معرفة

أمام القنديل ...حوارات في الكتابة الرّوائيّة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم زينب.ع.م.البحراني: كتابة النّص الأدبيّ عمومًا، والرّواية على وجه الخصوص؛ عمليّة مُعقّدة تتطلّب قدرًا كبيرًا من الثّقافة الشّموليّة، والخيال الخصب، والتّجربة الاجتماعيّة، ومقدرة فريدة على التقاط أدقّ مشاعر النّفس البشريّة ومُعايشة همومها الإنسانيّة الكبيرة والصّغيرة، فضلا عن مُتابعة كلّ طارئ على حياة المُجتمع العام وسلوكه، وعدم إهمال الاطّلاع على كلّ ما يُمكن مُتابعته من جديد التّجارب الرّوائيّة، والمؤلّفات المًهتمّة برفد صناعة الرّواية من خلال تحليل أبعادها المعنويّة، وتقنياتها السّرديّة المُختلفة. ومن نُخبة الكُتب العربيّة التي اطّلعت عليها في هذا المجال كان كتاب (أمام القنديل/ حوارات في الكتابة الرّوائيّة) للنّاقد البحرينيّ (فهد حسين).

مع إبحاري في الصّفحات الأولى من هذا الكتاب تذكّرت على الفور كتاب (ورشة السّيناريو/ نزوة القصّ المُباركة) للرّوائيّ الكولومبي الشّهير (غابرييل غارسكيا ماركيز)، إذ اتّخذ كلاهُما أسلوب الحلقة النّقاشيّة التي يدور الحوار فيها بين مجموعة من الكُتّاب الذين ينتمي كلّ منهم إلى ثقافة بيئيّة مُختلفة، ويتمتّع بتجربة أدبيّة قد تكون مُشابهة أو مُغايرة لتجربة زميله في حلقة النّقاش ذاتها. وإذا كان كتاب (نزوة القصّ المُباركة) قد ولد من تفريغ مُباشر لحلقة نقاشيّة واقعيّة، فإننا نواجه ذكاءًا بارزًا في تفعيل الحوار بين الرّوائيين المُختارين على صفحات (أمام القنديل)- رُغم الظّروف التي لم تسمح بغير الاتّصال البريديّ الفرديّ مع كلّ منهم- ليبزغ الكتاب بعيدًا عن نمطيّة الإصدارات التي تكتفي بنشر الحوار المُجرى مع كلّ أديب بمُفرده على حدة، وفي شكلٍ أكثر جدوى وفائدة للقارئ، بوقايته تركيز المُتلقّي من التّشتت عن هدف الكتاب الرّئيسي، وهو مُناقشة التّجربة الرّوائيّة على وجه الخصوص. مُتّخذًا الحوار مع الكاتب الرّوائيّ وسيلة لا غاية، وهو ما أكّد عليه المؤلّف بقوله: " وقد يتساءل البعض لمَ التّحاور مع الرّوائيّ إذا كان الهدف الرّئيسيّ هو النّص نفسه والمُنجز الإبداعيّ؟ ونقول إنّنا هُنا لا نأخذ الكاتب بوصفه مادّة للدّراسة والحوار والتّحليل، بقدر ما نقف على التّجربة والثّقافة والمفاهيم وسيرة العمل التي أهّلته ليُبدع عملا أطلق عليه رواية أو نصًا سرديًا.

إنّنا نقف على الكاتب بوصفه سُلطة مُهمّة لها الدّور الفاعل في الكتابة والتّكوين الإبداعي للمُنجز نفسه، وسُلطة لها تمركزها الأساس في القص الذي يُبدعه، سواء أكان راويًا أم شاهدًا خارج النّص، وكذلك بوصفه قارئًا لعمله ومُنتجه قبل الإنجاز وبعده ..... ص41"

اهتمّ الكتاب بمُناقشة قضيّة الكتابة الرّوائية في ستّة محاور، حيث أتى المحور الأوّل ليتناول المدخل العام لفهم الرّواية، سُلطة المؤلّف والتّمركز حول النّص. أمّا المحور الثّاني فيتناول تقنيات الرّواية ومكوّناتها، والمكوّن السّردي. ويتناول المحور الثّالث اللغة وكتابة الرّواية، وسُلطة البوح اللغوي. أمّا صوت المرأة في الرّواية، والنّسويّة والصّوت النّسوي فكان من نصيب المحور الرّابع، وأخذ المحور الخامس المحليّة والتّراث في الرّواية، وأخيرًا دار المحور السّادس حول الرّؤية والتأمّل، بالإضافة إلى المُنجز الإبداعيّ والرّؤية. كلّ هذا في مجموعة أسئلة وصلت إلى ثمانية وأربعين سؤالا، ساهم في الإجابة عليها تسعة من كتّاب الرّواية في الوطن العربيّ، وهم: القاصّة والرّوائيّة الأردنيّة سميحة خريس/ القاصّة والرّوائيّة الجزائريّة فضيلة الفاروق/ القاصّة والرّوائيّة العُمانيّة جوخة الحارثي/ القاص والرّوائيّ البحريني عبد الله خليفة/ القاص والرّوائيّ البحريني فريد رمضان/ القاص والرّوائيّ الكويتي حمد الحمد/ القاص والرّوائيّ السّودانيّ أحمد الملك/ القاص الرّوائيّ العراقيّ الدّكتور محسن الرّملي.. و القاص والرّوائي السّعودي ناصر الجاسم. ولم يُغفل المؤلّف الإشارة إلى تلك الرّغبة المُلحّة في أن يشمل العمل بعض الرّوائيين العرب من اليمن ومصر والمغرب وتونس وسوريا وفلسطين، ولكنّ ظروفًا حالت دون ذلك.

هذا الكتاب الذي يعرض على صفحاته أجزاء من خلاصات التّجارب الإبداعيّة بكلّ ما وراءها من مخزون ثقافيّ وفنّي ومعرفي لأولئك الرّوائيين، يختصر على القارئ - سواء كان كاتبًا يُزمع خوض التّجربة الرّوائيّة، أو روائيًا ينوي الإيغال في مساحات أبعد وأعمق مما سبق له خوضه في عالم الرّواية- عُمرًا طويلا وجُهدًا جزيلا كان سيستغرقه في البحث والتّجريب، ويهبه فرصة التعلّم ممن سبقوا رحلة قلمه في خوض التّجربة الرّوائيّة أو واكبوها. فيقدّم لقلمه بذلك فُرصه البدء من حيث وصلت تلك التّجارب أو انتهت، مُتجاوزًا بعض العقبات الفنيّة التي اضطرّت أقلامهم للمرور بها أثناء مرحلة من التّجريب. فاطّلاع القارئ على تجربة تسعة روائيين بمستويات مختلفة في نوع الثّقافة والإحساس والذّخيرة المعرفيّة والتّجربة الإبداعيّة يجعله يحظى بنظرة تُساعيّة الأبعاد لمفهوم الكتابة الرّوائيّة، نظرًا لتنوّع تلك التّجارب و تباين وجهات النّظر بين كاتب وآخر في كلّ محور من محاور النّقاش. وحتّى حين صادف اتّخاذ إجابات بعض الرّوائيين منحى آخر في فهم الأسئلة المطروحة (كما أشار المؤلّف ص42) ؛ فإنّ ذاك الفهم المُغاير لمضمون السّؤال قد أضاف منحى جديدًا للموضوع الذي بين يدي البحث والتّساؤل، وأضاء نواحٍ أخرى أضافت قيمة أغنى لحلقة النّقاش الافتراضيّة وفائدة أكبر للقارئ.

ورُغم أنّ الكتاب قد أعدّ لأجل قارئ مُنتخب، غير أنّ الجُهد الواضح في إعداد صيغته السهلة الممتنعة تؤهّل كلّ قاصّ أو روائيّ مبتدئ يملك حدًا معقولا من النّضج الأدبيّ لقراءته واستيعابه، مُحفّزًا تأمّل القارئ على التّفكير في قضايا خطرت له أو لم تخطر على ذهنه من قبل، أثناء مُحاولته الفرديّة للإجابة عن الأسئلة المطروحة في الكتاب، أو أثناء تأمّله لإجابات الرّوائيين المُشاركين ومناقشته الذّهنيّة لها. وبهذا يكتشف مع كلّ محور من محاور النّقاش بين الرّوائيين أنّه مهما كبُرت التّجربة الإبداعيّة وطالت واتّسعت للكاتب الرّوائيّ، فإنّه يبقى تلميذًا في مدرسة الرّواية بكلّ ما تتطلّبه من ثقافة مُتجدّدة وذخيرة معرفيّة راسخة وتجربة إنسانيّة حيّة و إحساس أدبيّ مُرهف.

(أمام القنديل) ، كتاب يستحقّ وقوف كلّ روائيّ وناقد عند مضمونه كتجربة لا تكتفي بتحليل نصّ أو مجموعة نصوص لكاتب بعينه، وإنّما تحلل عوامل إنجاز الكتابة الرّوائيّة عمومًا، مُقدّمة بذلك كنوزها لأيّ قارئ روائيّ دون استثناء، وهو بهذا إضافة جديدة تحتاج المكتبة العربيّة لمثلها الكثير.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف