الإيحاءات الدافئة في أغاني ناظم الغزالي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
في ذكرى رحيله الرابعة والأربعين
الإيحاءات الدافئة في أغاني ناظم الغزالي
في فترة زمنية عراقية لم يكن فيها نوادي أو ملاهي أو حتى أماكن عامة تُمكِّن الحبيب من رؤية أو مقابلة محبوبته. كان الزقاق أو الشارع هما البديل المتاح الذي يروي ظمأ العاشقين، إن حالفهم الحظ وأطلت الحبيبة من الباب أو الشباك ليحضى المترقب بنظرة أو ابتسامة قد يعيش عليها أياماً، فالزقاق والشارع والشرفة وفلقتي الشباك المشرعتان، كلها صور يختزنها ذهن الحبيب وهي تجسد ملامح محبوبته ودلالها. من هنا تأتي أهمية أغنية ناظم الغزالي الشهيرة " طالعة من بيت أبوها " في إثارة مخيلة المستمع عن طريق الإيحاءات المثيرة للمشاعر العاشقة. إن صورة الفتاة المنفلتة بجسدها من إطار باب دارها كي تخطو بعض خطوات لتدخل بيت الجيران قاطعة مسافة لا تتعدى بضع أمتار، أي بزمن قصير يحسب بالثواني، تتضمن العديد من الحركات والألوان والرسائل الدافئة، العباءة وطريقة ارتدائها، النظرة الجانبية وهي تطلق سهامها صوب المحبوب، الابتسامة التي تطلق فراشات الربيع داخل روح العاشق بغض النظر عن اختلاف الفصول. صور جميلة ومؤثرة لكننا نكتشف بأنها لا تروي ظمأ الشاعر وبالتالي المطرب فيذهب إلى أبعد من ذلك ليمنح المستمع بعداً جسوراً آخر، حين يعترف المطرب بأنه كلم محبوبته وغازلها، فيقول معترفاً: قلت لها يا حلوة أرويني .. عطشان مَيَّه اسقيني " ثم يوغل باعترافه ليبوح بأخطر من ذلك حين ينقل الكلام على لسان حلوته فيقول: " قالت لي روح يا مسكين .. مينا ما يروي العطشان " وهنا ترتفع روح المستمع المتخيل إلى سماوات خيالاتها لاهثة وراء المعنى. ترى هل هناك ماء لا يروي العطشى!؟ هو إذاً ليس الماء الذي نعرفه!!
ومن أجل أن لا نغفل هذه الأغنية الجميلة أو نمر عليها مرور الكرام، أي أغنية " يم العيون السود " وتأثيرها الساحر في نفس المستمع، فقد حملت إشارة جريئة لا تخلو من المغامرة، فالأغنية تقول في مطلعها " يم العيون السود ما جوزن أنا .. خدك الگيمر أنا أتريگ منه " وعلى الرغم من أن كلمة ( أتريگ ) هي في حقيقتها كلمة صعبة جداً ولا يمكن لشخص أن يفكر بإدخالها في أغنية، إلا أننا نجد أن تلك الكلمة الصعبة وقد صارت مرتكز الأغنية ومفتاح حلاوتها والتي عن طريقها وبسببها شحذ العراقيون تفكههم وخيالاتهم الخصبة. ففكرة الإفطار بوجنة ملائكية الملمس والشكل، فكرة لا تخلو من الخبث والدهاء اللذيذ. ترى هل كان المعني بالأغنية يعد حبيبته بعضة دافئة تدغدغ مشاعرها، أم بقضمة تفاحة جسدها مع ساعات الصباح الندية الأولى؟ المفردات العراقية في أغنية " يم العيون السود " لها أكثر من دلالة وأعمق من تصور، التنّور، الرغيف الساخن، الباب، الفستان وغيرها. " لابسة الفستان وگالتي أنا .. حلوة مشيتها دا تمشي برهدنه " هنا رمى الغزالي بخياله عباءة الفتاة جانباً فصورها داخل ذهن المشاهد بجسدها الرشيق تخطو خطواتها بغنج متجهة نحوه. تلك الأغاني بكلماتها وصورها الشعرية المترعة بالدعابة المحببة كانت في نظر المستمع مشاهد سينمائية يتخيلها كما يشتهي لتشحذ في مخيلتهِ ذكريات وصور جميلة طالما بقيت دافئة في ذهنه. وبمناسبة الوصف الجميل لخطوات الحبيبة، الخطوات ( المتردهنة ) في أغنية " يم العيون السود "، تغزل الغزالي أيضاً في أغنية " يا ابن الحولة " بخطوات الحبيبة ولكن بجرأة أكبر حين قال " ما شفت مثلك بالعالم أبد .. عالمودة تمشي شوية يا ولد " وهنا إشارة إلى أن الحبيبة - رغم أنها جاءت بصفة المذكر - تخطو خطواتها بطريقة متصنعة الدلال والغنج، وما كلمة " المودة " سوى تعميق واضح للمعنى، وللأسف فلم يتسن لنا معرفة مودة المشي في ذلك الوقت ولا حتى في أيامنا هذه!!
أدخل الفنان ناظم الغزالي من خلال أغانيه الكثير من المفردات والألغاز والإشارات إلى اللهجة العراقية المحكية، وصار العراقيون يتناقلوها بتحبب ودلال، مثل " الرگبة مرمر "، " يمشي عالمودة "، " أحبك وأحب كلمن يحبك " وغيرها الكثير.
رحل الفنان ناظم الغزالي في 23 من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1963، تاركاً إرثاً غنائياً وموسيقاً عراقياً وعربياً أصيلاً يشار له بشغف الروح الحالمة بصور تلك الإيحاءات الدافئة التي تكتنزها مخيلة وذكريات العاشقين، ويبقى الغزالي مطرب الأغاني العراقية الدافئة ذات النكهة البغدادية ودعابتها الساحرة، كما ويبقى من أهم قارئي المقام العراقي، فهو من نشر بحلاوة صوته وحرصه النبيل أساليب هذا الفن الجميل وأصالته إلى كافة أرجاء العالم.
حسين السكاف
halsagaaf@hotmail.com