هاجس الكتابة ورمزية الدلالات
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر
ركاطة حميد - إيلاف : القصة القصيرة جدا جنس أدبي فرض نفسه بالقوة في المشهد الثقافي المغربي والعربي ، بفضل مجموعة من المبدعين الذين كان لإصداراتهم الأولى الجريئة الفضل في تمكين القارئ المغربي من التعرف على هذا الجنس أكثر وعن قرب ،كما شكلت المهرجانات الثقافية الخاصة بالقصة القصيرة جدا في كل من أصيلا ، والفقيه بنصالح ، والدار البيضاء ومكناس ،من تجمع العديد من الكتاب والنقاد والمهتمين بهذا الجنس القصصي ناهيك عن العديد من النصوص المنشورة رقميا لكتاب أبدعوا بدورهم وتميزوا لكن دون الإقدام على نشر أعمالهم القصصية القصيرة لسبب من الأسباب .
من بين المبدعين الذين كتبوا في مختلف الأجناس الأدبية ( رواية /قصة قصيرة / قصة قصيرة جدا ) القاص والروائي المغربي حسن البقالي بحيث صدر له سبعة أجراس عن منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 1991 وعن منشوارت وزارة الثقافة 2009 مجموعة قصصية قتل القط ، والإقامة في العلبة مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب2009 ، والرقص تحت المطر بالقاهرة سندباد للنشر والإعلام سنة 2009 .لندرك أننا إزاء كاتب متعدد جاء إلى القصة القصيرة جدا محنكا بتجربة كبيرة في ميدان الكتابة الإبداعية . وكتابات حسن البقالي لم تتلق مواكبة نقدية تليق بها ولم تنصف ، لتميط اللثام عن عوالمه الضاجة بالحياة ولإكتشاف أسلوبه وكتابته المغايرة وطريقتة الخاصة في التناول من خلال مشروعه الأدبي المتميز.ولعل ما يثير الإنتباه إليه في هذا الصدد عمله الأخير والمتعلق بمجموعته القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر .
تحدو القاص حسن البقالي رغبة عميقة في الكتابة باسلوب جديد ، اعتمادا على البناء المتوازي للنصوص بدلالات عميقة جدا ، فجاءت مواضيعها حارقة ، وكأنها تؤسس لمنهج جديد يعتمد على البناء الرصين والتناول المغاير وبتأثيت جمالي متعدد ، يحس معه القارئ بتمرير رسائله بسلاسة ، خالقا منحى خاصا في الكتابة ، التي تحضر فيها الحكاية بقوة مبتعدة عن كل تجريب ، مبرزة وعيا عميقا من خلال أحداثها المشرقة المومضة المنفتحة على عوالم سردية تشتغل على اللغة والتخييل مما جعلها تلفت الإنتباه ،كشكل تعبيري آسر .
ومن خلال قراءتنا للمتن القصصي لامسنا عن قرب سعيه الحثيت لخلق عوالم قصصية تحفر بشكل عمودي داخل أعماق النفس البشرية بنوع من الإثارة ، تعتمد التشويق وشد الأنفاس . فكانت المواضيع المتناولة متعددة ومختلفة كالكتابة / والموت / والجنس / والطفولة / والجنون / وموت القيم / والحرمان / والإرهاب/ والحب/ والعنف والقمع ./ والسخريةhellip;
ولعل هذا التعدد في التناول يجعلنا نأخذ نظرة عن عوالم القاص حسن البقالي ورؤاه الإبداعية ، من خلال ممارسة غوايته الساحرة على العديد من الأجناس الأدبية ومنها القصة القصيرة جدا والتي اكتسبت جاذبية وتكثيف لغوي يحتفي باليومي ولحظاته المنفلتة . فماهي مميزات هذه الكتابة وكيف تجلت من خلال مجموعة الرقص تحت المطر ؟
القصة القصيرة جدا وهاجس الكتابة
يشيرالدكتور حسن المودن* أن القصة القصيرة جدا كثيرا ما تشتبه بالحلم في اشياء كثيرة ..فهي تستخدم آليات التكثيف والتحويل ، والترميز والنوع الدرامي السريع ، وتقول الذاتي والغريب واللآ مرئي واللآواقع ، وتنتهك الحدود بين الواقع والمتخيل"
إنه لمن الصعب جدا كتابة قصص قصيرة جدا واضحة المعالم ، عميقة الدلالات ، غنية وموشحة بجماليات خاصة ، وبالتالي اعتماد طريقة مميزة تلعب على التوازي بين نصين لتقديم وجهة نظر أو فكرة أو صورة أو رؤية أو منظور خاص ،وفق شروط محددة ، فقليلة هي المجاميع القصصية القصيرة جدا التي أستطاع أصحابها رسم ملامح قصص واضحة المعالم ، مكتنزة وكثيفة ، وبحكايات محبوكة ، وبنهاية تكسر أفق التلقي بشكل أو بآخر دون المساس بوحدة الموضوع أو الحدث ، أو على حساب ركن من أركان القصة القصيرة جدا ، لكن مع نصوص الرقص تحت المطر نجد عوالم الحكي المتنوع وحركية نصوص و وجوه وملامح ساحرة وساخرة في نفس الوقت .
إن نصوص حسن البقالي يمكن اعتبارها حالات وجودية بالغة الدلالات تفتح هامشا كبيرا للتأويل وربما هذا ما جعل التاقد سمير الفيل **يشير إلى كون نصوص المجموعة " تغامر بالدخول في بنى جمالية مغايرة مكتنزة بالسحر والتكثيف المدهل مع استكناه أبعاد اللعبة السردية التي تقوم بعملية اكتشاف ومحو بصورة مضمرة وخفية"
لقد شكلت الكتابة هاجسا مقلقا بالنسبة للقاص حسن البقالي ، إلى درجة أن أول نص صدر به المجموعة كان " دمى روسية" ص 5 ومن خلاله سحبنا الكاتب إلى متاهات الإبداع وتقلبات المبدع وهو أمر كان رامزا منذ البداية بعمق إلى "انتهاك روح الإبداع "وما تتعرض له الفكرة الكبيرة من تقزيم متواصل إلى أن تصير فكرة الرواية مجرد " قصة قصيرة جدا " ص5 وهو ما يفتح شهية التساؤل من خلال قراءة معكوسة للنص ، أليست القصة القصيرة جدا هي الجنس الأدبي الأكثر تمنعا وكثافة وعمقا أنها أشبه" بدمى روسية " لكنها تحتاج لقدرات هائلة لإضفاء ملامح الجمال والإمتاع عليها لكي تصير جذابة وهو امر لايتاتى إلا بالبناء المغاير والعصف بأفق انتظار المتلقي مما يدفعه للإستنتاج مادام ترقبه إنقلب راسا على عقب فتتحول الإثارة إلى صدمة والأحداث العادية إلى نازلة تفرض اجتهادات متعددة .
إن القارئ لنص زبون (1) يطوح به العنوان بعيدا وأحداث النص أبعد وقد أغلقت عليه كما أغلقت الساحرة على عفريت السرد داخل قنينة شفافة سرعان ما تتوق ( القنينة) إلى العودة الى مادة تركيبها الأصلية وتتحول ذرات رمل متناثرة يستحيل القبض عليها..
إنها نقيض التركيبة المستعملة في بناء هذا النص الذي يأبى إلا أن ينفلت في النهاية مطوحا بتوقعات قارئه.نظرا لبنائه المغاير جدا . وفي نص " مرة غير قابلة للتكرار ص 52 نجد نصا هادرا يهز القارئ من الأعماق كتب ببلاغة واستعمل فيه تصوير منح المشاهد قوة جعلت من البناء المعتمد على تركيب الصور المتناسلة بالإحتمالات والإفتراضات مشاهد أخرى تساهم في بناء نص ضمني آخر على نفس المنوال مما جعلهما نصين متوازيين ، لكن ليس لهما نفس الأثر لأن نص النظرة الأولى تمت في لحظة غير قالبة للتكرار وهو امتاع جسد خاتمة لنص آخر مستنتج مع تأكيد مطلق " هذا معناه أني لن أمر من هناك أبدا " ص52 وقد عصف السارد بكل توقعات واحتمالات قارئه السابقة.
في حين ينحو بنا نص القصة والسمكة المبعثرة ص 68 باتجاه تحديد مفهوم القصة القصيرة جدا ، وما خلفته من مناقشات صاخبة بين الكتاب والنقاد حول مفهومها وبنيتها ومقوماتها ، وأسسها ، ومضامينها ، يتحدث السارد عن نص " السمكة المبعثرة وهي للقاص المغربي حسن برطال * الذي عرف ككاتب متمرس سلك طريقا خاصا في كتابته العميقة والكثيفة والصعبة الإختراق من الوهلة الأولى لكونها تتصف بمواصفات تجعلها لا تتحمل أية إضافات ، ولأن بناءها يشيد بقاييس وأبعاد هندسية تحتل فيها المعادلة الرياضية الحيز الأكبر . يقول السارد : "لم يبق من نصيبه في (الشبكة) سوى(سمكة) مبعثرة*
وقد أثار النص حفيظة بعض النقاد في البداية لكن بعد تأملهم العميق وإعادة النظر في النص أدركوا حقيقة لامفر منها و" لايتعدر إنكارها وهي أن جملة واحدة يمكن أن تشكل قصة ، تماما مثلما يمكن لقصة أن تحاكي العالم"ص 68
إن نص سمكة بقدر ما يعبر عن صعوبة تفهم النقاد أحيانا لأبعاد نصوص القصة القصيرة ، يبرز من جهة أخرى ردود افعالهم المتسرعة ، ويبرز في الآن نفسه تلك الصعوبة في الإختراق الأولي لمساحات البياض والحدف وتفكيك الكتافة الدالة على مرجعيات القاص المتعددة ، ونظرته إلى الواقع والأشياء.
يشير الدكتور جميل حمداوي ***أن فن القصة القصيرة جدا فن صعب المراس يستوجب الدقة ومهارة الكتابة والتمكن من تقنيات التكثيف والإختزال وتوظيف النزعة القصصية المناسبة بصورها البلاغية والسردية hellip;وتوظيف الإثارة والإدهاش والإغراب hellip;كما على الناقد ألا يتسرع في حكمه وتقويمه ، وأن يرحب بهذا الفن المستحدث تشجيعا وترحيبا ليتبوأ مكانته المناسبة بين الأجناس الأدبية المعروفة.
ولعل استئثار مجموعة الرقص تحت المطر بطرحها لإشكال الكتابة القصصية القصيرة جدا يبرز ذاك الجدل القائم بحدة حول هذا الجنس الزئبقي ووجهة نظر كتابها ومواقف النقاد منها وبالتالي يبرز من جهة أخرى تعدد زوايا النظر إليها سواء إبداعيا أو نقديا وهي ظاهرة صحية وخطوة رائدة نحو تاصيل هذا الجنس وابعاده من صولات التجريب . ولاغرابة في ذلك فربما نفس المواقف سبق طرحها بانسبة للأجناس الأدبية الأخرى من قبل الرواد الأوائل في أمريكا الاتنية وأوربا مما يعطينا انطباعا صادقا أن القصة القصيرة جدا رغم خروجها من رحم القصة القصيرة بولادة قيصرية فقد وضعت لها موطئ قدم بالقوة وتفردت بقدرتها على استيعاب مقومات وجماليات تلك الأجناس، فبالرغم من صغر جسدها فصدرها الرحب وشهيتها النهمة لن تتوقف أبدا ..
بين الموت الرمزي والموت الحقيقي شعرة من الحمق والجنون
لقد تشكل الموت في نصوص حسن البقالي بشكل ساخر وغريب جدا بحيث نجد ذلك الإنسياق المتداعي كما هو الحال بالنسبة لنص " أنا فريدريش مارو أريد.." ص6 إحالة على مدرسة التنداي ، وكأن الهدف منها توظيف فكرة التجلي والتعدد ، وبالتالي إضفاء واقعية على الحدث وتبرير الوقائع باعتيادية وهو ما جعلنا داخل إطار الحدث العام - الذي قد يستهجنه القارئ- لكن قصدية الكاتب كانت هي الحاسمة يقول " باستثناء ذلك القادم من بعيد الذي رأى فيه واحدا من الثلاثة آلاف تجل للحب" ص7 .
إن الإنسياق نحو الموت بحب يجعل من هذا النص نافذة للإطلالة على عوالم النفسية الإنسانية وغياهب مجاهيلها المعقدة والغريبة على عكس المعتاد .
كما نجد تنبوءا بالموت يصبح فيه المتنبئ هو الضحية و التي لم تكن سوى العرافة التي كشفت عن حجب الرؤيا الغائبة وافشت سر اللعنة الكامن في العروق ..دم السفاح الغائر على الدوام المتعطش للسفك والقتل " اعترى الفتى بعض شحوب ، ذلك أنه أدرك بفضاظة متعالية أن يقين المراة هو يقينه "ص8 ليبادر إلى تنفيد جريمته.
لم تكن المناقب التي عددتها العرافة بكافية عن تنيه، ففراستها كانت لعنة الحقت بها مآلا دراميا وقد كشف ضمنيا تعلقها به " ستحطم قلب كل امراة أغرمت بك" ص8 ليدرك أن قراءة العرافة لم تضع في حساباتها مآلها المنتظر ولربما كانت قد أحجمت عن الفعل .
لقد كان قدر الموت وهو يطيح بالعديد من الرؤوس والشخوص وفي ظروف أدعى إلى الدهشة والتساؤل وأحيانا إلى الموت ضحكا ، كما هو الحال في نص" الموت من الضحك" ص9 حيث يتحرك الوعي والمخزون النفسي ليفجر المكبوت لحظة السكر ، فتتحرر الحواس من قيودها وتتناسل الأفكار القابلة للتنفيد دون عقد أو تأنيب ضمير فيبدو العسير هينا والمحظور مباحا وقد اختفى الوازع واندحرت القيم يقول السارد" الحياة متعبة وعلى المرء مجابهتها باقتراف حماقات مضحكة "ص 9 وهي فكرة قلبت واقع البطل رأسا على عقب فالرغبة في اجتراح فعل غير مألوف مع الزوجة التي كان يصفها ب"تلك العبوس الأبدية ينبغي أن اجعلها تضحك لبعض الوقت "ص 8 انتهى به المطاف في النهاية باقتراف جريمة بشعة" خرجhellip;وباليد ساطور هوى على الزوجة النائمة وهو يموت من الضحك"ص 9 .
لقد اتخذ الموت مفهوما حقيقيا ومجازيا في نصوص "الرقص تحت المطر "من بينها نص " سقوط" ص29 حيث يقرن السارد وفاة شاعر مغربي بلحظة حاسمة لموت بطل رواية وهو ينساق نحو حتفه محاورا القارئ من خلال تشكيل نص موازي شد الأنفاس بوصفه للحظات الحتف الأخيرة وتحول الرصاصة إلى كلمة والمصلوب على سارية الإعدام لوردة مما شكل تماهيا لبطلين وحدثين قاسمهما المشترك الموت ولحظتها الرهيبة التي اسقطت الشاعر المعلن عن وفاته في بداية النص" في ذلك اليوم توفي شاعر مغربي"ص 29 غير أن التوظيف اللغوي في النص ربما طرح بعض اللبس بالنسبة للقارئ حول دواعي الخبر الأول والحدث الثاني لبطل الرواية ( إعدام) لكن ما يشفع له" النص"هو اللغة الشاعرية التي تم توظيفها والبناء الضمني للحدث " الإرتطام" الذي يحيل على موت شاعر معتقل .
لقد شكل نص "سقوط" في أبعاده سقوط الكلمة في مواجهة الإستبداد لحظيا ، ودلالة على موت وسقوط الأستبداد بعديا فالإنتصار كان وسيكون دوما للكلمة رغم موت صاحبها .وكأني إزاء حوار الشاعر بوشكين مع القيصر ومواقفه من الثقافة ، فالفكر لن يركع أبدا للطغاة مهما ركع الجسد لحظة الموت لهم لآن الروح ستظل تتغنى بالحرية وبإنسانية الإنسان.
لقد تجسدت تيمة الموت كلعنة متعقبة لقدر الشخوص لا محيد عنها رغم امتداد عمر اللحظات الهاربة من أبطالها الذين ينشدون خلودا ولو من خلال التهييئ لخلوة بعد اضطراب حواسهم كما حدث في نص " رحلة "ص 35 يقول السارد ص" اضطراب الحواس وخدش ..مرآة الذات ( التي ظلت) ناصعة كالخطيئة "ص 35 لندرك أن الحياة مجرد رحلة أو "فراغ يملؤه الموت"ص 35 وكأننا إزاء سؤال وجودي مقلق يضع الحياة محط تدبر عميق لنستخلص في النهاية ماهيتها وحقيقتها المؤلمة وهي مطاردة بلعنة أبدية.
إننا إزاء حالات مرضية لشخوص يستدعي الأمر وضعها على سرير التشريح النفسي لندرك مدى تشبعها بالقهر والعنف لينتهي بها المطاف نحو الجنون.
ومن خلال رصدنا لهذا المعطى وقفنا على كون بعض النصوص التي تناولتها بل استأثرت بها كما هو الأمر في ( شعرة الرشيد/ الشبيه / وعلى الشاطئ ) وقد تم تصوير حالة شخوصها على غير المألوف وبطريقة مغايرة بحيث نجد بصمات واضحة وأسلوب مغاير في التناول بحيث تبين لنا كون الأحداث بنيت على سارية السرد انطلاقا من حكاية أوحكايات أخرى مما يجعل واقعيتها أشد وقوتها أكثر عصفا..
ففي شعرة الرشيد نلمس تلك القدرة على وضع القارئ في سياق النص العام مع ذكر الأثر المنقول عن الرواية سواء الشفوية أو التاريخية لنلج بسرعة بارقة إلى عوالم أخرى مبتكرة تبرز فيها قوة تكثيف الحدث وخلق النص الموازي الجديد العاصف .
ففي "شعرة الرشيد" ص 21 نجد بطلا أتعبه أسلوب الحياة البادخة فانساق مع الصعلكة ثائرا على الواقع ونمطية أسلوبه في الحياة الرسمية باحثا عن المغامرة التي تكون أشد عنفا وأكثر وقعا وخطورة مما أبرز نوعا من الجنون المتواري خلف الحكمة والبطش وهو ما أبرز رقصا تحت مطر آخر ( الجنون) لمجانين الحكاية وأبطالها المتفردين كزورباالراقص .إلى حد وصل إعلان الثورة على النفس والنظام الذي هو صاحبه.
إن مسحة الجنون التي اعترت شخوص بعض القصص حولت البعض الآخر إلى حربائي كما هو الأمر في نص" الشبيه" ص24 الذي يقدم مقارنة فريدة بين الصورة والأصل ويبرز شعرة من الجنون والتعالي لشخوص مريضة متعالية غالبا ما تقدم صورة مغايرة للآخرين .وقد جسد الشبيه صدق إحساس الشعب وعمق نظرته إلى حاكمه وملاحظته كانت أكثر دقة في طرحها لمشكلة الصدق الذي جسده الشبيه الذي كان الأقدر على التواصل وفهم شعور الآخرين فرأى بأعينهم ما لم تره عيون الحاكم المتبثة داخل الجراحات تجس النبض دون القدرة على ترجمة درجة صدقه يقول السارد" الملاحظة الوحيدة التي لفتت انتباه الشعب هي الدرجة العالية من الصدق الذي كان ينضح من الكلمات والذي لم يعهدوه في خطابات سابقة" ص24 كما لم يفت القاص حسن البقالي من الإشارة إلى الهذيان مع بطل نص آخر " على الشاطئ" ص 67 حيث نستشف تلك الحركة الإرتدادية من الكل نحو الجزء أو من العام نحو الخاص بحيث تأخذ الصورة وضع الإلتقاط السينمائي لبطل هرب إلى شاطئ البحر قصد الإستمتاع والراحة غير ان لحظات هروبه تحولت مع اجتياح حمى مفاجئة إلى هذيان قض مضجعه يقول السارد" أنا الحمى التي تهز جسدك بالهديان أيها التعس"ص 62
موت القيم / أو موت إنسانية الإنسان
من بين المواضيع التي أثارتها مجموعة الرقص تحت المطر موت القيم فندرك أ نه كلما كان الهمس خافتا جدا حولها كانت الفاجعة أعمق ، وكلما كان الإلتقاط واضح المعالم أفزعتنا الصور بفظاعتها وقد وضعت المأساة في إطار كبير لا يحتاج إلى تعليق لأن بلاغتها تصفع المتعالي بقوة وتنتقد بشكل لاذع تحول القيم ومسوخها وبالتالي انسلاخها وتنكر اصحابها للحق " وهو ما يعرضه نص "قصة بوليسية تحدث كل يوم" ص38 بحيث يتعرض البطل للإعتداء أمام مرأى ومسمع من رجال الشرطة دون جرأتهم على التدخل مما دفع الضحية إلى الإستغناء عن الصراخ والإستعطاف ليستسلم لقدره.. يقول السارد "ود أن يصرخ ..أن يستعطف ..أن يقاوم ..يجري ..كانت السكينة قلقة بشكل يدعو إلى الإنقياد ،الشرطيان اللذان كانا بالقرب أدارا ظهريهما للعملية ..يتحدثان عن سهرة الليلة حين يتوصلان بالمظروف الدافئ"ص 38
إن الطريقة التي تم بها تناول هذه المواضيع جاءت انطلاقا من رصد قتامة الواقع المعاش حيث التجسيد الحقيقي للقمع والعنف والسب والشتم بنوع من السخرية .وانطلاقا من عنوان نص آخر "حوار " ص 28 ندرك إنناإزاء حوار غير متكافئ وخارج عن سياق التسمية لأن التحاور يفرض أن يكون متكافئا وحضاريا بين طرفين عبر إنصات الواحد للآخرومما يطرح عكس هذا الطرح الصورة التي نقلها القاص حسن البقالي حول تحول دائرة الحوار ومجرياته إلى حلبة صراع دامية مليئة بالتطاحنات يقول السارد " انسلت باسم الحوار جحافل لانهائية من الشتائم ومشاعر العداء والقضبان والعصي والكلاب المدربة وشهوة القتل " وكاننا ازاء صورة للإنشقاق الحزبي أو النقابي تم رصدها بمرارة وقد وصل الحوار " إلى النتيجة المحتومة ..وقطعت أوصال الحوار " ص25 إنه صراع حول مواقع وأمكنة . ومما يجسد نظرة القاص الخاصة إلى المجال والقوةالمتحكمة فيه ونوع القوى المشكلة لطرفيه. ونلمس هذا التجسد الواعي في نص جولة ص 34 حيث تغير النظرة إلى المكان تتم بتغير شروط الحياة فيه ، والصراعات حوله تعرف مد الإنتصارات وجزر الهزائم حسب تحكم وسيطرة القوى التي هي الأخرى تتغير ، لتبقى حثمية البقاء و الإستمرار في النص للصراصير الذين انتصروا على التواجد البشري داخل البيت الفارغ يقول السارد " وهي تسرح في البيت في كل اتجاه ..وتهنئ بعضها بالفوز الكبير على البشر"
ويتحول التحكم في المجال إلى تحكم في الأشخاص وإلى شطط في استعمال السلطة كما هو الأمر في نص " الجثة" ص 42 والذي يمثل الوجه الآخر للإستبداد المطلق والشطط المغرض فالسارد صور صاحبه النافد كساحر يخرج من "قبعته جثة جاهزة كلما دعت الضرورة إلى ذلك غير أنه يبقى دوما مكبلا بخروقاته وتجاوزاته فإذا كان وراء كل جثة قاتل فوراء كل عاهرة مستبد يكيف أحكامه وقوانينه وفق هواها ، لكن كلما تمردت عليه فكر في تغيير قوانين اللعبة التي كانت هي مبتكرتها فيحاول اللعب بأسلوب مغاير على رقعتها متناسيا أنه كان دائما يشكل أضعف قطعة فوق تلك الرقعة.
أما نص الشرير ، فهو الوجه الحقيقي لعالم المال والأعمال يكشف النقاب عن المتحكمين في دواليب السوق وعجلاته وسرعة دورانها فكلما إغتنى مضارب وحاصرته الضرائب يهرع للتملص منها بخلق شروط إفلاسه الوهمية وهو ما عبر عنه السارد ب" أسباب العتمة" ص45 التي تفكك أواصر المجتمع الصلبة ( قوى الإنتاج) وتعصف بأحلامها وتنال من كرامتها وتخلق الشروط المثالية لتشريدها فيتلذذ صانع الألم ببؤسها مغلقا مؤسسه الإنتاجية بعد خلق شروط مؤسسة جديدة لصنع الثروة والألم ..
لم يقتصر موت القيم على الأخلاق بل تعداها إلى عقوق الوالدين ، والأم تحديدا كما جاء في نص " مرة أخرى" ص 53 بحيث جاء مليئا بالهواجس والترقب والقلق بامتياز بحفره العمودي داخل أعماق محترقة منتظرة على الدوام تلتهم فيه البطلة شكوكها بعدما قامت بكل الإستعدادات اللازمة لإستقبال زائر مفترض ، وقد لعب التشويق دورا أساسيا في جعل حبكة النص متقنة وكأننا إزاء عرض مسرحي عبثي "في انتظار غودو " حيث تطفو الأسئلة الحائرة والترقب المرير .." سيأتي ..لن يأتي ( وهي تساؤلات )"خصبتها دموع كانت تحفر بصمتها الخدين".." ص54
إنه رقص الذات الحائرة المترقبة الهائمة في عوالم التيه حيث البطلة " تقرص أرضية الغرفة بخطو قلق وتقيس عبر النافذة وجيب القلب "ص 53 أثناء لحظات تمدد عمر تشويقها وترفض الإنحناء لمقصلة اليقين تؤجل الموت باستمرار ليستمر زمن المعاناة ويطول زمن الإحتراق والترقب مرة أخرى وأخرى وأخرىhellip;
فالبرغم من كون إحساس الأم المسنة كان استباقيا وتأكدها بل يقينها من عدم حضوره( الأبن) لأنه " فضل الزوجة عليها" ص54 فإنها لاتزال مصرة على الإنتظار في رهبة وترقب كبيرين يحدوها الامل أن يحضر " تأمل فيما تبقى من فضلات لقاء "ص 54
لقد تجلى العقوق ونكران الجميل من طرف الإبن الذي كدت من أجله ليهجرها بدخوله عالمه الخاص مغلقا منافذ القلب آلاف المرات .في حين تم رصد الحرمان في نص لقاء حيث يدخلنا القاص حسن البقالي في متاهة المقارنة بين حياة الكلب المدلل والطفل المشرد فبالرغم من امتلاك الأول لكل شروط الحياة الرغيدة يشعر برغبة جامحة " يمني النفس بالفضاءات الشاسعة" في حين نجد الثاني المفتقد لأي شرط عيش إنساني يمني النفس بحياة افضل وهو أمر لم يتم استكناهه إلا لحظة إلتقائهما وجها لوجه وافتراقهما "كل منهما (يسير ) في اتجاه" ص32
إن السعادة التي ينشدها بطلا هذا النص لها نكهة خاصة وأحيانا يؤطرها هاجس الإنتظار الرهيب ولحظة الحسم الفاصلة و يجمعهما قاسم مشترك يتجلى في الطموح وعدم الرضا المطلق على الوضع..
تحريك الجانب الإيروتيكي كأساس لبناء النص المغاير
إن تناول حسن البقالي لتيمة الجنس داخل نصوص المجموعة تم بطريقة غير مخدشة للحياء بحيث اعتمد في بعضها على الإيحاء وأخرى على التوظيف الجمالي مع العصف العميق ب\افق إنتظار المتلقي كما هو الأمر في نص "علاقة" الذي يوحي عنوانه وأحداثه على عملية جنسية متعمدة لكنها في الواقع مجرد توظيف للجانب الإيرويكي اللغوي لبناء النص مما جعله مفعما بالإثارة وجاء ذلك البناء رهيبا متقنا استهدف تجريد القارئ من كل مقاومة وسلبه القدرة على التخمين الصحيح لنهايته الصحيحة ، لكون منطق تسلسل الأحداث يفضي إلى نهاية محتومة ، لكن ما حدث كان عكس كل التوقعات .يقول السارد ص 12 " هاهي ذي المرأة مقبلة ..رائحة عطر خفيف مر ، والرجل الذي ظل ينتظر لفترة ، هب من مكانه.
يد المراة تفتح الباب المغلق ، وعينا الرجل تحضنان المجال .
المرأة التي دخلت تنزع جلبابها تهيئ نفسها ، ثم تدعو الرجل إلى الدخول ..رفرفة عين واختلاجة عابرة.
هما الآن خلف حجاب..
يفك الرجل أزرار السروال ، فتقبل المراة بيدين حانيتين ..
تغرز الحقنة تحت الجلد المزرق
وتدعو له بالشفاء."
في حين ينقلب السحر على الساحر في نص" استدراج "بحيث يستدرج الفقيه امرأة من خلال رسم مخطط دقيق لمضاجعتها غير أنها استطاعت فضح كل اساليبه من خلال تصورأطوار المغامرة بهاتفها النقال لنشرها عبر النث لفضح أساليبه في موقع للفضائح فندرك أن الإستدراج الحقيقي تم من طرف الزبونة التي تمكنت من الإيقاع بالفقيه في فخ كبير وهو ما تعكس الحكمة أو التحدير الموجود في بداية النص " هناك إرادتان تتجاذبان أطراف الوجود بشراسة" (العنوسة / والإستغلال) مما يجعل المعادلة مقترنة بجسد المرأة الذي يضحى مطية للسفر الحالم هو أمر تم التطرق إليه بشكل مغاير ، ففي نص" جمال" يتم السفر داخل اللحظة القصيرة جدا والممتدة بين ركوب القطار وعلو صفارة الإنطلاق والبطل داخل المقصورة يسرح بعيدا وهو يستكشف جسد امراة فاتنة وحزينة ليغوص عميقا في جراحها المتخنة . وهو سفر أرتدادي تم نحو الداخل قلب المواجع وأدمى جراحات النساء ليعود بعد أن "صفر القطار معلنا ..وقت الرحيل "ص 15
لقد اتخذت المرأة اوجها متعددة داخل قصص هذا المنجز منها على سبيل المثال لا الحصر نص "عصفورات" ص16 ولعل دلالة العنوان فيها إحالة على الفسوق والإباحية " أفسق من عصفور " حسب المثل العربي فالمرأة ( مارثا) التي حلقت منتشية يوم زفافها واستحالت ( مجازا) إلى عصفورة أوحت لكل نساء المدينة بفكرة التحليق يوما في السنة وذلك للإحتفال بذكراها إنها صورة ساخرة عن واقع تحرر المراة وتمردها تبرز انكسار السيطرة الرجالية القديمة وتحولها إلى معادلة افتقدت منطقها المطلق وتحولت تحت ضغط المرأة إلى وهم ، كما تمنحنا انطباعا عن كون الجسد الأنثوي شكل على الدوام إغراء عاصفا وقدرة رهيبة على تحريك المكبوت في أعتى اللحظات إلى درجة تحوله إلى قنبلة موقوتة.
ولعل الجسد بصفة عامة في كتابة حسن البقالي اتخذ مفهوما ومعاني أو إحالات خاصة لم يسلم منها الجسد الذكوري كما هو الحال في نص "الرقص تحت المطر" في علاقة المرأة بلوحة الرسام " ماجريت " "يقول السارد "hellip;. ودت لو تضع دستة رجال في الجيب كلما تنمر أحدهم تضربه بالآخر لو يسقط واحد على الأقل في يدها تنهي به زمن العنوسة"ص17 لندرك أن وطأة العنوسة على البطلة امتد زمنا طويلا رافقها أثناءه إنتظار بغيض فكانت تمني النفس وهي في حالة انفعال كبيرة مفتتحة فمها بالدعاء للرسام مارجريت " لهلا يحرق فيك شي عظم" ص17
لقد شكل الحلم برمزيته حقيقة الرقص تحت المطر وهو مطر من رجال يغزون أرض إمراة قاحلة تشققت بفعل إستفحال العنوسة فأضحت بيداء قاحلة تنشد الماء والحياة من غيمة عابرة أوصفير من قطار يمر من محطتها المهجورة يوقف زمن الإنتظار بقدفه لعابر سبيل يوقف زمن العنوسة .
زوايا النظر إلى الحب من خلال الرقص تحت المطر
قد لايختلف اثنان أن للحب زوايا عديدة وأوجه مختلفة وأحيانا غريبة تمكن كل ناظر حسب زاويته من إلتقاط وجه من أوجهه المختلفة وقد تمكنا من رصد بعض المعالم من خلال نصي ( ليلة باردة وساعي البريد )
فالنص الأول مقتبس من رسالة عن صحيفة "تلغراف"البريطانية ، يتجلى منطق العبث في تعليق الحب في مشنقة بعدما حلقت إنسانية الإنسان بقوة وضربت منطق التعايش والحب المتبادل والمتكافئ بين الطرفين ، لتبقى المعادلة المختلة في نظر الجميع هي المنطق الجديد للإستمرار . فليلة باردة هي حالة إنسانية جد معقدة مبنية على الهشاشة والإستهتار والتلذذ بتعذيب الآخر المتشبع بمنطق القسوة عن رضى وهو ما دفع البطل للتساؤل" هل أستطيع أن أكون غير ما كنته على الدوام ؟ الجحيم تبتلعني ..وأنا راض بذلك"ص 55 إنه الرضى المشروط بالعنف والإدلال من طرف الآخر " إذا وجدتني نائمة لا تعد من حيث أتيت لاتوقظني ، وأيضا لا تشرب وحدك زجاجة النبيد واحزم امرك على البقاء " ص55 لندرك عمق الماساة وبرودة العلاقة وخفوت جذوة الحب الذي استحال بقوة المنطق جحيما لايطاقhellip;لكنه مع ذلك مطاق حسب زاوية نظر أصحابه.
في حين يأبى نص " ساعي البريد " إلا أن يخرج هو الآخر بمنطقه عن دائرة المألوف فيصبح ساعي البريد كاتبا وقارئا للرسائل ومستقبلتها عشيقته الحائرة .
يحكي النص قصة ساعي بريد رمت به الأقدار والأهواء والهوى في عشق امراة دأب على قراءة رسائلها إلى أن خانته أحاسيسه وعباراته ذات يوم ليكشف عن قناعه يقول السارد " يذكر ذلك اليوم الذي تهدج فيه صوته بشكل فاضح فتوقف عن قراءة الرسالة وأشاح بوجهه جانبا "ص 57 لتستنتج أن قارئ الرسالة هو كاتبها والرجل المتيم بحبها لكن اللعبة التي استمرت بنوع من التواطئ المكشوف أجبرت ساعي البريد على الرحيل نحو وجهة مجهولة" ومضى لايعرف أين؟" ص58
إنها حالات وجودية تؤطر العلاقة بالأنثى وبالتالي حبها بين القسوة المفرطة واللا مبالاة المطلقة والعجز عن البوح بمكون القلب للمحبوب، لنصل إلى نتيجة سلبية كون الناظرين إلى الحب من هذه الزوايا تميزوا بنوع من السلبية وافتقاد للجرأة يعتريهم العجز ويكبل مشاعرهم بالصمت والكبت والقسوة والتردد.
عالم الطفولة من خلال الرقص تحت المطر
لم يفت القاص حسن البقالي من الإشارة إلى عالم الطفولة وما يثيره الصغار من أسئلة وجيهة جد مقلقة تظل الإجابة عنها من طرف الكبار محيرة جدا خصوصا عندما تستهدف الطابوهات ، ولعل هذا الإشكال يبقى مطروحا بحدة في بلدان العالم الثالث في غياب تربية جنسية وتعود على تسمية الأشياء بمسمياتها سواء في البرامج الدراسية أو حتى داخل البيوت من خلال العلاقات الأسرية فمواجهة أسئلة الصغار إما بالصمت و التجاهل أو تقابل بردود أفعال قد تصل حدا كبيرا من العنف . ففي نص ذلك السؤال ص 20تتلعتم الأم وهي تتفوه بكلام غامض مبتلعة أسئلة صغيرها عندما سألها عن حملها" - من نفخك؟"
لم يقتصر هاجس البحث عن الأسباب لدى الصغار متمركزا حول إشكال الجنس فقد تعداه في نص " أمومة" ص21 إلى التشبه بالكبار وتقليدهم ، وهذا السلوك يرواد كل الأطفال في أن يصيروا( صورة طبق الأصل)لأوليائهم ولعل للتوجيه والتربية دورهما الأساسي في هذا المقام فالاطفال يتشبعون بأفكار أبائهم ويقلدونهم في كل شيئ وهو ما ندركه من خلال نص أمومة في كون القيم الموروثة لها مرجعيتها الخاصة " الجنة تحت أقدام الأمهات " وهي مرجعية إسلامية شكلت الإطار والسياق العام للحدث الرئيسي فالحلم بالأمومة مارسته البطلة " الطفلة الصغيرة" عمليا مع قطتها وهي تأمرها " الحسي قدمي
إن تحتهما الجنة" ص21
في حين يرصد نص" طفل من زماننا " ص 19 تأثير التلفزيون على الأطفال وهنا يطرحها القاص حسن البقالي بشكل مقلق من خلال إقبالهم على مشاهدة الأفلام المحظورة في غفلة عن أوليائهم وهو بمثابة تحذير وناقوس للخطر ينبئ بتفسخ القيم وموت البراءة يقول السارد " اقتعد الأريكة المواجهة لآلتماعات الشاشة ، في اليد جهاز التحكم وفي العين ظلال رغبة مكتنزة".لندرك أننا إزاء ظاهرة تعقدت أكثر بدخول العالم مجال التقنية الرقمية ، والحصول على المعلومة في لمح البصر وتعدد نوافد المشاهدة على نطاق واسع .فلم يعد طفل الأمس هو طفل اليوم الذي أصبح يعيش في عوالم اخرى لاتضرب عليها رقابة وتعمل بمنطق التجارة والعولمة الكاسح دون أن تضع أي حساب للقيم بشكل مطلق .
في حين نقف في نص لقاء (2) على مفارقة أخرى جسدتها صدفة اللعب في بهو مصحة بطلاها طفل وطفلة مدركين لأسباب تواجدهما ويعيان جيدا مرارة اللحظة وهولها لكن اللعب الآسر غيب بينهما مرحليا كل الفوارق- الطبقية - التي تمتح من معين ماء نفس النبع الملوث .
"قال الطفل : أبي مريض جدا وأعمامي يستعجلون موته كي يرثوه"ص 42 في حين كان رد الطفلة " أمي منظفة وهي التي تمسح الآن خراء أبيك " ص 43
إن حركية هذا النص وانفتاحه كجرح مثخن تجعل نزيفه مستمرا وأبديا بحروق بليغة تبرز افتقاد الإنسان لإنسانيته وتجريده من كل شرط إنساني وجودي بحيث يضحى الإقتيات من الجثة العفنة مستمرا بتكالب ظاهر ، لكن أمد مقاومتها للموت سيطيل من عمر لحظات اللعب في البهو.
لقد شكل اللعب على الدوام متنفسا كبيرا وعاملا يساهم في نمو شخصية الطفل وتكوينه ، ولعب الأطفال يتخذ خصوصياته حسب المناطق والأمكنة تبعا لظروفها البيئية وتقدمها الحضاري ، ولعل شكل ذلك اللعب هو الآخر يكون متأثرا إلى حد بعيد بخصوصيات المنطقة وقد استاثرت بعض الألعاب بشعبية كبيرة من بينها " ورقة/ حجرة/ مقص" ألى جانب لعبة" الزيبموباح "وغيرها من الألعاب .التي كانت تمارس في إطار من التنافس تبرز ذكاء اللاعب وقدرته على كسب رهان الفوز باللعبة .لكن القاص حسن البقالي يحيلنا على مفهوم اللعبة وممارستها بشكل مختلف ومغاير تماما لإطارها المرجعي الطفولي اعتمادا على مرجعيات اخرى تفرغها من جماليتها وتبرز وجهها القاتل والكريه ، يقول السارد " بالمقص قص أوراقا وخرائط ودولا عديدة ، بالحجر بنى سدودا و عمارات ، بالورقة ألف حكايات وأشعارا وقصص حب جميلة" ص 36 وإن كانت دلالات الفعل متعددة حسب المواد المشكلة له فإن المكونات الأساسية للعبة تأخذ في توظيفاتها أبعادا تتجاوز الإطار البسيط وتفتح كوات اخرى نطل منها على الداخل لنكتشف الأوجه الأخرى للأشياء بعمق" تهدمت الأحجار على الخرائط واستحالت قصص الحب إلى مرثيات باكية " ص36 وهي ابعاد تفضح خبثا ومقصدا وتحيل على كارثية التحول المحيل على فزع السيد " الزيبومباح" الذي رمى بصرته بعيدا وفر إلى ذاته" ص36 ، وكأننا أمام غمز وتلميح للوضع الدولي الراهن واستكناه صاحبه لأعمق أحداثه على الإطلاق .
لقد كان بناء النص بمكر واسترسال مفعم بالحركة التي كلما ازدادت وثيرة سرعتها كلما بلغنا درجة التحول لتعصف ببراءة المألوف ، وتشيد بدله وضعا كارثيا ومريرا بامتياز.
ظواهر أخرى
لقد استطاع القاص حسن البقالي من خلال مجموعته الرقص تحت المطر من رصد ظواهر اخرى كالإختلاس الذي جسده نص " القيئ" ص27 و الإرهاب " نومانسلاند" ص27 بحيث تراوح الصور أمكنتها بين الحقيقة والمجاز لتغرقنا في قتامة قيئ من نوع آخر " عرق الآخرين .. الإكراميات الهدايا العينية ، الأراضي المفوتة بدرهم رمزي ، الأموال الكتسبة بطرق غير مشروعة " ص27 وهي صور انبنت على حدث مفاجئ تجلى في الموت وعوض أن يلفظ الجسد الروح ، لفظ الرشاوي التي " استوت بين الملفوظات كدمل طافح بالالم "
وبسخرية سوداء يكشف السارد عمق المستور ليضحكنا لحظة حتى البكاء تجف الدموع ويتحول ما اختزن في القلب حسرات نجترها حارقة لحظة التأمل .
لقد رفضت الروح أن تلقى بارئها وهي تغادر جسدا مثخنا بأوزار النهب والسلب فكانت مجازية اللفظ التي شكلت المرتكز والسارية التي بني عليها الحدث الرئسي. فالقيئ كالموت يداهم بغثة لكن عوض أن تلفظ الروح لفظت الاموال الحرام .لتبدو الجثة عفنة جدا وصاحبها لا يستحق تكريمه بالإسراع في دفنه.
أما في نص نومانسلاند " فيتجلى مفهوم الحرية في مقابل الأرهاب بحيث يصور النص البطل بكونه فردا يعيش في المنطقة "العازلة بين حدود دولتين ..يحي حياة بسيطة ..يربي الغنيمات ويحرس السيارات hellip;ص30 وسط منطقة تعج بالإرهاب الدولي وتجار الموت .، ساخر من تفاهة نمط عيشهم وحياتهم المليئة بالفزع بينما هو مرتاح البال .
إن التقابل الرمزي في النص ينحو بنا إلى حدود بعيدة ، ويطرح إشكال قيمة الفرد وبالتالي قيمه في ميزان يرجح كفة البساطة والكفاف على الثراء الفاحش والربح السريع ، والحرية في مقابل السجن النفسي والخوف والأغنام في مقابل الممتلكات المتعددة ، والراحة في مقابل القلق .لندرك أن النظرة إلى المجال والحياة شكلت حالة مقارنة قصوى لآستخلاص العبر الكبيرة في الحياة.
في الأخير تبقى الإشارة الى كون مجموعة الرقص تحت المطر تشكل إضافة نوعية للقصة القصيرة جدا وطنيا وعربيا بانفتاحها على عوالم السرد الساحرة وبرصدها البليغ لإيقاعات الحياة كاشفة عن ألآم شخوصها وطموحاتهم وأحلامهم ، ورغبتهم الكبيرة في الإنعتاق من واقع القهر والأرهاب والعجز والقلق والرتابة ،إنها كتابة ترتق جراح شرائح عديدة من المحرومين تدعو بانتقاداتها البليغة الهادفة الى تصحيح وتعديل المواقف ، تدعوهم للمبادرة في اتخاد الموقف الصحيح من خلال انتقاد الواقع السياسي والثقافي والنفسي راسمة ملامح هفواتهم وكبواتهم جاسة نبضهم مخترقة أحلامهم وتطلعاتهم حاثة إياهم على التطلع نحو الأفضل.
* د حسن المودن جريدة روافد تقافية عدد6 فبراير / مارس 2007 ( القصة القصيرة جدا نصوص سعيد منتسب وعبدالله المتقي نموذجا ص 7)
** سمير الفيل روائي وناقد مصري الصفحة الأخيرة من المجموعة
*** د جميل حمداوي القصة القصيرة جدا بالمغرب قراءة في المتون ص16