب وسيم وحنون كان يهتم بها، ويحاول أن يأخذها بعيدًا عن الجو الموبوء الذي كانت تعيش فيه، وكانت تبادله مشاعره بمشاعر أقوى، لكنه يختفي في ظروف غامضة تتضح تفاصيلها لاحقًا.
ويستمر التقاطع والتشابك الذكي لخطي الأحداث، فنجد أن رغبة إيرينا في دخول المنزل والتقرب من عائلة أداشير قوية لدرجة أنها لا تتوانى عن إرتكاب جريمة بحق المربية العجوز لتحتل مكانها في منزل العائلة .
وبإزاحتها تحصل إيرينا على وظيفة في منزل الزوجين، وفي البداية لا تتقبلها الطفلة وتشعر بأنها شريرة، ولكنها بعد بضعة أيام تبدأ بالتعلق بها، وتنشأ بينهما علاقة قوية، وتنجح ايرينا في كسب ثقة العائلة بالكامل، ويصبح لديها تأثير كبير عليهم جميعًا.
أبشع صور الإمتهان التي يمكن أن تمر بها إمرأة عانتها إيرينا ومع ظهور الشبح المرعب من الماضي مجددًا، تعود أيرينا لتقع ضحية للخوف، وتتعرض لمآسٍ جديدة يتسبب بها هذا الوحش الشيطاني، فتنكشف دوافعها الملحة - لتصبح جزءًا من هذه العائلة - للعيان أمام فاليريا، فتذهب الأخيرة بدورها ضحية لهذا الإكتشاف.
ومع إقتراب الثلث الأخير من الفيلم ينجلي الغموض الذي شاب أحداثه في ثلثيه الأولين بإيقاع سريع، ومشوق، يشد المشاهد حتى آخر لحظة. حيث تتلاحق اللقطات سريالية سريعة، وغامضة في أغلب الأحيان، وتتكامل تدريجيًا كقطع أحجية الـ "جيغسو"، حتى تتضح ملامح الصورة وتكتمل لنشهد أخيرًا نهاية دراماتيكية لا تقل قسوة ومأسوية عما عانته إيرينا في السابق.
من الصعب تحديد نمط سينمائي معين ينتمي إليه هذا الفيلم، فهو يمزج بين الدراما، والإثارة، والغموض، والجريمة في آن واحد. بسيناريو ذكي ومحكم تترجمه لغة سينمائية مميزة جدًا.
حتى البواب لا يكتفي بالمال ويسعى لإمتلاكها "المرأة المجهولة" يسلط الضوء على حالة من آلاف الحالات للاجئآت روسيا واوروبا الشرقية ممن يتعرضن للإمتهان والإستغلال في البلدان التي لجأن اليها بحثًا عن مأوى، وهربًا من واقع إقتصادي وأمني سيء،ليقعن ضحايا واقع أفظع.
لكنه سرد غير مباشر، فالفيلم لا يركز على كونها لاجئة، ولا يتوقف كثيرًا لدى هذه النقطة، فهي موجودة ضمنًا في سياق القصة.
كما يعالج الفيلم أيضًا أنواعًا أخرى من الإستغلال الذي تتعرض له إيرينا ومثيلاتها، بجانب الإستغلال الجنسي، بشكل مدهش، وبطريقة لم تكن لتخطر على بال المشاهد.
وجاءبناء شخصية إيرينامحكمًا جدًا، فهي تنجح في كسب تعاطف المشاهدرغم كل ما ترتكبه من أفعال تبدو شريرة وبشعة، وإمتداد طبيعي لما تعرضت له من إمتهان، خصوصًا في المشاهد التي تجمعهابالطفلة تيا وتتجلى فيها ساديتها تجاه الطفلة، بطريقة مشابهة تمامًا لما تعرضت له هي من جلادها.
ايرينا تبدو في الخلف خائفة من أن ترى فاليريا الوحش السادي الذي يطاردها ولا ننسى دور الموسيقى التصويرية التي وضعها المؤلف الموسيقي
Ennio Morricone في خلق حالة من التجانس الجميل بين الصوت والصورة، فتارة نعيش في أجواء هتشكوكية متوترة مع تصاعد الأحداث في المشاهد المثيرة والعنيفة، لتعود الموسيقى تنزف حزنًا وأسىً وهي تواكب الإسقاطات النفسية لذكريات إيرينا المؤلمة، والمرعبة في بعض الأحيان.
الجدير بالذكر أن العرض الأول للفيلم كان ضمن مهرجان روما السينمائي، ولدى عرضه بشكل تجاري في 300 دار عرض سينمائية حقق المركز الثالث في شباك التذاكر في إيطاليا، منافسًا فيلمي الشيطان يرتدي برادا، وبرج التجارة العالمي اللذين حلا في المركزين الأول والثاني في الأسبوع الأول من إطلاقه في دور العرض.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف