لقاء إيلاف

هاشم: الدكتاتورية أثرت على مجمل ألأدب العربي

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حوار مع صبري هاشم الروائي العراقي المغترب:
* أنا أبن المنفى بسبب ألأضطهاد السياسي
* لا أكرس لنوع أدبي جديد ففي زماننا لا توجد آلهة ولا أبطال
* الدكتاتورية أثرت على مجمل ألأدب العربي وليس على الرواية فقط
* حتى اليوم لم يستفزني عمل أدبي أو يذهلني نص

عبير حميد مناجد من برلين: حين أردت أجراء حوار معه أشترط علي قراءة آخر أصدارته الأدبية "الخلاسيون" و"حديث الكمأة" وأن يكون الحوار نابع حول ما كتب ويكتب وليس حول مايكتب عنه وبرغم أنه أبن الغربة وأديبها كما يقول عن نفسه الا أنني وجدت صعوبة في فهم معاني اللغة السردية الجديدة القريبة من الشعر والنثر ذكرتني بأسلوب تابة الملاحم واالبطولات الخيالية عدا عن أستدراك الدلالات السياسية والأجتماعية التي أستترت خلف السطور عن ما عاناه (العراق) من محن وما يعانيه اليوم ولا أدري متى ستنتهي.. وهو ما جعله نزيلا دائما في مستشفى برلين لأمراض القلب يمضي في الرواية والكتابة والشعر تحت أجهزة الفحص والمراقبة الطبية ويخشى أن تمضي به المنية دون أن ينجز ما وعد بأنجازه فالعراق يعيش فينا رغم أننا لا نعيش فيه كما ورد على لسانه rsquo; يختلف رفاقةه وزملاؤه الكتاب والمثقفين في وصفه لكنهم لا ينكرون جدية وجديد ما يكتب وأنه أضافة للأدب وليس رقما أضافيا فيه ولعل أجمل تعليق هو ما قاله لي الدكتور نزار محمود مدير المعهد الثقافي العربي في برلين( عندما تجلس الى صبري هاشم تنتابك الدهشة لتواضعه وشجاعته ورهافة حسه لقد كان أنسانا صادقا في ما أصاب ولم يكن غير ذلك فيما أخطأ عاش حياته مبدئيا أبيا وعصاميا مبدعا في أعماله لاتبهره الأضواء لكن صوته الهادئ الوديع يصدح في آذان من في رأسه عقل وفي صدره قلب كان صبري هاشم يمامة في دنياه وأصيلا في مسعاه....). وقبل ان أخوض معه عن آخر روايتين أصدرهما وما أستوقفني فيهما سألته أولا:

* صبري هاشم مَن أنتَ؟
- أنا ابن المنفى، فيه ولدتُ إبداعياً وفيه كتبتُ كل رواياتي وأشعاري التي تعدت الثلاثة عشر كتاباً. أنا ابن عدن حاضنتي الأولى التي فيها استكملتُ مجموعتي القصصية الأولى " ليلة ترخم صوت المغني " وكتبتُ روايتي الأولى " رقصة التماثيل " ونشرتُ فيها ومنها نصوصي الأولى وهناك تفتحت ورودي، وفيها تعرفت على كتابها وشعرائها الرائعين وعلى ناسها الطيبين وعدن منحتني دفئاً افتقدته منذ هروبي من العراق عبر الصحراء قاصداً، وبصورة مؤقتة، الكويت. أنا من مدينة البصرة التي فيها ولدتُ ونشأتُ ودرستُ وأعتقلتُ وتعذبتُ وعشتُ وحشة الوحدة وفيها جعتُ وعريتُ وناضلتُ وتخفيتُ عن عيون رجال الأمن وملاحقة رجال النظام وفيها عشقتُ وحلمتُ وفيها قضيتُ شطراً مهماً من حياتي ناهز الربع قرن من الزمان.


* جاء في رواية الخلاسيون: هنا لا يُقتل زانٍ ولا تُرجم زانية. لقد رحل الإلهُ المتجبّر إلى بحرٍ من الظلام دون رجعة. خرجَ إلى الشارع، تناهبته الأضواء، اللافتات، العاهرات، المقاهي، الحانات. هتف بإصرار: لن أعود إلى حجرتي إلاّ ثملاً. وفي نفس الرواية جاء: تساءلتُ عن سبب الصمتِ قيل لي إنّ أباً تركياً ذبح ابنته لإقترافها خطيئة الزنا. صرخ من أعماقه حتى هنا يا إلهي. إلى هنا تلاحقنا اللعنات. إنهم يضعون فرج المرأة بمنزلة تفوق منزلة الربّ. سؤالي هو: ألا ترى في هذا الكلام تطاولاً على الذات الإلهية من كاتب عاش في بيئة محافظة ( البصرة ) كما أشعرتنا بأنك تضيق ذرعاً بالعادات والتقاليد؟
- في أيّ موضع جرى التطاول على الذات الإلهية؟ أفي إدانة القتل بفعل ممارسة حقٍّ طبيعيٍّ وهو الجنس الذي نسميه " زنا " أو بمقاربة عورة المرأة من منزلة الرب؟ علماً إن قراءة النص ناقصة في الشقّ الثاني والقراءة الكاملة هي: " إنهم يضعون فرج المرأة بمنزلة تفوق منزلة الربّ وأي محاولة للإقتراب منه تفضي للقتل بينما حالة السطو على ممتلكات الله لا تؤدي إلى غير الإحتجاج". إنني أرى في هذا الطرح دفاعاً عن الله وممتلكاته وبيوته. لقد رُجمت الكعبة بالمنجنيق ولم تقشعّر أبداننا وحولوها إلى مبْوَلة ولم تهتز حناجرنا احتجاجاً ولم تخفق قلوبنا حزناً وطافوا بالحجر الأسود بلاد الجزيرة ولم يتطرق التاريخ لهذا إلاّ لماماً في حين يكون الأمر مختلفاً مع ممارسة إنسانية " ترتكبها " امرأة في لحظة وجد فيقطع رأسها. هل من عاداتنا وتقاليدنا أن لا ندين السئ واللاإنساني من هذه العادات والتقاليد وهو كثير جداً في حياتنا وتراثنا، أما أن تُحرّم علينا مقاربة الأشياء والنصوص بدعوى أننا عشنا في بيئة محافظة فهذا من باب تكميم الأفواه الذي أرفضه ورفضته فعلاً حين غادرت العراق منذ أكثر من تسعة وعشرين عاماً لا بسبب الإضطهاد السياسي وحسب وإنما بسبب نفوري، أيضاً، من هذه العادات والتقاليد التي دمرت حياتنا وأفضت بنا إلى الجحيم الذي يعوم فيه بلدنا الآن، فأيّ بيئة محافظة حين نمارس سلوك النعامة؟ أنتِ تعلمين أن البصرة مدينة مفتوحة على الهديل والرحيل والدخيل.. هي الميناء العراقي الوحيد، وهي المنفذ البحري الوحيد أيضاً الذي من خلاله يتنفس العراقُ العالمَ وفيها يحطّ البحّارةُ رحالهم وتلقي السفائن مراسيها وفي البصرة، ربما لا تعلمين على عهدنا ولا أدري ماذا جرى الآن، أكبر مبغى في المنطقة العربية وربما من أكبر مباغي العالم لأنني لم أر مثله بعد في كلّ منفاي حتى في سانت باولي في مدينة هامبورغ، وفيها حيُّ للغجر يسمّى حي الطرب بالإضافة إلى الملاهي والحانات التي لاتعد ولا تحصى، والبصرة ليست إستثناءً عن مدن العراق الرئيسية الأخرى مثل بغداد والموصل ففيها الكثير مما ذكرت فلنبطل في داخلنا سلوك النعامة ولنظهر على حقيقتنا ونحن بشر نصيب ونخطئ.
رواية الخلاسيون تحدثت عرضاً، في برقةٍ عابرةٍ أثناء السرد، عن غسل العار عند الأتراك الذين يشترك معهم كلُّ متخلفي الدنيا بمَن فيهم نحن ولم ترتكز الرواية على هذه التيمة فقط لكي لا يبدو الطرح وكأن موضوع الرواية هو ماجاء في صلب السؤال.

* لكن جاء على لسان سهام الخلاسية في الصفحة السادسة والعشرين ما يشير إلى أهمية موضوع فعل الزنا حين تقول " عوقبنا على فعل الزنا " فتفوهت المدينة حجارة طائشة رشقت بريق الحجرات.. إلى آخر المقطع. كيف تفسر هذا؟
- أجل هذا صحيح إنما ضمن الشعور بالقهر الإجتماعي العام فالرواية يتجاذبها أكثر من موضوع مركزي وأكثر من رؤيا، فهي تتحدث عن شرائح اجتماعية، ليست بالضرورة طبقية، مقهورة، ربما كان قهراً روحياً أو فكرياً أو اضطهاداً موجهاً ضد النزوع نحو التحرر والانعتاق مما اسميتيه بالعادات والتقاليد وضد التحرر من القوى الغيبية التي تطحن المجتمع وتدمر الطاقات الفردية، إننا نبحث في البؤر التي توأد فيها الأحلام وتجهض فيها المبادرة وتسحق فيها النفوس المتأملة نحن إزاء عمل من نوع آخر معقد البناء واللغة والموضوع.

* "أمهات يقفن طابوراً على أبواب السجن يحسبن السنين.. مرضعات أرامل يتوزعن الأرصفة يستجدين الرغيف.. يتامى يتزاحمون على وهم المأوى.. أموات يحلمون باستنشاق الرياحين.. أب يبيع طفله لقاء قوت يومه.. الفاو يصلب على أبواب الخليج فوق سارية.. الزبير يرحلُ عبر الصحراء إلى جهة مجهولة.. القرنة تتخلى عن الملتقى بعد مرض عضال. الملح يزحف إلى وجه أبي الخصيب الذي لم يعد خصيباً. التنومة أعطت عجيزتها لأعجميٍّ قبل صلاة الفجر مقابل صمته عن زندقتها. طوائف من جميع الأديان فرّت من المعقل والجبيلة والطويسة والخندق باتجاه غيمة في السماء. زحف الأصمعي والصبختين وحي الحسين والنظران والقبلة والسيف وباب الزبير نحو البحر لإبتلاعه فابتلعهم البحر. هل كان الواقع سوداوياً كما وصفته في هذه السطور وهل عايشته أم هو محض خيال قد يلتقي مع الواقع أحياناً؟
- أيّ عمل روائي حقيقي هو عمل يوتوبي خالص. هذه وجهة نظر قابلة للدحض، أنا لا أقوم بإعادة إنتاج المقولات الجاهزة للنقاد ومؤسسي المدارس والإتجاهات النقدية أو حتى أقوال من سبقني من الروائيين لكنني أرى تطويح الواقع في سماء المخيلة ومن ثم لفظه متماسكاً غير مترنحٍ، هو عمل روائي جيد أيضاً. الرواية والكتابة الإبداعية بشكل عام قيمة جمالية عالية وفي تقديري لا ينتج هذه القيمة أي لا ينتج نصاً جميلاً مَن لم يكن جميل الروح. جمال الروح يشحذ المخيلة. كتبت " الخلاسيون "، ولن أرتضي إلاّ أن تكون رواية خارج الزمان، في الفترة مابين 1996 ـ 1998 ونشرت في العام 2000. أنتِ عشتِ العراق خلال هذه الفترة وربما عشتِ جميع الحروب منذ العام 1980 وسمعتِ بالقمع والإضطهاد والسجون والدكتاتورية وفيما بعد بالقبور الجماعية والحصار الإقتصادي والإعدامات والجوع والموت على أرصفة عمان ودمشق والموت في بطون البحار والغرق في الأنهار وهذا العدد المهول من اللاجئين والمشردين والأرامل والثكالى واليتامى. هل هذا يوتوبيا أم واقع؟ هل هذا محض خيال أم هو واقع أبشع من الخيال الأسود؟ في العادة لاتنتج مخيلتي السواد إنما ما نقرؤه هو الواقع بعينه. أنا لم أعش في العراق منذ نهاية 1978 لكن العراق ظلّ في داخلي يعيش، يؤسفني هذا، سكنني ولم أسكنه. كان عليَّ أن أتأقلم مع منفاي وأحياه كما هو. كان عليّ أن لا أنزف كلّ حنيني وأن لا أكون مفرطاً في عاطفتي، الآن فات الأوان. بقيت أتابع أخبار الوطن حتى اللحظة الراهنة ولم يصعب عليّ أن أتبين الخيطَ الأبيض من الأسود فيه.

* هل تكرّس لجنس أدبي جديد أم للغة روائية أقرب ماتكون للغة الملاحم حيث يمتزج الشعري بالنثر الأخاذ. هذا النوع من الكتابة ربما يروي أرض غرورك لكنه يظلّ مستغلقاً على العامة فتعجزهم عن قراءتك؟
- لم أفكر بجنسٍ أدبيٍّ جديدٍ ولستُ مستعداً لإعادة إنتاج الملاحم ففي زماننا لا توجد آلهةٌ تقود حروباً ولا أبطال من هذا النوع. فلا آخيل يمرّ بالتخوم ولا بروميثيوس يسرق لنا النار.. هوميروس والفردوسي ودانتي لن يتكرروا. الإلياذة والأوذيسة والشاهنامة ثم الكوميديا الإلهية وغيرها من الأعمال العظيمة لن تستنسخ ثانية. أخذت مداها واستقرت في الذروة بشكل نهائي. أنا لا أدعي عطاءً كهذا، ما أعلمه هو شئ واحد أنني أكتب روايتي شعراً أو بلغة الشعر وعلى المتلقي سواء كان متخصصاً أو قارئاً غير متخصص أن يحدد، يفرز مادة قراءته. بقي أن أجيب على الشق الثاني من السؤال وهو أنني أكتب حين يغادر جميع القرّاء. حينما أكتب لم أفكر بقارئ محدد.. لم أفكر بقارئ مثقف وآخر متعلم أو عادي. أنا أكتب بالطريقة التي أعرفها وبالإسلوب ذاته. أنا أتنفس فوق الورق.. أسكب لوعتي.. أطلق غصتي.. أختنق حين لا تخرج الكلمة أو الجملة أو القصيدة.. مايعنيني هو ضآلة التناص عندي. كلما كانت كتابتي قليلة التناص كلما كانت أكثر إشعاعاً. نصي ليس مستغلقاً، أنه مكتوب بلغة عربية فصيحة وشفيفة، ما يحتاجه القارئ أثناء القراءة غير مستحيل أنه يحتاج قليلاً من الصبر وقليلاً من المعرفة باللغة.

* ولكن أعمالك الروائية صعبة على القارئ العادي.. فماذا تقول؟
- لا أكتب إلى شريحة ما.. ليس عندي قارئ عادي وآخر من النخبة. لا أكتب إلى قارئ بعينه. لا أفكر بالقارئ حينما أكتب.

* هل اختلفت الرواية العراقية في الستينات والسبعينات حين كانت في أوج ازدهارها وانتشارها عن الرواية في الثمانينات إبان الحكم الشمولي حيث ارتدّت كتابة الرواية إلى الوراء.. هل أثّر هذا الإرتداد على مسيرة الرواية العراقية؟
- لستُ متأكداً من ازدهار الرواية في الستينات والسبعينات ووجود بعض الروايات القليلة لا يدل البتّة على ازدهار الرواية. في الستينات والسبعينات من القرن الماضي قرأتُ لغائب طعمة فرمان ولفؤاد التكرلي ولمهدي عيسى الصقر وسواهم لكنها أعمال قليلة لا تدل على ازدهار الرواية عندنا خاصة إذا ما قورنت هذه الأعمال مع الأعمال الروائية في جمهورية مصر العربية أو سورية على الأقل، ولن أتطرق إلى قيمة أعمالنا من الناحية الفنية. إضافة إلى، وهذه إجابة على الشق الآخر من السؤال، أنّ الحكم الشمولي جاء للعراق في العام 1968 أي أخذ قسطاً مهماً من المساحة التي تتكلمين عنها. في الثمانينات ظهرت روايات الحرب التي تمجد قادسية صدام، القادسية الثانية وهي في الواقع روايات بمستوٍ فنيٍّ متدنٍ. إنها باختصار مسوخ وليست روايات، استمرت الكتابة المُمجدة للدكتاتور حتى الغزو واحتلال بغداد في العام 2003 ولم تتوقف في التسعينات أيضاً. بقي أن نجيب هل أثرت على مسيرة الرواية في العراق، نعم أثرت على مجمل الأدب العربي في العراق وليس على فن كتابة الرواية فقط.

* كتب كثيرون عن فترة الدكتاتورية، وكثيرون مجّدوا النظام السابق، مدحوا الدكتاتور وحروبه ثم فرّوا إلى المهاجر ليقفوا اليوم متفرجين إزاء ما يحصل في العراق. هل جفّت أقلامهم أم أنهم ذُهلوا من هول الصدمة أم أنهم يترقبون ما سوف يحصل.. ماذا حصل؟ أين هم من الوطن؟
- لا لم تجف أقلامهم. إنهم متواصلون، معظمهم، مع الكتابة. وهم يكتبون الآن ضد النظام السابق وضد الدكتاتور تحديداً. إنهم صعدوا المركب الآخر الناجي وتركوا الذي غرق بمَن فيه وصاروا يذودون عن أنفسهم ضد أي إتهام لهم بالإنتماء لحزب البعث أوالكتابة للنظام السابق. إنهم منافقون بامتياز وانتهازيون بامتياز. هؤلاء هم صنعوا النظام السابق وعادوا ليسهموا في صناعة النظام الحالي. بعضهم لبس العمامة السوداء وتحوّل من مقاول بعثي إلى قارئ في حسينية أو إمام في حضرة ولي وبعضهن ارتدين السواد وصرن ملايات في مأتم ما. لقد انقلبوا بلمح البصر. هؤلاء مَن دمّر العراق وحرق العراق وعليهم يجب أن نؤشر، وإن كانت ثمت محاكمات فلهؤلاء أولاً. أنا أحترم البعثي العقائدي الذي كتب في ظلّ نظامه ومدحه ومازال يذود عنه. نعم، كيف لا؟ عليَّ أن أحترم أصحاب المواقف والرأي مثلما يتوجب عليّ إحتقار الإنتهازيين والمنافقين والذين يغيرون جلودهم تبعاً لمصالهم و كلما لاح لهم كيس المال. لقد كان النظام السابق مواظباً على شراء الذمم وكان يجزل لهؤلاء العطاء وفي تلك الفترة انتشرت ظاهرة الكوبونات كما كان يسميها أعداء النظام السابق. الآن وبعد احتلال العراق عادت الكوبونات وشراء الذمم ومحاولة تحييد المثقف بطريقة أخرى. تبناها هذه المرّة مَن كان يرمي بها عدوه.. تبنتها هذه المرة مؤسسات يسارية ويساريون أدمنوا شراء النفس الضعيفة تحت يافطات تبدو للمغفل إنسانية في ظاهرها خبيثة في جوهرها. إنني ككاتب عراقي أرى من واجبي أن أنبه إلى هذا الخطر، خطر استغلال عوز المثقف المادي وحاجة الأديب للمال ومن ثم تحييده وتكميم فمه وهنا أعني المثقف الأبي الرافض للضيم والذل ولا أقصد أولئك الذين يدورون كزهرة عباد الشمس حيث تدور مصالحهم. هؤلاء خطرون على العراق وشعوبه.. يجب الحذر منهم.

* هل قرأت أعمالاً مهمة لروائيين وشعراء عراقيين؟
- الأعمال المهمة التي تتحدثين عنها قليلة إذا ما قورنت بالعدد الهائل من الكتاب والشعراء. أنا لا أجد تناسباً بين الكم الكبير من الكتابات وبين نوعها. بعد ثورة الإنترنيت صار الكلّ يكتب. ليس لدي اعتراض على هذا لكن أين هي النوعية الجيدة من كل هذه الكتابات أعني الروائية والشعرية والقصصية وحتى التشكيلية؟ أين هو العمل الفني المتميز الباهر الذي يستفزنا ويجعلنا نطرح أسئلة مهمة؟. أين هي الرواية المدهشة التي تأخذنا إلى عالم ساحر ينعش أرواحنا؟ أين هي القصيدة التي ترفعنا من على كراسينا وتدخلنا في النشوة؟ إبّان العهد الدكتاتوري كان الروائيون والشعراء يتذرعون بالضغوطات التي يسلطها عليهم النظام القمعي، الآن لا يوجد، ومنذ أربع سنوات، نظام قمعي فأين النص المُذهل؟ منذ سنوات لم أقرأ نصاً جميلاً ماعدا تلك النصوص القليلة التي يرميها بوجوهنا كتاب وشعراء شباب لا أحد ينتبه لهم في زحمة "الكبار" المنطفئين.

* لكن هناك أسماء مهمة على الساحة الأدبية ألم تقرأ لهم؟
- أنا أقرأ كلّ شئ إنما ما تعنيني أهمية النص وليست الأسماء المهمة.

* لنعود ونتحدث عنك. هل رعت برلين إبداعك وأفردت لك جناحين أم بالعكس من هذا مازلت تدور في منفى قاتل؟
- مَن لم يحتضنه وطنه لم يحتضنه منفى، عدن حالة أخرى. ربما المنفي من يصنع منفاه وفيه يستقر مؤقتاً أو إلى مالانهاية. برلين مدينة لأهلها وهي في الغالب لا تبحث عن الغرباء من أمثالنا ولا تفرد، ولو بطريق الخطأ، جناحاً لمنفيّ أوغريب. نعيش فيها على هامش الأحداث وعلى هامش الحياة. نحن هنا لسنا فاعلين في المجتمع ولا أظنُّ ستتغير الحال في المستقبل المنظور. مَن ظنَّ، من الغرباء أو المنفيين، أنه جزء من المجتمع الألماني أو البرليني تحديداً فهو واهم بالتأكيد ولو وضع في جيبه ألف جواز سفر ألماني أو جنسية. برلين مدينة رأسمالية عظيمة لا تسأل عنّا نحن بائعي الخيال.

* جاء في رواية " حديث الكمأة " روايتك التي صدرت في العام 2005 مايمكن أن نوجزه: يضطر طارق الشاهين وخولة الياسين إلى الهرب من أرض الكمأة واللجوء إلى المانيا، وإلى مدينة زلتسا تحديداً وهنا تطلب خولة من طارق، التي تعرف حبه الشديد لها، أن يمنحها حريتها إلاّ أنها ظلت تداوم على زيارته كلما هبت أنفاس اللوعة. استوقفني هذا النوع من الحب المتأثر بالإغتراب نوعا ما، لأن الحبيب لايترك حبيبه بهذه السهولة. هل تلمح من خلال هذا النص إلى تحرير المرأة اقتصادياً ومن ثم شعورها بالمساواة التامة بينها وبين الرجل. بماذا تفسر هذا؟
- خولة فوجئت بدفقات الحرية التي تمتلكها المرأة الألمانية فأرادت أن تتحرر من قيودها السابقة رغم حب طارق لها وحبها له.. خولة أرادت أن تنتقم من ماضٍ ساطها بسوط الحشمة والعفة وليس من طارق. إنها باختصار أرادت أن تتحرر وإن لم يفعل طارق ذلك ويساعدها على الإفتراق فإنها سوف تحرر نفسها بيسر.

* فبوجوهنا ستغلق أبواب المطارات وستكف عن الطيران الطائرات وستأخذ السماء إجازة وتغادر زرقتها في عطلة صيف.. وبوجوهنا يا أرض الأجداد ستضحك جوازات السفر وسوف تمد لسانها.. ثم إلى آخر المقطع. أنتَ هنا تتحدث عن العراق والعراقيين فما هو الدور الذي يجب أن يلعبه الكاتب والمثقف والمفكر في أسوأ فترة يعيشها العراق؟
- لستُ انا مَن يتحدث إنما طارق الشاهين هو مَن يذهب في سحرِ الكلام داخل الجائشة المعتملة.إنه يتحدث عن أرض الكمأة وليس عن العراق. يتحدث عن مكان متخيل يشبه في تضاريسه العراق. ومع هذا سأجيبك عن الشق الثاني للسؤال باختصار. إن لادور للمثقف: الكاتب والمفكر في ما يحدث للعراق. إن نقف مع العراق وشعوبه نعم إنما السياسي القذر البشع صادر كل دور للمثقف: الكاتب والمفكر. وإن أردتِ الحقَّ فإنّ ثلاثة أرباع الكتاب والمفكرين والشعراء يقفون مع السياسي إياه فهو مَن يدفع المال و " يعزهم " بالجاه.

* ماهي خصوصية الكتابة في المنفى.. هل تخدم الكاتب؟
- بماذا تخدمه؟ الكاتب العراقي مازال ينهل في كتابته من الذاكرة البعيدة وهذه في أحيان كثيرة ترهقه خاصة إذا أراد الكتابة عن مكانٍ غائرٍ في الذاكرة، إنطفأ أومحيت ملامحه. لا أظنُّ كاتباً عراقياً لا يستخدم ولو جزء من الذاكرة وبالتالي تصبح الكتابة وبالاً.

* بعد تجربة طويلة مع الحزب الشيوعي ومع الفكر الماركسي وبعد انهيار الشيوعية والمعسكر الإشتراكي. أين تجد نفسك الآن.
-أنا الآن حرّ مثل طائر لا أنتمي لأيّ حزب سياسي وتفكيري طليق بشكل غير معقول، ولمخيلتي أجنحة تجوب بواسطتها الأماكن والأزمان.

* ومرض القلب الطويل ألا يحد من هذه الحرية؟ ودخول المستشفيات المستمر كذلك؟
- أجل، إنما لا يحدّ من حرية تفكيري إلاّ إذا كفّ الدم عن الوصول إلى الرأس، فأجمل رواياتي كتبتها في المستشفيات. " حديث الكمأة " كتبتها في المستشفى و " هوركي.. أرض آشور" كتبتها في المستشفى وأكثر من ثلاث مجاميع شعرية أخرى ورواية جديدة باسم " تِلقاء مَدْيَن ". جميع هذه الكتب كتبت في المستشفى.

* ليس من الممكن، في كثير من الأحيان، فصل العمل الثقافي عن العمل السياسي، فكيف انعكست رؤاك السياسية في أعمالك الروائية والشعرية؟
- في أعمالي الروائية والشعرية رؤى إنسانية عامة.. لن أخضع نصوصي للصراعات الطبقية ولا إلى شبح الثنائية المقيتة. نصوصي تحمل لوعة البحث عن الإنسان الطاهر، العفيف والبحث عن الوطن الرحيم الذي لا يفرق بين الأبناء. لا أدعي خلو عمل من أعمالي من السياسة لكنني لم أذهب إليها، ربما وجدت عرضاً.

* ساهمتَ بفعالية في الأسبوع الثقافي الأول الذي نظمه المعهد الثقافي العربي في برلين في العام الماضي. كيف تقيم هذه التجربة؟ وماذا تتمنى للأسبوع الثقافي العربي الثاني الذي سيقام في سبتمبر من هذا العام؟
- كانت تجربة رائعة بالتأكيد من حيث التنظيم والمشاركة والحضور. كان أسبوعاً غنياً بمادته وناسه لكنه غاب عنه الإعلام للأسف. لقد ساهم فيه مثقفون مهمون بفعالية منهم الراحل الكبير الدكتور عوني كرومي ومسرحه " مسرح تياتر ". كان المهرجان ناجحاً لولا الحزن الذي شملنا بفقدان الصديق عوني كرومي. أتمنى أن لا نخسر عزيزاً في هذا العام كما أتمنى أن تسهم الجامعة العربية وسفارات الدول العربية بدعم المهرجان القادم.

* سمعنا أنك تسهم في إصدار كتاب عن الفنان الراحل عوني كرومي. نود أن تحدثنا عن هذا الكتاب؟
- لا دور لي سوى المشورة فالكتاب اختار مواده وراجعه وقدم له الدكتور نزار محمود مدير المعهد الثقافي العربي في برلين وسيصدر الكتاب عن مؤسسة حوارات قريباً.

* هل تحدثنا عن مؤسسة " حوارات " التي يشرف عليها المعهد الثقافي العربي؟
- هي مؤسسة مازالت فتية أو في طور التكوين تصدر عنها مجلة " حوارات" الأدبية الفصلية والتي تتلقى دعمها من المعهد وأحياناً يتعثر صدور المجلة بسبب من شحة الدعم. أتمنى أن نجد مصدراً ثابتاً، نزيهاً، للإستمرار.

Sabrihashim@yahoo.de

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف