رياض احمد سنديانة الغناء العراقي السامقة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
(من تزعل .. توحشني الدنيا / واتصور غيرت فنونك / ومن ترضى ظل شوكـَ البيا / يذوبني بنظرات عيونك / من ازعل ترجع تتعذر / بعد ايام وهم تتغير / وجم مرة التبعد واغفر لك / ما تكلي اليغفر جم مرة .. جم مرة / طبعك صاير .. صاير .. مرة ومرة) .
وتتحرق الاشواق فاتحة كل مسامات الجلد لاستقبال رائحة الوجد الهائم لان من يغني هو رياض احمد ، الذي حين نقف على عتبة السابع من اذار/ مارس تهب علينا روائح الذكرى الثانية عشرة لرحيله ، هذه الذكرى التي تمر من امام عيوننا بهدوء ، ننظرها وهي تجيء حاملة سلال ما ورثته عنه سواء في سنوات حياته الـ (46) او سنوات رحيله الاثنتي عشرة من ذلك الصوت الشجي الذي خفق في اشواقنا وحنيننا ، وبالرغم منا.. نستوقفها.. ونتأملها ونقرأ في سطورها ما تركته فينا من شوق اليه وحزن على فقده، تلك هي ذكرى رحيل المطرب العراقي الكبير رياض احمد، الذي مازلنا نفتقده ونلجأ الى صوته لنراه في ايامنا هذه وهو يملؤها شدوا.
اغمض عيني ّ لأرى اغانيه تصدح بالموال والمحمداوي والابوذية وبالنغمات العابقة من خلجات حنجرته الجميلة، المستمدة حنينها من حنين شط العرب والعشار ومزارع التنومة والليالي المقمرة التي كان يدفع (البلم) فيها ليخفق بمجذافيه على الماء الهادىء، وحيث يطلق صوته مالئا الشط برذاذ احلامه، وما كان (عبدالرضا مزهر نجم) وهذا اسمه الحقيقي ، سوى نجم بين اصحابه في حدود البلم، لكنه شرع يطاول الحلم في ان يكون صوته ممتدا ابعد من المكان الذي هو فيه، فكانت اغنية (مستاحش) التي كتب كلماتها مهدي السوداني ولحنها طارق الشبلي اولى خطواته على الطريق الى بغداد التي استقبلته اذاعتها بأختبار نجح فيه وبأعجاب الفنان احمد الخليل الذي رسم له ملامح اسمه الجديد فمنحه اسم (رياض احمد) وكان طريقه الى اغنية ثانية هي (اخذ ياماي) التي بعدها صار رياض احمد احد المع نجوم الغناء العراقي، وصعد نجمه رغم العذابات وتهديدات والده له بالامتناع عن الغناء،لكنه كان (يركض) متحمسا الى بلوغ غايته وتحقيق احلامه ، واغنية بعد اخرى ، وخطوة اثر خطوة ، ومن البصرة الى بغداد ، كان رياض يرسخ اقدامه في الوان الغناء العراقي ، ويتألق سنة بعد اخرى ومن حوله يلتف المعجبون ، وكان طور المحمداوي سبيله الى النجاح الذي لفت الاسماع اليه ، وكان الموال ينطلق من حنجرته شجيا يملأ فضاءات الروح بعبقه المترع عذوبة .
رياض احمد .. عانى الكثير من العذابات وكان يجد نفسه في الانزواء بحثا عن ذاته المتقلبة على نار الهموم فكان يهرب الى (الخمرة) التي حاول اصدقاؤه منعها منه ولكن كان يتركها وسرعان ما يعود لها ، وكان دائم الشكوى والحزن لاسيما ان الوضع السياسي السيء في العراق انذاك ودكتاتورية الحكم فرضت تصرفات عانى منها الفنانون حبن يرغمون على الغناء لهذا المسؤول او ذاك وكان رياض احدهم ووقع في شر سلوكيات اولئك ، وكان لا يستطيع الفرار الا بالخمرة ، وقد ذكر لي الزميل مجيد السامرائي انه قبل ايام قليلة من رحيل الفنان كان قد استضافه في برنامجه الاذاعي (حوار بلا اسوار) وكان رياض يبكي داخل الاستديو ويتحدث عن الموت وعن اقتراب موعد رحيله من الدنيا ، يقول السامرائي كان رياض يتحدث بذلك وكأنه يعلم انه سيموت !! ، ومات رياض في السابع من اذار عام 1996 ، وحينها ادرك الجميع ان (سنديانة الغناء العراقي قد سقطت) ، ودب الحزن وكان مشهد الوداع تراجيديا ، رحل رياض احمد .. وسمعنا صوته يردد (آن الاوان وما بعد رجعة) ، لكن السنوات اكدت ان السنديانة لم تسقط وظلت سامقة .
يقول الناقد الموسيقي عادل الهاشمي ( يشكل رياض احمد في الغناء العراقي تيارا متراكبا لذلك فأن جذوره تستمد كينونتها من التراث الريفي وخاصة تراث المطرب (داخل حسن) الذي تأثر به كثيرا ، الى جانب ذلك تأثر بالتيار الحديث ، تيار الاغنية المدينية ، وعليه فأنه جمع بين اغاني القرية والريف واغاني المدينة ، هذا من جانب نشأته التكوينية الفنية ، اما من ناحية صوته فأن صوته يشكل خاتمة الاصوات العظيمة في الغناء العراقي قديمه وحديثه ، فأن صوت رياض يمتلك خصائص خاصة في الصعود والهبوط والاستقرار والقفلة ، وابضا في الانتقال مابين الانغام والمقامات على نحو مذهل الى جانب ذلك قدرة الاخراج الموسيقي للنغمة ، كما انه ملك الارتجال الغنائي العراقي وصوته يشكل تأثيرا بالغ القوة على الاسماع لان فيه يمتزج عنصران اساسيان ،العنصر الاول : الشجن ، والعنصر الثاني رقة الاوتار الصوتية ، وعليه يمكن القول ان الغناء العراقي سيحتاج كثيرا من الزمن حتى يأتي واحد من المواهب تلك التي تقترب من خصائص رياض احمد الفياضة في الغناء ةالاداء والطرب .
واضاف الهاشمي حول الاغنية التي تؤثر فيه قائلا : انها اغنية (مرة ومرة) التي غناها من الحان جعفر الخفاف ، فأنها تعكس اولا الاصالة العراقية ، وثانيا تعكس الحداثة ، والحداثة هي تبيع التراث ، ذلك انك لا تستطيع ان تجدد من دون تراث او ما ض تملكه ، وعليه ان القيم الفنية لهذه الاغنية جمعت بين الاصالة والحداثة ، الى جانب ذلك هنالك قضية الموالات التي يرتجلها رياض وهي ليست بالموالات التي كان يغنيها داخل حسن ، لان داخل يرتبط بالالتزام بالاطوار الريفية بينما رياض احمد اعطى لهذه الاطوار الريفيو وجهها المديني فجاءت على نحو قد يكون متفردا في الغناء العراقي .
وفي ختام حديثه اضاف الهاشمي : ان صوت رياض احمد يختلط مع انفاس الحياة في الالفاظ وفي المعاني وفي الكلمات لانه يعبر عن توتر المشاعر وانفراجها، وهو الذي جعل من الغناء صورا مكثفة لما يعرف بالاتقان، لذلك نقول ان صوته الكاشف عن العذابات واللوعة والحنين هو الذي يجعلنا نتمكن من اقناع اسماعنا بذلك القسط المتساوي الذي يجمع بين اللفظ والنغم)
اما الملحن محمد جواد اموري فقال عنه : رياض .. فنان كبير بروحيته وصوته وله مميزات رائعة جدا وخاصة في اداء المواويل لانه اتحف الجمهور العراقي بطريقة رائعة جدا بحيث قلد المطرب (داخل حسن) فأبدع ، وقلد المطرب خضير حسن ناصرية وابدع ، رياض عندما كنت اسجل له في الاذاعة لم يستطع ان ينزل بالطبقات الصوتية ، ومع روعة ما يمتلك من صوت ولكن مع الاسف لم يجد الملحن الذي القيمة الحقيقية لصوته ، فكان رياض يتذمر من ذلك ، فوجد نفسه في الموال وقد عرف ابن تكمن قوة صوته فكون شخيصته الرائعة ، واضاف اموري : حنجرة رياض وهبها الله له خاصة به ، وعلى الرغم من وجود ملحنين جيدين الا انهم لم يستطيعوا النجاح معه ، فالموهبة التي لديه ربانية ، اما بالنسبة لي فلم اكن متفرغا له بل كان عندي حسين نعمة وياس خضر ، ورياض كان مشغولا بالحفلات لذلك لم تسنح الفرصة بالتلحين له لاحقا ، رحم الله رياض احمد .
وقال الملحن محسن فرحان : كان رحيل رياض احمد خسارة كبيرة ، وبالفعل .. في الليلة الظلماء يفقتد البدر ، غادرنا مبكرا ولكنه ترك بصمة مؤثرة ، ومن خلال وجودي ضمن برنامج (على خطى النجوم) فأن اكثر الشباب يحبون غناءه ويقلدونه ، واضاف : رياض يمتلك صوتا دافئا وحنينا وطبقاته عالية ، ومن يغنون الطبقات العالية هم نادرون ، ولانجده الا عند المطربين الكبار ، اذ ان في الطبقات العالية يطرب المستمع ، ورياض من المغنين الذين جعلوا للون المحمداوي والموال مستمعين من خارج بيئة اللون ، مثلا في المنطقة الشمالية يستمعون اليه وكذلك في المنطقة الغربية ، هؤلاء اصبحوا يسمعون المحمداوي وان كان ليس لون البيئة التي يعيشون فيها ، واستطرد محسن فرحان : انا اول من لحن اغنية لرياض احمد في حياته وعنونها (خلصت من الصبر ياروح) قدمها في برنامج كان يقدمه الفنان الراحل راسم الجميلي ،لكنها لم تسجل ، فقد كان هو ضمن المسرح العسكري وانا كنت في محافظة كربلاء ، وقلنا اننا من الممكن ان نقدم افضل منها ، وكنت قد اتفقت معه على مجموعة اغاني من كلمات كريم راضي العماري وطاهرسلمان قبل رحيله ولكن الشريط الذي كان يحفظ فيه رياض ضاع ، ولم الحن له طوال المدة السابقة لاسباب منها ان كل ملحن اقترب من مطرب معين ، فأنا اقتربت من سعدون جابر ومحمد جواد اموري من حسين نعمة وطالب القره قولي من ياس خضر ، ولكن الملحن جعفر الخفاف هو اكثر من تعاون مع رياض احمد لانه فهم صوته ، بالاضافة الى ان الفن العراقي منذ مطلع الثمانينيات تعسكر وانشغل الملحنون والفنانون بعالم غير عالمهم وقد تشوهت خارطة الفن العراقي .
وحين سألته عن ماذا تبقى من رياض احمد بعد (12) من رحيله اجاب محسن فرحان : بل قل ماذا ذهب منه ، والجواب ان رياض بقي وصار يتجدد وسنة بعد سنة بعد وفاته يكثر معجبوه لانه يغني بأحساس صادق ونقي وغناؤه من القلب .
رياض احمد .. في ذكراه الثانية عشرة .. تجعلنا نرفع اعيننا الى ما فعلناه من اجله، ونقول: لا شيء.. ليست ثمة رعاية بما تركه ولا فكر احد ان يقيم له احتفال بالذكرى..بل ان التلفزيونات على كثرتها لم تمر عليه الا لماما ولم تستدرك ما قدمه كواحد من اروع المطربين العراقيين.. ما نتمناه ان تلتفت الدوائر الموسيقية الى (رياض احمد) وتحتفي به بما يليق ويستحق.. ونخشى ان ذكراه ستمر دون ان يلتفت احد اليها..
Attaby60@yahoo.com
التعليقات
من اجمل الاصوات
Niron -رياض احمد من اجمل الاصوات العراقية .....رحمه الله مات من الحسرة
رياض كان يسارياً
سالم حسون -قد يكون من غير المهم بالنسبة لإنسان غادر الحياة أن يكون يسارياً أو يمينياً ولكن الحق يجب أن يقال. فرياض ومعظم الأدباء والفنانين البصريين كانوا يساريين بحكم البيئة والتأثر والجو الفكري العام الذي هيمن عليه الشيوعيون وأفكارهم الداعية لحب الشعب والفقراء والمظلومين فكان ذلك دافعاً كبيراً للإبداع الفني والشعري والأبدي لجيل كامل من مثقفي البصرة والعراق من السياب وحتى رياض أحمد الذي كان يعاني لأنه كان يجبر للغناء لا للفن والشعب بل للبعثيين خوفاً، وكان هؤلاء يعرفون ميول رياض اليسارية الشيوعية فدسوا له السم في الشاي ومات مسموماًفي حادثة لم تكن الفريدة من نوعهافي البصرة يعرفها الناس هناك، ولم يتطرق إليها للأسف كاتب المقال.
رياض احمد
رياض احمد -رحمة الله على الفنان رياض احمد الدي كان علما من اعلام الفن العراقي الدي لن يتكرر فى الوطن العربيسواء كان يساريا او يمينيا او اي شي اخر
الله يرحمه
Kahramana -لم يمت مسموما، وهذا بشهادة اصدقائه المقربين جدا، بل بسبب الاسراف في شرب الكحول وكان ذلك بعد معاناة طويلة وحالة نفسية سيئة للغاية.و المهم الان هو ان يتذكره الاعلام ويكرمه ويكرم كل الفنانين الحقيقيين. نريد ان نرى ونعرف اخبار كل فنانينا المهمشين بدون سبب.
احلى صوت
mufi -الف رحمة على روحك.... العراق خسرك كانسان اولا وفنان كبير وخلوق لن يتكرر
الكاتب
حشوره -الى كاتب المقال المحترم تعجبني مقالاتك جدا واذا لم يكن لديك مانع اريد مراسلتك؟مع شكري وتقديري لشخصك الكريم.
رحم الله رياض
ابو علي العماري -غاب عناسريعارياض احمد وافتقدنا صوته الرائع لم يذكر احد اين تدرب رياض على غناء طور المحمداوي كان يترددالى مدينة العماره يلتقي المرحومين جويسم وكريري وقد فاجأه جويسم قائلا عمي ماتكدر صعب عليك المحمداوي ولكنه قال له اسمعني ولما سمعه جويسم اعجب به وبدء يتحدث لرياض عن المحمداوي واسراره بعد ذلك غنى رياض كل ماغناه جويسم كاظم رحم الله الجميع
الذاكرة ؟
عشتار -ارحموني ياعالم حسوا بية بعد عين العراق اشظل الية , قلبي يصرخ بصوت , قلبي يصرخ بصوت , عراق بدونك انموت !! رحمة رياض احمد , هي متروكك الحي المسموع في فضائنا المكتوى المبتلى ! اما ما مضى لن يذهب سدى على رفوف متربه مرصوصة موصدة ! لانه محفوظ في الذاكرة ليست ذاكرتي المحضة بل اهلي ومن كبروني لكنني حتما استذكرك بفرحة صامته . الى رحمة الله . دمتم . عشتار
اول من اكتشف رياض اح
ابو سمره -الى العزيز عبد الجبار العتابي والى كل الملحنين ومن كتب عن المرحوم رياض احمد هو ان اول من اكتشف موهبه وصوت رياض احمد الملحن الكبير كوكب حمزه حيث كان جاره في دور موظفي جامعه الصره عندما كان كزكب حمزه يعمل في المركز الثقافي لجامعه البصره وكوكب حمزه اول ملحن يضع المرحوم رياض احمد في درب الغناء الصحيح
شكر وتقدير
Sammy -تحية وتقدير للكاتب على اهتمامه الجميل بالرموز والظواهر الثقافية والمميزة في وقت ندر فيه الوفاء. الفنان ذهبي الصوت رياض احمد غادر بلده إلى الاردن ومنها حاول الوصول الى أوربا وتوفي في رومانيا في أوضاع صعبة، وكان موته صورة الزراية بالفنان والمبدع العراقي وانعدام الاهتمام الرسمي او الشعبي به جراء انقلابات السياسة العراقية وحماقاتها. رياض احمد وقحطان العطار وسيتا هاكوبيان وأنوار عبد الوهاب وحسين نعمه وكثيرين ممن أودت بهم ظروف البلاد وهم أحياء في قمة عطائهم الابداعي، أسماء وأصوات اجدر كثيرا من الاسماء والحوادث المزرية التي صارت تتبادلها وسائل الاعلام عن العراق؟ تحية اكبار وتقدير لك اخي الكاتب والى مزيد من اشراقات ثقافتنا الخالدة.
الكاتب والاصاله
لانا -اشكر حبيبنا الكاتب الرائع عبد الجبار العتابي على مقالاته الرائعه والذي ينقل لنا بصدق كل ماهو جميل واصيل كلماتي تعجز امام مقالاتك سواء عن المطربين الاصيلين والذين يعتبرون هم ثروة واصالة العراق او مقالاتك عن مناطق بغداد الجميله مثل مقالك الرائع عن الاعظميه ومقالك عن شارع السعدون وربما ستتكرم علينا وتكتب عن الكراده وبقية مناطق بغدادنا الجميله.لان مقالاتك فيها مصداقيه وواقعيه وترجعنا الى الزمن الجميل والى عراقنا الجميل بكل مافيها الله لايحرمنا من مقالاتك يااصيل.تحياتي لك ياعشتار الحب والسلام .المغتربه المعجبه
الضحية
عمر الريشاوي انبار -تحية للمطرب المرحوم رياض احمد الذي قتله البعثيين ابان حكم الطاغية صدام , حاله حال اغلب شعراء العراق وفنانيه الذي قضو حياتهم بالغربة والقتل والتهجير , صوت رياض احمد لن يتكرر ابدا