جاهدة وهبي: بإمكان هيفا أن تعيش دون أن تغني
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
هناك من حاول القبض على صوتك ووضعه في قفص من اجل تأمله وحسب .. لو كان بالامكان تحقيق هذه الرغبة جاهدة ..ما يحصل؟
...تضحك ثم تجيب ،لا أعرف ولكن أعتقد أحيانا أن صوتي ممكن أن يعذب الإنسان أكثر مما يريحه،لان كثيرين يقولون لي أنهم يتوجعون من صوتي.وإن كان هناك من وجع فهو الوجع الذي تكون نتيجته الخلاص والنشوة. أحيانا يهرب مني صوتي لكثرة ما أتأثر به وأحيانا يبكيني ، أتمنى أن استطيع القبض دائما على إعجاب الجمهور،و إحساسكم بصوتي بهذا الشكل هو بالفعل شيء جميل.
غونتر غراس - جاهدة وهبة ثنائي ألماني - عربي، الم تحسيه ثنائيا ألمانيا ألمانيا أو عربيا عربيا؟
اعتقد أن ترجمة أو تعريب أمل جبوري للنص أعطاه نكهة عربية خاصة ،كما أن الكثيرين قالوا لي بأن الترجمة كانت جيدة جدا وبأن أمل أبدعت فيها.
"ألمانية ألمانية" .. أنا أعتقد أن روح هذا النص بإنسانيته و إشكاليته -يتكلم عن إشكالية الوجود- ينسحب على كل الكائنات في الكون ومن هنا قد تلاحظين أنه مثلا قد يتماهى مع روحية الشعب الألماني ويتماهى أيضا مع روحية الشعب العربي مما يؤكد إنسانيته وشموليته .
أعرف موقفك جيدا من الإسفاف الذي نراه في الوسط الغنائي الذي تقاومينه بالتزام طرب حقيقي .. جاهدة ، أترين أن هذا كاف لتواجهي هذه الموجة من سمك القرش الضئيل؟
أعتقد أن جل ما أقدمه لا يستطيع أن يواجه هذا الكم من الإسفاف،ولكن أحب أن أشير إلى أنني لا أريد أن أضفي على ما أقدمه صفة التحدي أو التصدي أو المحاربة لأنني بالفعل أسعى إلى أن أقدم ما يشبهني وما يشبه قناعاتي في هذا المجال ،ولكن يدا واحدا لا تصفق ، وطبعا نحن بحاجة إلى جهود كثيفة في هذا المجال من كل من يؤمن بأننا يجب أن نحافظ على هويتنا وثقافتنا وحضارتنا ، نحن نعيش نوعا من الاغتراب عن هويتنا الثقافية في هذا العصر العولماتي ،فالعولمة بدأت تبلعنا بما أننا أمم ضعيفة ،لقد بتنا نستنسخ عن الغرب متناسين مخزوننا الوافر الذي بإمكاننا تصديره للغرب و الذي يجب أن نحرص عليه من الاندثار في ظل هذه الهجمة العولماتية، خاصة أنني أظن أنه يجب علي وعلى كل من يماهيني في هذا النهج السعي لتأسيس و أرشفة فننا لأننا بتنا في زمن تكنلوجي بامتياز.
هل ستبقين صاحبة الفيديو كليب الواحد ؟ نفهم من هذا أنك تريديننا أن نرى بآذاننا فقط ؟ ألا يخدمك الكليب؟
لا و لعلمك أنا لدي 3 كليبات بل بالأحرىصاروا 4 كليبات ،لأنني صورت مؤخرا كليبا جديدا،كليبان منهما صورتهما أثناء الحرب الأخيرة ،إضافة إلى أغنية بيروت وهي من الألبوم الجديد، ومؤخرا نفذت كليبا لأغنية دينية . ولكنني رغم ذلك اعترف أنني مقلة في هذا المجال ،في البداية كان موقفا من كل ما يُسوّق ضمن مفهوم الفيديو كليب ، ومما تطالعنا به الفضائيات من كليبات بذيئة ولا تمت للمشهدية الصورية الجمالية بصلة ، ولكن بالمقابل لا يمكنني أن أنسى أو أتناسى أننا في زمن سمعي مرئي بامتياز .وعلينا إذا أردنا أن نصل إلى كافة النخب أن نسوّق أعمالنا إلى الكثيرين في مختلف أنحاء العالم علينا أن نقدم أعمالنا مصورة ، ولكن في حال قدمت فيديو كليب أسعى إلى أن يكون مكمّلا للأغنية بطريقة درامية محكمة لتبرز الأغنية بأبهى حلة ، لأن أغلب الفيديو كليبات أو المعادلات الصورية تأتي ليغطي عيوب الأغنية على مستوى اللحن والأداء والكلمات.
درست الغناء الأوبرالي باللغة العربية،بالإضافة إلى العزف على آلة العود والإنشاد البيزنطي والسرياني النفس و التمثيل والتجويد القرآني والغناء الأوبرالي بالعربية ولديك شهادة في دراسة علم النفس . هل أنت راضية عن نفسك؟
أمضيت نصف عمري في الدراسات الأكاديمية ، وأنا سعيدة بما اكتسبته واختزنته من معلومات كثيرة في كل هذه المجالات،ولكنني لست راضية هذا الرضا التام الذي تسألينني عنه ،فنحن المبدعون لدينا إحساس مستمر بأن ثمة ما ينقص ، ولكنني في نفس الوقت مقتنعة بما قدمته وبمسيرتي عموما ، وأنا من اللواتي يغربلن أعمالهن كثيرا قبل أن يقدمنها للجمهور ، والحمد لله أنا ماضية في هذا الدرب و أعتقد أنه مهما درستِ ومهما اختبرتِ من أمور سينقصك أشياء و أشياء ...إن أكبر خطيئة هي الرضا كما تعلمين!
هيفا تقول لكم - بدّي عيش- أي - بدّي غني- بم تردين عليها؟
هيفاء أصبحت ظاهرة سواء تكلمت عنها بالإيجاب أو السلب ،سواء أعجبت بها أو لم أعجب ،فهذا بالنسبة لها لن يشكل فارقا ، ولكن هي تستطيع أن تعيش دون أن تغني. أنا أقول "أنا أدعو وأرجو عليكم أن تتركوا الغناء ، لأن الغناء شيء مقدس " ،لن أقول أكثر !!وربما هي تستطيع أن تعيش دون أن تغني.
في دار الأوبرا غنيتِ "بيروت لن تبكي" أين ستغنين "بيروت تضحك ، تضحك ، تضحك"؟
نأمل أن كل ما نقدم يساهم في جعل بيروت تضحك ولو أنها اليوم جريحة، ولكننا نحن اللبنانيون نرفض العنف ونرفض كل ما يحصل على أرضنا أو على الأراضي العربية.أنا دائما كما الباقين أشبّه بيروت بالفينيقي الذي ينبعث دائما من الرماد .للأسف أنا لا حيلة لي أمام الدمار والموت ،أنا ما حيلتي أمام هذا الكم من الموت النبيل؟!ولكن كما يقول سعد الله ونوس" قدرنا دائما نحن أن نأمل ، لا نستطيع إلا أن نأمل و أن نبتسم "، إن حافظنا على إرادتنا بالابتسام ،نستطيع أن نُظهِر بيروت باسمة أكثر.
رغبت بان ابكي وأنا أسمعك ..كأنك تراقصين اللحن .. كأنك سندريلا التي يعطيها الأمير حذاءين في أول الحفل قبل أن تفرّ منه؟ كأنك زوجة اللحن ،زوجة الموسيقى .. كيف للموسيقى أن تعشقك لهذا الحد؟
الموسيقى هي عالمي وهي روحي ، فلقد امتهنني الفن ولست أنا من امتهنه ،وكما قال نيتشه مرة " لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ " . وبالنسبة لسؤالك ، فما قلتِه عن صوتي أمر جميل جدا ، كنت سابقا أبكي صوتي ولا أغني ، لقد قلت في كلمة كنت قد كتبتها عندما أصدرت الألبوم الجديد :"أنا أتوعك من الألم الجميل ، أمرض به و أقلق من القصيدة الجميلة ، ولا أشفى منها إلا إذا غنيتها " ، الموسيقى واللحن و النغم هي علاج لي ، أجلس مع القصيدة تشكّلني و أشكّلها تعجنني و تضحكني فنصبح صديقتين و تأخذني إلى معاني أنقى و أشهى و أخصب ، عندما أغني أحس أنني أنأى بنفسي عن كل التلوث الموجود في المشهد الفني ، وأقول أنني مدينة للموسيقى ولوجودها في حياتي لأنها بشكل ما تكتبني ولو بخط أو بحبر أثيري على صفحات الزمن.
إذا كنتِ الجديرة بتلحين الموسيقى التصويرية لذاكرة الجسد فمن ترينها الأجدر بلعب بطولة المسلسل .. أنت مثلا؟
الشخصية التي صورتها الصديقة العزيزة أحلام الصديقة الكبيرة العزيزة في ذاكرة الجسد اعتقد أنها عمرا وشكلا وجوهرا لا تشبهني كثيرا ،كل إنسان يطمح بأن يكون إحدى شخصيات أحلام مستغانمي لما تعيشه هذه للشخصيات من أحداث ومواقف و أحاسيس، من جهة أخرى كأننا أنا وأحلام نعيش توأمة فنية فلقد لحنت مجموعة من أعمالها .
استطيع أن أوصل إلى مكنونات هذه الرواية إلى المتلقي من خلال الموسيقى ، يعني أستطيع أن أقول أحلام موسيقيا و هذا بشهادتها أيضا . وقد سبق ولحنت عشرة نصوص من أعمال أحلام خصوصا من روايتي فوضى الحواس وذاكرة الجسد وأعمال أخرى كانت كُتبت خصيصا لي و نحن الآن بصدد الإعداد لمسرحية بعنوان " لا ترتدي حداد الحب" فآمل أن يبصر هذا العمل النور قريبا.
بالنسبة لترشيحي لاسم معين ، لا تحضرني الآن أسماء ولكن هناك العديد من الفنانات في العالم العربي جديرات بالدور ، أرى أن التي يجب أن تحظى بهذه الفرصة يجب أن تكون قارئة متعمقة في أدب أحلام تحديدا وان تكون لديها سمات المرأة العربية الشرقية.
هل أنت الأسود والأحمر؟
أووه شو ها السؤال ...بَدِّك تكتبيلي ورقة الأسئلة لأحتفظ بها -تقول قبل أن ترد ، أنا فيَّ الكثير من الأسود وفي داخلي حزن كبير وشغف أكبر إذ استطعت أن أعطي الشغف لونا أحمر !!
في داخلي تناقضات كثيرة تخرج عبر الموسيقى. تعرفين ؟ لم أعد ابكي كثيرا .. قررت أن اصنع من خيباتي أعمالا فنية!!
والدك شهيد وشقيقتك اعتقلها الإسرائيليون ، حين تغنين لهما جاهدة هل يخذلك الصوت أم يعزّيك أم تراه يعرّيك؟
- تبكي ثم تردّ بحرقة- كل أعمالي أهديتها لوالدي والعمل الأخير " كتبتني" أهديته له عساه يسمعني .و أختي التي كانت قيد الاعتقال ساندتني كثيرا !!
- ثم توقفت جاهدة لبعض الوقت بعدما تأثرت كثيرا بذكر والدها الراحل وشقيقتها-
و أكملَت : أنا افتقد أبي الذي كان مشجعي الأول ، كان يصحبني إلى معهد الموسيقى و ينتظرني حتى أنتهي .كثيرا ما أفتقده و أنا أغني!
صدقيني ، كأنه من عليائه يساندني ..كذلك لا يفوتني أن أذكر أن إخوتي ووالدتي يدعمونني كثيرا خصوصا شقيقتي جومانة التي كانت في المعتقل سابقا ساندتني كثيرا هي وزوجها ولولاهما لما استطعت إنتاج ألبومي الأخير و هذا أقل شيء أقدمه للوطن!
..ما أقدمه للوطن من فن هو قليل قليل جدا مقابل ما قدمه أبي وما قدمته شقيقتي ، أنا حينما أغني أعزي حالي !الموسيقى تستحضر لي من أحب كوالدي و إخوتي.
بعد إطلاق ألبومي اتصل بي إخوتي من خارج لبنان لتهنئتي و جاء عمي ليهيئني و أجهشت أنا بالبكاء..تأثرت كثيرا و أحسست أنه طيف والدي جاء لينهئني ، أنا أهدي عملي لعائلتي دائما !!
بعدها تلقي جاهدة كلمات قصيدة غنتها -
" بيّي ب ها الليلة والدنيا عيد ، اشتقتلك يا بيّي
ناديتك ع ابواب السما وينك رد عليّا؟؟
زينة وليلة عيد ، عسكر وبواريد ، عم يسالوني الشهيد شو بدّه عيدية؟
شو بقلن ، خبرني يا بيّي؟؟
أنا يوميّي بشوفك مارق بمواكب أبطال
عسكر عم يزرع بيارق عروس الجبال
وبقلك حاكيني يا بيّي
بتقلّي الشغل كتير
مش راجع بكّير ، تانحرّر تراب الأرض وعرس المجد يصير
بيرق يلوح ع مفارق وسطوح ، مشوار ب ثوب البطولة يندهك
بتروح يا بيرق الي ع الجبل و غزلتك بايديّا
ع السما راح البطل تيجيبلك الحرية
يا بيرقنا الي ما بينطال غزلتك فوق جبيني شال
حتى ب عيد الاستقلال ودّيك لبيّي هدية
من فوق سطوح القرميد هلّ العيد بلون جديد
أخضر ياغار الشهيد وسقيتك بايديّا"
- ثم أكملت جاهدة حديثها -
وبقيت أكثر من 3 أشهر لا أستطيع أن أغنيها بعدما كتبها ولحنها الأستاذ ايلي شويري ، أخذت وقتا طويلا حتى استطعت أن أغنيها وكلما أغنيها أجهش بالبكاء!!
تغنين لغونتغراس "لا تلتفت الى الوراء" ، هل تلتفين إلى الوراء؟
آآآه .. مشكلتي الشخصية أنني من اللواتي يلتفتن كثيرا للوراء ، أنا وفية عظيمة للماضي، ذاكرتي تستأثر بي. أنا دائما على تماس مع ذاكرتي ، هذا يتعبني وأنا أحاول أن أفعل بنصيحة غونتنغراس ولا أفلح!
كما قلت لك ، ربما أستطيع من خلال الموسيقى أن أتلاعب بالزمن ، تعرفين ؟ يقال أن معضلة الإنسان الكبرى و مأساته الكبرى هي الموت. إنه حين يصبح مليئا بالخبرة وبالذكريات يأتي الموت ليجهز عليه فكيف بالأحرى المبدع؟!
أنا أرى أن مشكلة المبدع الفنان كبأك أكبر مع الزمن والموت . كل أدواته ومفرداته هي فقط وسيلة للتلاعب بالزمن و لمشاكسة ومشاغبة هذا الموت ما تقولين لهؤلاء : أحلام مستغانمي ، وديع الصافي ، سعيد عقل ، غونتغراس ، البقاع الغربية ، جبران تويني ، رفيق الحريري ؟
أحلام مستغانمي : توأم روحي و اليراع الذي لا مثيل له.
وديع الصافي : كبير الأغنية العربية و هرمها وصوت لم يأت الزمان بمثله.
سعيد عقل : إن كان للسماء أن تقول شعرا فلتقل شعر سعيد عقل.
غونتنغراس : شعره صنع بعضا من ألقي و تألقي ، و أدبه كثيرا ما يحثني على التفكير بإشكالية وجودي في هذه الحياة.
البقاع الغربي : آآآآآآآه .. عندما أقول البقاع الغربي يحضرني مشهد سنابل القمح في سهل البقاع ..عندما تأتي الريح الخفيفة أو النسيم فيلويها ولو قليلا. هذا الهواء الذي يسافر في أرجاء سهل البقاع الغربي والكامن فيَّ ، الذي يحرّك تراب البقاع ويحرّكني !!
أعتقد أنني أشبه تربة البقاع و بالطبع أنا لا أود إلا أن أدفن في تربة البقاع الذي شكلني كفنانة. أشبه مزاج البقاع الغربي وسهله وهذا الجبل الجميل و هذه الضيعة الصغيرة النائية بأشخاصها وعجائزها وأطفالها الطيبين ، أنا أحمل الكثير من روحهم و فنهم وشغفهم و مزاجهم في موسيقاي .
جبران تويني : الشهادة الرمز و القلم الذي لا ينكسر و الحي دائما.
رفيق الحريري : العملاق الذي حما لبنان و خلّصه باستشهاده.
الذي يأتيكِ بشكل سريع ، و عندما تنظرين إلى الوراء فإنك تحاولين القبض على الزمن وعلى ما اكتنزتِ من مشاعر و أفكار وذاكرة سابقة...
فعلا فعلا فعلا ... الموسيقى هي كل حياتي !!!
أنا أحاول من خلال الموسيقى أن أكون في المستقبل و أن لا أترك أثرا للماضي الذي ترك علاماته بي . لكنني أنهل من آثار الماضي هذه لأقدّم شيئا يخلّدني في المستقبل !