ترفيه

فيلم "رحلة 404" تساؤلات وجودية في طريق التوبة 

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف من الرياض: يحكي الفيلم المصري "رحلة 404"، قصة غادة (منى زكي) التي تقرر التوبة عن ماضيها، والذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، لكنها تواجه مشكلة طارئة تجعلها تلجأ إلى أشخاص من معارفها السابقين يجرجرون ماضياً سيئا لتأمين مبلغ كبير من المال، ثمّ تتوالى الأحداث والعقبات التي تضعها أمام اختبار يتلخص في السؤال الآتي: هل هي تغيّرت حقاً، وتابت، وأغلقت صفحة الماضي الذي لا يعكس واقعها الحالي، ولا يمثلها، ومع ذلك تجبر على الذهاب إليه والانغماس فيه، من باب الاضطرار والحاجة؟

الفيلم تدور قصته في المجمل حول شخصية واحدة (غادة) بحيث لا يخلو مشهد من حضورها الطاغي في الفيلم، فنتابع تفاصيل من رحلتها الوجودية بدءاً بعلاقتها بإبنتها ووالديها، وحرصها على ارتداء الحجاب الشكلي، وعلى رفع الصوت في النقاش، وعلى تذكير ابنتها الدائم بوجوب الصلاة، وممارسة التقوى، كأنها بذلك ترفع عن كاهلها العبء والمسؤولية عما يحدث فعلًا في الحياة من وقائع وممارسات تناقض هذا التوجه.


عن ماهية الحرام والخطيئة
يثير الفيلم مسألة الإيمان والخطيئة والحرام والحلال، ولا سيّما من خلال الصراع الذي يحتدم في داخل البطلة غادة، وفي وجدانها، حيث نرافق استماتتها في عدم العودة إلى حياتها الماضية المغمسة بليالي السهر والخمر والزنا، لكننا نرافقها أيضا، وهي في الخضمّ الشائك، عندما تتورط في عملية عقارية مشبوهة قد تلحق ضرراً كبيراً بالمشتري، فتشارك فيها، على الرغم من ذلك، من غير أن تشعر بالذنب أو بتأنيب الضمير. وها هنا يعود السؤال ليطرح نفسه بإلحاح عن الحرام والحلال، وعن مسؤولية الانسان حيال الضرر الذي يلحق بالآخرين في المجتمع بسبب الاحتيال والنصب والتزوير، وأيهما أكثر جرماً، السهرة التي تجمع بين فتاة وشاب، أو الاحتيال على الناس وسرقة أموالهم!
لا يكف الفيلم عن إثارة مثل هذه السؤال الوجودي، ملقياً الضوء على الصراعات التي تعصف بالبطلة، وهي تواجه ما تواجهه، وتعاني ما تعانيه. ولعل أكثر ما يدل على حالات الصراع، أن البطلة التي تخلت عن حياتها الماضية، نرى الكاميرا مسلطة عليها لتكشف عما يومئ إلى رغبات الاشتياق الدفينة إلى ذلك الماضي، من خلال ردود أفعالها وحركاتها وانفعالاتها لدى معاينتها كأس الخمر، أو لدى سماعها الطبلة، ورؤيتها فستان السهرة، وما إلى ذلك من ترميزات وإحالات. ثم نرى تلك الكاميرا تلاحقها عندما تهرع إلى المسجد طلباً للصلاة، وتكفيراً عن الذنب، وتعبيراً عن التوبة وعدم الرغبة في الوقوع في الخطيئة.



لغة الجرأة الحوارية
لا يخاف الفيلم المواجهة، بل هو يأتي بالمشكلة ويضعها نصب عيني المشاهد، وعلى الطاولة بجرأة شديدة و صدق، خاصة في الحوارات الصريحة التي تخلو من الافتعال والمبالغة، وما تستدعيه من تعابير وأحاسيس إن دلّت على شيء، فعلى العمق النفسي الذي يتمكن المخرج القدير هاني خليفة من تصويره والتقاط إيقاعاته في أدق أحوالها وأكثرها درامية، ولا سيما في مشهد منى زكي مع شيرين رضا ، أو مع محمد ممدوح عشيقها السابق، أو ذلك المشهد الذي يجمعها بمحمد فراج في الفيلا، حيث يصل الحوار إلى أقصى درجات عريه وشفافيته، كاشفًا عن العورات والسوءات في أكثر لحظات الفيلم حراجة.
هنا يجب الإشادة بمحمد رجاء كاتباً للنص، على رغم بعض الملاحظات القليلة على السيناريو، ولا سيما في مشهد الختام.



الفيلم المنتظر
كان واضحا أننا سنكون أمام مخرج واعد ومهم للغاية منذ أن قدم هاني خليفة تجربته السينمائية الأولى في فيلم "سهر الليالي"، وأنه سيكون امتداداً مشرقاً للمخرجين المصريين العظام الذين عمل معهم كداود عبد السيد ورضوان الكاشف . وإذا لم يكن فيلمه الثاني، "سكر مر"، في حجم التوقعات، فإنه عاد في فيلمه الثالث هذا ليذكرنا مرة أخرى بتميزه وفرادته وحضوره المميز، وباستمرار الصحوة السينمائية المصرية خلال السنة الأخيرة، وبأن هذا الفيلم هو العمل الذي طال انتظاره، أكان ذلك في شبّاك التذاكر أم في حجم النقد الإيجابي الذي حظي به، أم في أهمية الإشكالية الجريئة التي يطرحها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف